25may3

آراء وتحليلات

أزمة كازاخستان ودور القوميات فيها

23/01/2022

أزمة كازاخستان ودور القوميات فيها

د. علي دربج  ـ باحث ومحاضر جامعي

لم تكن سرعة التدخل الروسي في كازاخستان، وحسم الرئيس فلاديمير بوتين للاضطرابات فيها واخمادها، بعد تدخل "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي تقودها موسكو عبر جيشها الحديث، مجرد رسائل موجهة للغرب والولايات المتحدة بتخطيهما الخط الأحمر في قضم نفوذ موسكو، أو استخلاصًا للعبر والدروس من خسارة اوكرانيا التي نكبت بها موسكو في العام 2013، بل إن جزءا من هذا التحرك كان يتعلق بالشعور بالقلق من الاحتجاجات في كازاخستان التي استهدفت النظام بالدرجة الأولى (لا سيما أنه كان بين المحتجين روس من أصل كازاخستاني)، وهو أمر لطالما كان بوتين يحاذره، ويسعى دائمًا إلى منعه، خشية أن يلهم الناس في الاتحاد الروسي على القيام بأفعال مماثلة، خصوصًا وأن الغرب يتربص بروسيا.

بالنسبة لبوتين هناك عاملان أساسيان، عززا مخاوفه تلك. الأول: وقعت بعض المظاهرات في شمال كازاخستان ويبدو أنها شملت ليس فقط اثنية الكازاخ، ولكن شارك فيها أيضًا كازاخستانيون من أصل روسي، وهي علامة على أن الاحتجاجات في الدولة الواقعة في آسيا الوسطى يمكن أن تصبح نموذجًا للاحتجاجات في روسيا مستقبلًا متى دخل طرف ما، واستغل أزمة ما، اقتصادية أو اجتماعية.

العامل الثاني، يتمثل في أن أعمال الشغب في كازاخستان، حدثت في وقت كان الكرملين فيه قلقًا بالفعل بشأن انتشار التطرف الوهابي الارهابي الكامن في شمال أفغانستان التي تسيطر عليها "طالبان"، والذي يتخوف بوتين من امتداده إلى آسيا الوسطى وربما إلى روسيا أيضًا. وتحسبًا لكل هذه المخاطر، نسق بوتين عملية إدخال قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) وعمل في ذات الوقت أيضًا، على زيادة القوات العسكرية الروسية جنوب كازاخستان، على طول الحدود الأفغانية.

ما هي حقيقة مشاركة روس من أصل كازخستاني في الاحتجاجات؟

نظرًا لأن الاحتجاجات في كازاخستان كانت أكثر عددًا في الجزء الجنوبي من البلاد ذي الأغلبية العرقية الكازاخستانية، ولأن السلطات أغلقت الإنترنت، مما حدّ من الأخبار الورادة حول التطورات في هذه المنطقة، لا يُعرف الكثير عن التجمعات في الشمال الذي لا يزال يغلب عليه العرق الروسي. لكن وسائل الإعلام الروسية ذكرت أن "الاحتجاجات الجماهيرية في كازاخستان امتدت إلى الشمال الروسي من البلاد، حيث استهدفت المظاهرات والاعتقالات بتروبافلوفسك، التي نسبة سكانها الذين من أصل روسي 60 بالمائة، ومدنًا أخرى يشكل فيها الروس عددًا كبيرًا أو أقلية كبيرة".

إضافة الى ذلك، ليس مفاجئًا بالنسبة للكرملن، أن يشارك في المظاهرات التي اندلعت، وكانت أبرز مسبباتها إلى حد كبير التردي الاقتصادي وارتفاع الأسعار وفشل الحكومة في احتوائها (ولا ننسى  التحريض الخارجي)، الروس أيضًا، حتى لو كانت أعدادهم أقل بكثير، من عدد الكازاخ، الذين في بعض الحالات، أعطوا في نهاية المطاف بُعدًا إثنيا قوميًا للاحتجاجات.

أزمة كازاخستان ودور القوميات فيها

وانطلاقا من هنا، تقوم الرؤية الروسية على أنه حتى لو كانت المشاركة العرقية الروسية قليلة، فإن موسكو لديها ثلاثة أسباب للتخوف.

السبب الاول: لطالما كانت موسكو قلقة من أن تتخذ الاحتجاجات في كازاخستان عنصرًا عرقيًا، بسبب تصاعد تيار القومية هناك، وتؤدي بالتالي إلى اشتباكات بين الكازاخستانيين والروس. وعليه فإن من شأن مثل هذا التطور أن يقوض الاستقرار الذي تعتمد عليه موسكو في كازاخستان، البلد الذي لا يزال يسكنه 3.5 مليون روسي، ويوجود فيه ثاني أكبر جالية عرقية روسية في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي. ولذلك، دفع هذا الخطر بعض المعلّقين والخبراء الروس في الأيام الأخيرة، الى الحديث عما يعتبرونه حاجة روسيا للاستيلاء على الأجزاء الشمالية من كازاخستان، بقدر ما تسيطر الآن على دونباس في أوكرانيا.

ثانيًا، افترضت موسكو انه حتى لو انضم عدد قليل نسبيًا من الروس العرقيين إلى مسيرات الشوارع (أثناء الأزمة)، فإن قلق روسيا مع ذلك كان نابعًا من أن المظاهرات التي يهيمن عليها العرق الكازاخستاني، يمكن أن تدفع المزيد من الروس إلى اتخاذ قرار بالفرار إلى روسيا، في حال بدأ الغضب الشعبي (الذي حركه الاقتصاد في المقام الأول) يأخذ بعدًا عرقيًا، وبالتالي يمكن أن ينعكس الهامًا لدى بعض المجموعات للقيام بالهجمات على الروس فضلًا عن الأقليات الأخرى. وهنا قد يكون من المفيد الاشارة الى أنه لا يغادر كازاخستان سوى حوالي 50000 شخص من أصل روسي إلى روسيا كل عام، و135,000 مهاجر فقط من جميع المجموعات العرقية يأتون سنويا من كازاخستان، للعمل في روسيا.

وتبعًا لذلك، رسم بعض المعلقين في موسكو حينها، السيناريو السلبي التالي: في حالة وقوع أعمال عنف، يمكن أن ترتفع هذه الأعداد إلى مستوى يصل إلى ما كان عليه الوضع أوائل التسعينيات أو حتى إلى مستوى أعلى، وهذا من شأنه أن يقلل من نفوذ موسكو في كازاخستان. ولكن ثمة أمر آخر مهم الا وهو أن موجة المهاجرين والعمال الضيوف سوف تجلب معها إلى الاتحاد

الروسي أزماتهم ومشاكلهم، وبالتأكيد فإن السلطات الروسية بغنى عنها، خصوصًا في الوقت الحاضر، الذي تعاني فيه موسكو من صعوبات اقتصادية داخلية.

ويتلخص السبب الثالث، في أنه إذا ما أصبح الهروب الروسي الهائل حقيقة واقعة، فإن موسكو سوف تواجه تحديات جديدة في آسيا الوسطى. فمن ناحية، ستصبح كازاخستان أشبه بكثير بجاراتها من بلدان آسيا الوسطى، أكثر إسلامية وأقل روسية، وبالتالي سيضعف دورها كعائق أمام انتشار الأصولية الوهابي الارهابية وتجارة المخدرات التي تتركز في شمال أفغانستان، تمامًا كما كان عليه الحال في الماضي.

ومن ناحية أخرى، فإن انزلاق كازاخستان الى الفوضى من المرجح أن يعيق تدفق العمال المهاجرين من دول آسيا الوسطى الأخرى (كازاخستان هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تشترك معها روسيا في حدود مادية)، مما يزيد من إحباط ونقمة اقتصاديات تلك الجمهوريات الجنوبية، ويتركها أكثر عرضة لانتشار نفوذ طالبان الأفغانية وتهريب المخدرات.

وبناء على ما تقدم تساعد مثل هذه المخاوف في تفسير السرعة التي نسقت بها موسكو وقادت إرسال قوات "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" لدعم النظام الحالي في كازاخستان، خشية خروج الوضع عن السيطرة وإلحاق الضرر بروسيا بطرق مختلفة. لكن هذه المخاوف (الحقيقية أو المتخيلة) توضح أيضًا شيئًا آخر: لقد أضافت إلحاحًا جديدًا لجهود موسكو "لتعزيز مواقفها على الحدود الطاجيكية الأفغانية"، وهي الجهود التي تم تسليط الضوء عليها في المحادثات بين الرئيس بوتين ونظيره الطاجيكستاني، إمام علي رحمون، قبيل اندلاع احتجاجات كازاخستان.

في الختام، ومع تراجع كازاخستان كحاجز (قياسًا عما كانت عليه سابقًا) يمنع المشاكل الناشئة من أفغانستان، سيكون لدى روسيا المزيد من الأسباب لمحاولة ضمان تعزيز بقاء الحواجز الأخرى (أي الجمهوريات الاخرى الحليفة في آسيا الوسطى) في مكانها، في الفضاء الروسي.  

ونتيجة لكل هذه العوامل، كان لدى قوة الأمر الواقع التي تقودها روسيا "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" أجندة أوسع بكثير من مجرد إنقاذ نظام متحالف من هجمات الشارع. لقد عكس هذا التدخل، على الأقل من وجهة نظر موسكو، محاولة لحماية آسيا الوسطى وربما روسيا أيضًا من انتشار عدم الاستقرار.

فلاديمير بوتينكازاخستاننور سلطان

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة