25may5

آراء وتحليلات

الموازنة المرتقبة: مجزرة اقتصادية اجتماعية

22/01/2022

الموازنة المرتقبة: مجزرة اقتصادية اجتماعية

د. محمود جباعي

تنعقد الحكومة اللبنانية يوم الاثنين في 24 كانون الثاني الجاري من أجل بدء التمهيد لبحث بنود الموازنة لعام 2022 في ظل ترقب المواطنين لهذه الخطوة بقلق شديد خوفًا من أن تتضمن هذه الموازنة ضرائب ورسوما جديدة تثقل كاهلهم أكثر في ظل ما يعيشونه من أزمات متلاحقة. علمًا أن القدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين قد تقهقرت بفعل انهيار عملتهم الوطنية، وقد وصلت نسبة انهيارها منذ فترة الى أكثر من 90%. ومن المعروف أن إقرار هذه الموازنة يعتبر من أهم شروط المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي ينتظر أن تتضمن إصلاحات جذرية قبل تقديم أي قروض ومساعدات للحكومة اللبنانية.

تفنيد أبرز بنود الموازنة كما جاءت

يلاحظ في هذه الموازنة أنها من حيث الشكل والتصميم لا تتضمن زيادات ضريبية أو ضرائب جديدة على المواطنين بشكل مباشر، لكن عند الغوص في بنودها المفخخة يتضح أن واقع الأمر غير ذلك وهو أخطر من اقرار رزمة جديدة من الضرائب والرسوم على المواطنين، ويلخَّص أبرزها في الآتي:

1- اعطاء السلطة المطلقة لوزير المالية في تحديد سعر الصرف المناسب للنفقات والايرادات حسبما تقتضيه الحاجة مما يعني أنه يعود لوزير المال وحده تحديد سعر الدولار للضرائب والرسوم وكذلك النفقات وهذا ينذر بامكانية وجود العديد من أسعار الصرف في الموازنة الموعودة مما سيرهق حتمًا القدرة الشرائية للمواطنين وسيحمي بالتأكيد المصارف وأصحاب رؤوس الأموال من أي زيادة كبيرة على الضرائب والرسوم الملقاة على عاتقهم.

2 - تنص المادة 109 على منح وزير المالية والوزير المختص صلاحيات استثنائية مطلقة لمدة سنتين في تعديل النسب والضرائب والرسوم وتعديل استيفاء الرسوم بالليرة اللبنانية مما يمهد أيضًا لاستيفاء بعضها في الدولار الأميركي وهذا ما سيرهق القدرة الشرائية للمواطنين بصورة كبيرة.

الموازنة المرتقبة: مجزرة اقتصادية اجتماعية

3 - تنص المادة 132 على الزام المصارف في تسديد الودائع الجديدة فقط بالعملة المودعة فيها دون ذكر الودائع القديمة مما يشرع للمصارف ومصرف لبنان الاستمرار بعملية الهيركات على الودائع الدولارية القديمة كما حددت في التعاميم المختلفة للمصرف المركزي. وهذا يمهد أيضًا لتحويل نسبة منها من دولار إلى ليرة لبنانية ويسهل عملية اطفاء خسائر القطاع المصرفي على حساب المودعين فقط.

4 - تنص المادة 81 على فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على البضائع والسلع التي يصنع لها مثيل في لبنان، وعلى الرغم من بعض الايجابيات الحمائية للانتاج المحلي في هذه المادة الا انها ستؤدي الى مزيد من الزيادة على الاسعار وخاصةً ان الرسوم الجمركية ستخضع أساسًا الى زيادة كبيرة في تحديد سعر الصرف عليها وهذا ما سينذر بتفلت كبير في الاسعار وخاصةً في غياب الرقابة الفعلية على آلية التسعير المعتمدة.

5- المستغرب أيضًا أن هذه الموازنة لا تلحظ نفقات استثمارية كبرى وهي اكتفت فقط بتحديد نفقات متدنية جدًا في قطاعي الزراعة والصناعة بقيمة 2200 مليار ليرة من أصل 49416 كنفقات اجمالية ما يتعارض مع امكانية وضع خطة تعافٍ اقتصادي مبنية على تعزيز الاستثمار في المجال الانتاجي من أجل الوصول الى نمو متوازن يفتقده لبنان منذ التركيز على تطوير الاقتصاد الريعي على حساب الزراعة والصناعة.

6 - قيمة النفقات الاجمالية المتوقعة تقدر بـ 49416 مليار ليرة بينما قيمة الايرادات العامة المتوقعة تقدر بـ 39154 مليار ليرة أي بنسبة عجز تصل الى 10262 مليار ليرة. أضف اليها سلفة الكهرباء التي تصل الى 5250 مليار ليرة مما يجعل قيمة العجز الكلي للموازنة بقيمة 15512 مليار ليرة علمًا أن معظم الايرادات المتوقع تحصيلها هي ايرادات افتراضية ممكن أن يكون تحصيلها أدنى بكثير مما يرفع حتمًا من قيمة العجز المحتمل.

الموازنة الحالية مجزرة حقيقية في حق المواطن والاقتصاد

بناء على بعض البنود التي ذكرناها والعديد من البنود الأخرى وهي كثيرة، يتضح أن هذه الموازنة لم تأتِ بالجديد مقارنة مع سابقاتها، التي دائمًا ما كانت تحمي رؤوس الأموال على حساب المواطن وتحاول تحييد القطاع المصرفي عن تحمل أي تبعات للخسائر الناتجة عن الأزمة، وتسمح بالهيركات المقنع على الودائع مما سيضيع حقوق المودعين بشكل تام.

 وتساهم الموازنة من خلال تغيير سعر الصرف في النفقات والايرادات بحصول المزيد من الضغط المعيشي على المواطنين الأمر الذي سيقود فئة كبيرة الى مرحلة الفقر والعوز. أما من الناحية الاقتصادية، فهي غير مبنية على أسس واضحة من أجل التعافي الاقتصادي من خلال عدم تضمنها أي نفقات استثمارية تذكر. كل ذلك ينذر بانفجار اجتماعي منتظر، لذلك وجب على القوى السياسية أخذ الحذر قبل المضي قدمًا في هكذا موازنة تضع المواطن اللبناني تحت رحمة السياسة المالية المتماهية بالمطلق مع السياسة النقدية من أجل سرقة حقوق المواطنين والمودعين.

الموازنة

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات