نقاط على الحروف

09/03/2019

الاسقاط والدراسات الاستراتيجية

محمد مرتضى
عندما تقرأ الاسطر الاولى من مقال "ايران ومحمد بن سلمان" للمدعو "رائد العسكر" في صحيفة الحياة السعودية التي تصدر من لندن في عددها الصادر في السادس من الشهر الجاري تصاب بصدمة. تظن أن "الحياة" غير الحياة، وأن الصحيفة ربما تعرضت للقرصنة. فالكاتب بدأ مقالته بتوصيف ايران من حيث المساحة وعدد السكان، وسرعان ما يذكر انها "تعتبر قوة إقليمية وتحتل مركزاً هاماً في أمن الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي، بسبب احتياطاتها الكبيرة من النفط والغاز الطبيعي، إذ يوجد في إيران ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم ورابع أكبر احتياطي مؤكد من النفط".

 قد يظهر من هذه العبارة ان الكاتب يمتدح ايران، الا أن ذكر المعطيات الموثقة ليس من الامانة في شيء فربما يكون الدافع وراءه عدم قدرة انكاره. وما أن انهى الكاتب وصف النظام السياسي القائم في ايران حتى بدأ يطلق سلسلة من الاحكام من قبيل: "تنتهج ايران سياسة عدائية"، "تتبنى نشر الفوضى"، تصدر المذهب لاهداف سياسية"، تعتمد استراتيجية "دماء العرب"، تهدف للسيطرة على ثروة الشعوب"...الخ،  وغيرها من العبارات التي يعلم القارئ بمجرد قراءتها أنها من معجم مفردات اعلام سعودي اعتاد ان يمارس، تبعاً لحكامه، احدى ميكانيزمات الدفاع النفسي والتي تسمى "الاسقاط"، وهي عبارة عن قيام الشخص بإسقاط  عيوبه وصفاته السيئة على غيره، في محاولة لإبعاد التهمة عن نفسه من جهة، وللفت الانظار الى غيره من جهة أخرى. فالفكر الارهابي الذي ضرب العالم بأجمعه يعلم القاصي والداني ان مصدره الوهابية التي انتشرت بالمال السعودي، وان المملكة هي من تعاني من صراعات حدودية مع الكويت والامارات وقطر في محاولة منها للهيمنة على ثروات الشعوب، وأن امراء المملكة هم من يسيطرون على 90 بالماية من ثروات المملكة وحرمان الشعب منها، فيما مئات الالاف يعيشون تحت خط الفقر، وأن "يخوت" الامراء وحدها كافية لانتشال تلك الطبقة المسحوقة في المملكة من العوز والفقر والتهميش.

على أن آلية الاسقاط المذكورة ليست الالية الوحيدة من اليات الدفاع النفسي التي استعملها الكاتب ويستعملها حكام المملكة، فهناك ايضا ما يسمى الانكار، وهو انكار واقعة مؤلفة، وربما يسعى ايضا الى تحسينها وتحويلها لإنجاز. وهذا تماما ما فعله الكاتب عندما قال: "سببت «عاصفة الحزم" للمخطط الصفوي هزيمة قاسية في المنطقة".

حسنا دعونا من ذلك، ولنعد الى الاسقاط، ولنقرأ العبارة التالية في تعليقه على اعدام الشيخ نمر النمر حيث قال: " الذي سبب إعدامه لإيران حالة من الهستيريا والتخبط، أدى ذلك إلى التهجم على سفارة وقنصلية المملكة في طهران ومشهد، وكأن تلك الحكومة تحتاج إلى المزيد من الدروس في العلاقات الديبلوماسية، فضلاً على التربية الاخلاقية وكيفية التعامل مع الغير". لا داعي لأن يفرك القارئ عينيه فالعبارة صحيحة ومنقولة حرفيا من الكاتب، نعم ايها السادة يقوم كاتب بإعطاء دروس في اصول التربية الاخلاقية والعلاقات الديبلوماسية في صحيفة سعودية. ولعل أكثر من شعر بالاستغراب من هذه العبارة هم: محمد بن سلمان، وسعود القحطاني، وأحمد عسيري، وماهر المطرب، وصلاح الطبيقي، وباقي اعضاء القنصلية السعودية في تركيا المتهمين بقتل الخاشقجي وتقطيع جثته داخل حرم ديبلومسي.

لا أدري ماذا يمكن ان يطلق فرويد ومدرسة التحليل النفسي على هذه الكلمات من الكاتب، وهل تقع بالفعل تحت آلية الاسقاط، أم تجاوزته بدرجات، خاصة ان ميكانيزمات الدفاع النفسي بحسب هذه المدرسة يقوم بها الشخص بطريقة غير واعية، فيما يقوم بها هؤلاء وهم بوعيهم الكامل..

الا أن الأطرف من كل ذلك، ان الصحيفة في توصيفها للكاتب ذكرت انه "متخصص بالدراسات الاستراتيجية"، ولا تعليق.

 

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف