باقون

خاص العهد

بغْيٌ الى اندثار

18/01/2022

بغْيٌ الى اندثار

لطيفة الحسيني

بلغت السطوة في بلاد الحرميْن حدًّا لم يعد يُطاق. لا أهل الجزيرة العربية يستطيعون تحمّل المزيد من الصَلَف، ولا أنصار الحقّ قادرون على السكوت أكثر أمام حجم التغطرس المستشري في عهد سلمان وابنه.

كلّ الفضائح التي تُعرّي "ديمقراطية" مزعومة لوليّ عهدٍ مولع بالسلطة والبغْي لم توصل حتى الآن الى ما يختم هذا القهر، لكنْ لا طائل من الاستمرار والمُثابرة في معركة تتجاوز الحقوق السياسية والاقتصادية الى تغيير ضروري يُبدّل المشهد في المملكة، وينقله الى ما يطمح أهلها الأصيلون: عدلٌ وسويّة لا يعرفان تمييزًا وإجحافًا.

الكلام داخل السعودية ممنوع إلّا بما يُرضي السلطة. قاعدة مفروضة بالقوّة. لكن في الخارج يعجز آل سعود عن إسكات كلّ من يُساند المطالب المُنصفة. العجلة السياسية للمُعارضين في المنافي تسير بوتيرة مُكثّفة في الآونة الأخيرة. بقدر ما يضطهد الملك ووليّ عهده، بقدر ما تُهشّم صورتاهما ونظام حُكمهما.

اذًا، جهدٌ كبير تبذله المعارضة في الجزيرة العربية لتبيان حقيقة ما يتعرّض له أبناء المملكة وضحايا نهجها الدموي والوحشي. مؤتمر بيروت أبرز تلك الأنشطة المُعزّزة اليوم، فهل يبني لقاء المعارضة مرحلةً مغايرة للعمل المطلبي؟ وما هي أجندتها المقبلة؟

المعارضة في الجزيرة العربية: السلطة للشعب

عباس الصادق، عضو تجمّع "لقاء المعارضة في الجزيرة العربية"، يتحدّث لموقع "العهد الإخباري" عن هويّة "اللقاء" وتحدّياته، فيقول إن "الأخير هو تحالف يضمّ عددًا من المكوّنات السياسية التي كانت تعمل كجهات مُعارضة للنظام السعودي منذ أكثر من 40 عامًا، وحركة "خلاص" التي تأسّست عام 2009 أصبحت ضمن هذا التحالف"، غير أنه يغوص في الشرح: "اللقاء لم يكن وليد اللحظة، فجميع الأعضاء فيه ينتمون لجهات مُعارضة عملت خلال 40 سنة في مواجهة السياسات الغاشمة للنظام، وقد جاءت اللحظة المناسبة للإفصاح عن هويّته السياسية في الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد الشيخ نمر باقر النمر".

وحتى لا تكرّر سيناريوهات سالفة ومنعًا لحصول أية ثغرات، يسعى اللقاء الجديد للاستفادة ممّا سبق لبناء مرحلة تتناسب مع الظروف الحالية، على مختلف الصعد في الداخل والخارج، وللغاية يستعدّ لإطلاق عددٍ من المُبادرات والأنشطة والفعاليات خلال الأيام المقبلة، وفق ما يؤكد الصادق لـ"العهد".

التحركات الداخلية معدومة كليًا، فعلى ماذا تُعوّل المعارضة للتأثير في النظام الجائر؟ يُجيب الصادق "على الصعيد الداخلي سنكون مُساندين وداعمين لأيّ تحرك مطلبي، ونعمل على تظهير المشكلات المعيشية وغيرها فنُبيّن لشعبنا أنها ليست سوى أعراضٍ للمشكلة الأكبر، المتمثّلة في النظام الدكتاتوري المسيطر على ثروات الشعب والحاكم بغير وجه حقّ"، ويتابع "مع فشل جميع التجارب السابقة التي انتهجت المُعالجة الموضعية، لا بدّ من رفع الصوت عاليًا للخلاص من هذا النظام المُتكبّر الذي أمعن في الشعب قتلًا وبطشًا واعتقالًا وملاحقةً وتهجيرًا. لا بدّ له من الرحيل ليُترك أمرُ بناء الدولة وتشكيل السلطة للشعب وحده".

 

بغْيٌ الى اندثار

 

مؤتمر بيروت وما تضمنه من رسائل يبدو أنها وصلت الى المُتربّعين على السلطة غصبًا. بحسب الصادق، جرى رصد ردود أفعال تُبيّن تأثير اللقاء ولا سيّما من خلال  أبواق النظام وتغريدات كتّابه، فبمجرد نشر "صورة الإعلان عن المؤتمر" على وسائل التواصل الاجتماعي وقبل يوم من انعقاده، استضافت قناة "الحدث" السعودية وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي وتعمّدت أن تنسب له وصفه الشيخ النمر بـ"الإرهابي" مع أنه لم يُشر لهذا النعت، فيما نشرت صحيفة "عكاظ " مقالًا يُظهر حجم انزعاج النظام من إحياء الذكرى وإطلاق "لقاء".

أما أبرز الذين عادة ما يوعز لهم النظام بتسريب المعلومات أو التعليق على الأحداث أمثال تركي الحمد وأحمد الفراج وعضوان الأحمري ومحمد آل الشيخ وغيرهم، فجميعهم تجاهلوا الحدث باستثناء عماد المديفر (يتمّ تقديمه في الإعلام السعودي على أنه محلّل نظم، باحث بالدبلوماسية العامة والإعلام السياسي) فاكتفى بالتغريد بمقال عكاظ (بعنوان وكر استخبارات الملالي منصة لاستهداف العرب)، لكنه سارع الى حذف المقال ما يشي بصدور توجيهات بذلك، على ما يفيد الصادق.

التجاهل المقصود يعني إشارة مُتعمّدة في سياسة بني سعود. وكلّ ما يعرّي جبروتهم يُرصد ويُسمع وبناءً عليه يتحرّكون ويُهددون ويُصَفّون ويغتالون. الصادق يُشدّد على أن "كلّ من يُجاهر بمناوأته للنظام السعودي في دائرة الاستهداف"، ويُذكّر بـ"مُلاحقة المُعارضين ومُضايقتهم واختطافهم واغتيالهم كما حصل للمناضل ناصر السعيد والحاج أحمد المغسل والصحافي جمال خاشقجي بالإضافة لعددٍ من أمراء آل سعود الذين واجهوا سياسة الملوك".

كيف السبيل للتحرّر من كلّ هذا العتوّ؟ يعرب الصادق في حديثه لـ"العهد" عن اعتقاده بأن "التغيير لا يمكن أن يتحقّق إلّا بهبّة شعبية، ولا سيما في ظل تسلّط محمد بن سلمان على مقاليد الأمور وما تشهده بلادنا منذُ سنواتٍ من تدهور في الحقوق المدنية والحريات السياسية، وما آلت إليه أوضاع الناس الحياتية، وزيادة الأعباء الضريبية وغلاء الأسعار، ومختلف الأزمات ومصادرة الهوية الدينية والتاريخية للجزيرة عبر "الترفيه" بأشكال مُخالفة للعُرف والدين والذوق العام". ويرى أن "بَيان تلك المساوئ وإظهارها وتعبئة الرأي العام لرفضها بالطرق السلمية المشروعة والمُتاحة يُساهم في التغيير وإن كان ذلك يتطلّب تضحية، فالحرية لا تُنال إلّا بالإقدام والبذل وتلك مسؤولية وطنيّة وأخلاقية لدفع غائلة الشرّ والجوْر عن أبناء الشعب".

يخلص الصادق الى أن "إطلاق اللقاء يستهدف رصّ الصفوف لإدراك خطورة ما تشهده البلاد جراء انحراف السلطة المتنامي نحو الاستئثار بالحكم ونشر القمع، للتقدّم في مسيرةِ عملٍ تُقوّم الخلل الوظيفيَّ لدولةٍ كانت ولا تزالُ من حقِّ الشعبِ لا حقّ عائلة متفرّدة بالزعامة".

علماء الجزيرة: المُلك لا يدوم مع الظلم

لا ينحصر النشاط المطّرد للمناوئين للنظام عند هذا المستوى. على الخطّ نفسه، تبرز حيوية لتجمّع "علماء الجزيرة العربية". التسمية قريبة جدًا من "اللقاء"، لكن الأعضاء علماء ومشايخ من المملكة يُركّزون قُدراتهم وخبراتهم وعلاقاتهم باتجاه توعية الشعب وتحفيزه على معرفة تكليفه وحقوقه المسلوبة.

مصدر رفيع في التجمّع يحكي لـ"العهد" عن عزيمة هذا التيار والى ماذا يرمي، فيشرح أوّلًا أنه "تجمّع علمائي حرّ وشريف يضمّ مجموعة من طلبة الداخل والخارج يحملون همّ القيام بالتكليف الشرعي أصالةً وهواجس المواطنين على اختلاف انتماءاتهم ومذاهبهم"، ويُشير الى أن "المأمول توسعة دائرة التجمّع لتشمل الأخوة من علماء أهل السنة".

يتبنّى التجمّع ما عبّر عنه لقاء المعارضة الذي أُطلق في بيروت قبل أيام، فهو برأي المصدر يُمثّل توجّه شعب الجزيرة وصوته، ويحمل رسالة للداخل بالدعوة للمطالبة بالحقوق السياسية والمدنية والمساهمة في إدارة شؤون البلد، كما أن عمله الأساسي يقوم على تبيان محورية الشعب الذي يمثُل مصدر السلطات مقابل اختصار الإدارة بأشخاص يفتقدون الى الكفاءة.

وفق المصدر نفسه، يحمل اللقاء رسالة أخرى للخارج، للدول والمنظمات الحقوقية التي تدّعي مراعاة حقوق الانسان وتكفل الحريات، بأنها تتغاضى عن تعسّف النظام وحرمانه الشعب حقوقه المشروعة.

التغيير المتوقّع، من وجهة نظر التجمّع على ما يُبيّن المصدر، "ليس من النظام الحاكم بل ستفرضه سياسات إقليمية ودولية، لأن المعادلة الكونية والقرآنية تقول إن المُلك لا يدوم مع الظلم، وكلّما ازداد داخليًا كلّما اكتُشف الضعف الخارجي وتسارعت عجلة السقوط للهاوية".

 

بغْيٌ الى اندثار

 

الانحدار الديني والأخلاقي غير المسبوق في السعودية اليوم يدفع علماء الجزيرة العربية الى إعلاء الصوت علّه يؤثّر. مصادرهم تلفت الى أن "الضمير الديني والأخلاقي والقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستدعيان تحركًا اجتماعيًا، لأن الانحطاط المشهود ليس سلوكًا اجتماعيًا، بل حكومي يُضخّم إعلاميًا لكسر هيبة الدين والتديّن"، وتشير أيضًا الى أنه "ليس سلوكًا عامًا لمجتمع الجزيرة العربية، فهو يستفيد من المُقيمين وغير المواطنين بالدرجة الكبرى ولذلك يوجد استنكار للاستهتار الجسيم، والتجمّع يسعى للقيام بهذه المهمّة الثقافية المضادّة لسياسات النظام الفاسد حاليًا".

من بين المسائل المُقلقة بالنسبة للعلماء التطبيع غير المعلن الذي تسلكه السلطة. هؤلاء يرونه "خطًا أحمر لمجتمع الجزيرة سواء العلماء الأحرار من الشيعة والسنة أو عموم الشعب"، وهم لا يستبعدون التطبيع "بصور متنوّعة الى أن تتهيّأ لهم أرضية إعلانه"، ويُعربون عن اعتقادهم بأن "ضرر هذا الخيار على الصهاينة وآل سعود سيكون وخيمًا جدًا"، لهذا يعتبرون أن عليهم كنخب التوعية الدائمة من هذا الخطر الداهم وكيفية التصدّي له بكلّ السبل المشروعة لحفظ كرامة أرض الحرميْن الشريفيْن، فهذا واجب ديني ليس على شعب الجزيرة بل على كلّ المسلمين".

المصدر يقول إن "حفظ قداسة أرض الحرميْن تكليف إلهي، كما أن حفظ دين وأخلاق الناس من مهام العلماء ووظائفهم الشرعية، ولذلك يجري التنسيق والعمل بشكل مكثّف من خلال الآليات المُتاحة حسب الظروف والإمكانات".

السعوديةالجزيرة العربيةتجمع العلماء في الجزيرة العربيةتجمع المعارضة في الجزيرة العربية

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة