irhabeoun

آراء وتحليلات

حصاد تونس 2021: سنة التغيرات السياسية والتحديات

28/12/2021

حصاد تونس 2021: سنة التغيرات السياسية والتحديات

تونس - روعة قاسم

يستعد التونسيون لطيّ صفحة العام 2021 بكل ما حملته معها من تحولات سياسية وأحداث هامة ساهمت في رسم ملامح مرحلة سياسية جديدة بكل صعوباتها وتعقيداتها.
 
ولعل أهم حدث بدأ به العام هو تولي تونس رئاسة مجلس الأمن خلال شهر كانون الثاني / يناير 2021. وشّكل هذا الحدث فرصة أمام تونس لتعزيز دورها في دعم القضية الفلسطينية خاصة أنها كانت ولا تزال في مقدمة الدول التي تدعم حقوق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الصهيوني. ومثّل ترؤس تونس لمجلس الأمن موعدًا دبلوماسيًا هامًا ومناسبة تاريخية لتأكيد ثوابت السياسات الخارجية لتونس المرتكزة خاصّة على الالتزام بالشرعية الدولية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ومناصرة القضايا العادلة، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينية.  

كورونا والحجر الصحي العام

ظلّ كابوس كورونا يؤرق التونسيين كما العالم، وقد شهد العام عودة للحجر الصحي الشامل بعد أن بلغ تفشي كوفيد-19 مستويات قياسية.  
وتصاعدت المخاوف من عجز المنظومة الصحية برمتها عن استقبال المرضى في حال استمرار هذا المنحى التصاعدي لانتشار العدوى. وقد وجدت الحكومة التونسية نفسها أمام خيارات صعبة في ظل وضع صحي مأزوم وذاهب للأسوأ وفي خضم وضع اقتصادي صعب.

اضطرابات واحتجاجات  

ورغم الحجر الصحي المفروض إلا أن العديد من الشبان خرجوا في مظاهرات في الذكرى العاشرة للثورة التونسية في 14 كانون الثاني / يناير. وأعادت هذه الاضطرابات المخاوف من تدهور الوضع الأمني في بلد يعيش أزمات سياسية واقتصادية بالجملة. فعدم الاستقرار السياسي، كان دافعًا رئيسيًا بالنسبة للبعض لشعور العديد من الشبان بعدم الثقة واليأس بشأن المستقبل الغامض، خاصة أن الانقسامات السياسية بين الأحزاب والطبقة السياسية سواء في الحكم أو المعارضة غالبًا ما تخرج للعلن من خلال المواجهات الكلامية المتصاعدة وبات البرلمان ساحة لها.
 
ضغوطات كبيرة

ويمكن اعتبار 2021 أنها سنة التحديات الاقتصادية والسياسية وكذلك سنة الضغوطات الداخلية والخارجية، فقد مثلت املاءات صندوق النقد الدولي سلاحًا مصلتًا على البلاد خاصة مع الشروط التي فرضها على الحكومة. ولطالما شكك العديد من النشطاء بتوجهات صندوق النقد الدولي والذي يضع البلاد رهينة له. فهو منذ ثورة 2011 يسعى الى التحكم في التوجهات الكبرى للاقتصاد الوطني التونسي ودعم الخصخصة. كل هذه التطورات وضعت حكومة المشيشي أمام ضغوطات كبيرة داخلية في الشارع التونسي الغاضب وخارجية من خلال املاءات صندوق النقد الدولي وشروطه. كل ذلك صعّب من مهام حكومة المشيشي التي خضعت لامتحان جلسة منح الثقة.   

خطر الإرهاب التكفيري  

ولم يغب خطر الإرهاب التكفيري عن تونس، اذ استهدف الجيش التونسي من خلال تفجير لغم في منطقة جبال المغيلة وسط غرب البلاد ما أسفر عن استشهاد أربعة جنود. ورغم القضاء على الجماعات الارهابية وفلولها في جبال القصرين والمغيلة وغيرها من الجبال التونسية والتي شهدت أصعب المعارك بين الجيش الوطني التونسي وهؤلاء التكفيريين، إلا أن بعض الخلايا النائمة لا تزال تنشط من حين لآخر وتستهدف بعمليات غادرة أبناء الجيش والشرطة والأمن التونسيين بطرق وعمليات مختلفة، وزرع الألغام هو أحد وسائلها لبثّ إرهابها في انحاء البلاد.

حوار وطني جديد  

ومع تصاعد وتيرة الأزمة التونسية بين رئاستي الحكومة والجمهورية ووصول البلاد الى طريق مسدود انطلقت خلال العام الحالي دعوات من المنظمات الوطنية التونسية الفاعلة لتوحيد الجهود والضغط من أجل ايجاد حل للأزمة الراهنة. أولى الدعوات انطلقت من الاتحاد العام التونسي للشغل، وانضمت للقافلة كذلك الهيئات الوطنية التي كانت راعية للحوار الوطني الذي شهدته البلاد في صيف 2013. وجاء الاعلان عن هذه المبادرة الجديدة بعد سلسلة لقاءات أجراها رئيس الجمهورية مع عدد من الفاعلين في تونس مثل اتحاد المرأة والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان.

 وفي 26 كانون الثاني / يناير 2021، صادق البرلمان التونسي على التعديل الوزاري في حكومة المشيشي، بالأغلبية المطلقة. لكن الرئيس سعيد، لم يدع الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية حتى اليوم، بحجة أن التعديل شابته "خروقات دستورية"، وهو ما رفضه المشيشي، ورى أن خطوته متوافقة مع القانون والدستور.

دعوات الى تجريم التطبيع الثقافي  

وتواصل خلال هذا العام الحراك المدني من أجل تجريم التطبيع الصهيوني ومحاربته. وفي هذا السياق دعا كتاب ونشطاء وممثلون عن المجتمع المدني في تونس الى سنّ قانون يجرّم التطبيع الثقافي وغيره من أنواع التطبيع مع العدو الصهيوني، لاغلاق الأبواب أمام كل من تسوّل له نفسه التعامل مع العدو الصهيوني بأي شكل كان وتحت أي ذريعة كانت، وذلك تحت عنوان "معا ضد التطبيع الثقافي" على هامش تورط مجموعة من الكتاب التونسيين في التطبيع الصهيوني وما يحيط بالفضيحة من تعتيم إعلامي وصمت رسمي.

فرض الحالة الاستثنائية

وكان يوم 25 تموز / يوليو فارقا خلال هذا العام اذ أعلن خلاله رئيس الجمهورية قيس سعيد عن جملة من القرارات المفاجئة والاستثنائية التي وصفت بالتاريخية عقب اجتماع طارئ مع قيادات عسكرية وأمنية، وأهمها تجميد اختصاصات البرلمان، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامه، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة يعين رئيسها.

وجاءت هذه القرارات بعد مظاهرات حاشدة شهدتها الولايات التونسية في يوم عيد الجمهورية والذي يصادف 25 تموز / يوليو، وخرج خلالها آلاف الشبان رافعين شعارات تطالب برحيل الحكومة وبتجميد البرلمان.

والمعلوم أن البلاد عاشت أزمة صراعات سياسية تحوّل مقر البرلمان الى أحد ساحاتها، وغالبًا ما تناقلت وسائل الاعلام المحلية مشاهد عراك بالأيدي وشتائم خاصة بين نواب حركة النهضة وحزب الدستوري الحر بقيادة عبير موسى.

وتباينت ردود الأفعال إزاء هذه القرارات الرئاسية بين الأحزاب التونسية بين مؤيد ومعارض. وقد سيطرت حالة من الضبابية على المشهد في تونس بعد قرارات الرئيس قيس سعيد، والتي أدخلت البلاد في منعرج جديد. ووصف البعض ما حدث بـ"الانقلاب الناعم" وسط تحذيرات من تداعياته على المؤسسات الدستورية الضامنة للديمقراطية في البلاد، في حين اعتبر البعض الآخر أنها استجابة لنبض الشارع الذي سئم من الطبقة السياسية الحاكمة الفاشلة في إيجاد حلول للمشاكل العديدة التي تعاني منها البلاد وفي مقدمتها إدارة الأزمة الوبائية مع وصول الوفيات الى أعداد قياسية.  

جدول زمني لإجراء استفتاء دستوري  

 توّجه الرئيس التونسي قيس سعيد يوم 13 كانون الأول / ديسمبر الحالي بخطاب الى الشعب التونسي طال انتظاره من قبل العديد من التونسيين والفاعلين والمنظمات الوطنية والأهلية والأحزاب السياسية، وقد أعلن فيه عن جملة من الإصلاحات السياسية المرتقبة كاشفًا عن روزنامة مواعيد تتعلق بالاستحقاقات الهامة في البلاد لا سيما الانتخابات النيابية. وقال إنه سيدعو إلى استفتاء دستوري في يوليو/ تموز المقبل، وذلك بعد مشاورات عامة عبر الإنترنت ستبدأ في يناير / كانون الثاني.

كما أعلن تمديد تجميد أعمال البرلمان المعلق منذ 25 تمّوز/يوليو الفائت حتى إجراء استفتاء حول إصلاحات دستورية الصيف المقبل وتنظيم انتخابات تشريعية نهاية 2022.  

ضغوطات أوروبية

يشار الى أن سفراء الدول الأعضاء في مجموعة السبع المعتمدين في تونس كانوا قد أصدروا مطلع شهر كانون الأول / ديسمبر بيانًا مشتركًا دعوا خلاله إلى عودة "سريعة" لعمل المؤسسات الديموقراطية في البلاد.

وأثار بيان الدول السبع جدلًا واسعًا في تونس واعتبره كثيرون تدخلا في الشؤون الداخلية التونسية ومسّا بسيادة البلاد. ويرى البعض أن خطاب الرئيس قيس السعيد كان بمثابة رسالة للداخل والخارج على السواء ووضع خلاله سقفًا زمنيًا لكل الاستحقاقات الهامة المتعلقة بالتغييرات الدستورية والسياسية التي يتطلع اليها التونسيون، وسط تباين في ردود الفعل المحلية حول مدى فاعليتها وأهميتها وتساؤلات حول شكل وملامح المرحلة المقبلة والتي يمكن أن يطلق عليها اسم "الجمهورية الثالثة".   

ويأمل التونسيون بأن تحمل معها السنة الجديدة انفراجًا على المستوى الاقتصادي واستقرارًا سياسيًا وذلك في خضم المتغيرات الصعبة وغير المسبوقة التي تعيشها البلاد.

تونسقيس سعيد

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة