باقون

آراء وتحليلات

2022: عام الحسم

23/12/2021

2022: عام الحسم

إيهاب شوقي

لا تتشكل الأنظمة العالمية عبر قرار العدوان، بل تتشكل بمدى المقاومة أو مدى التخاذل أمام هذا القرار. ولا تتشكل المنعطفات التاريخية بالمؤامرات وبالخطط الاستعمارية، بل تتشكل بالصمود الذي يفسد المؤامرة ويشكل مدًّا ثوريًا يغير قواعد اللعبة ويعيد تنظيم التوازنات.

وهنا يمكن استخدام الحقائق والمنطق لفهم هذه القواعد، حيث تقول الحقائق التاريخية إن أي استعمار قد انتهى عبر الثورات المقاومة له، وكل احتلال لم ينجح في الاستمرار أو تركيع شعب نبتت فيه المقاومة وحمل مشعل الثورة ضد الاستعمار.

ويقول المنطق باستحالة اجتماع الأضداد، فلا يمكن اجتماع الاستعمار مع التحرر، وإنما هي معادلة قوى، ينتصر أحدهما بميل ميزان القوى في كفته، ويكفي المقاومة هنا أن تجعل كلفة بقاء الاستعمار أكبر من مكاسبه ولا يشترط لها امتلاك ذات العدة وذات العتاد، بل تكفيها الإرادة والشجاعة والإيمان والصبر على التضحيات.

من هنا يمكننا الولوج إلى استشراف العام الجديد وما قد يحمله من حسم للعديد من الملفات المفصلية المعلقة، بعد ما نرى أنه استنفاد لجميع الخيارات التي تؤجل الحسم.

وقبل المزيد من التفصيل، نذكر بعض الملاحظات حول العقد الماضي والذي شهد مرحلة ينبغي تحليلها قبل استشراف المرحلة الجديدة:

1- ربما أريد لمرحلة (الربيع العربي) أن تشكل منعطفًا تاريخيًا، يتميز بوجود أنظمة تابعة للغرب ومعادية للمقاومة، ومستقرة داخليًا بحكم خطابات معارضة وتاريخ يخلو من اختبارات الحكم، ترافقت مع وجود أنظمة شاخت في مقاعدها وارتكبت الكثير من الأخطاء الفادحة.

ويبدو أن ذلك كان ردًا غربيًا مباشرًا على مرحلة التحرر الوطني الذي أفرز الأنظمة القومية، وكان المراد استبدال هذه الحقبة رغم تغير توجهات هذه الأنظمة عمليًا.

وركزت المؤامرة معظم قوتها على سوريا باعتبارها النظام المقاوم، وضمتها إلى الأنظمة الأخرى اعتمادًا فقط على التشابه الهيكلي بينها وبين الأنظمة العربية، وهو ما أربك بعض الجماهير التي تجاهلت الفروق الجوهرية في التوجهات والتمسك بالثوابت والموقف من العدو، بين سوريا وأنظمة التبعية.

2- اعتمدت فكرة (الربيع العربي) على استهداف بلدان مفصلية تشكل عقدة للتحالفات وتمثل رؤوس جسور للمحاور المستهدف تدجينها، فبينما كانت تونس وليبيا مدخلا للمغرب العربي وإفريقيا والساحل والصحراء، كانت مصر مدخلا للمشرق وفي العمق منه فلسطين وصولا إلى سوريا والعراق، والهدف لا يخفى ولا يبتعد عن خلق طوق نظيف حول العدو الإسرائيلي، والسيطرة على الطرق والموانئ والخطوط الاستراتيجية لقطع الطريق على طريق الحرير الصيني والتمدد الاستراتيجي الروسي.

3- خلا (الربيع العربي) من ثورات ضد النظم الملكية رغم أن الثورات رفعت شعارات ديمقراطية، والأكثر فجاجة أنه لم يتبن ثورات قامت ضد الملكية مثل الثورة البحرينية، وهو ما يؤكد الانتقاء ويميل بالكفة تجاه المؤامرة.

ومن هنا يمكننا أن نقول إن مشروع (الربيع العربي) كان بالأحرى تأجيل أو عرقلة لنظام التعددية القطبية الذي برز وقتها وبدأت الأروقة الاستخباراتية والاستراتيجية تتحدث فيه عن الأخطار المهددة للأمن الأمريكي، وبدأت الأصابع الاستراتيجية تشير إلى روسيا والصين دوليا وإيران والمقاومة إقليميا.

هنا يمكننا اعتبار العقد الماضي مرحلة انتقالية بين نظام عالمي جديد يتشكل، ونظام أحادي يقاوم التشكل والولادة، وهو ما جعل المخاض عسيرا، وهو ما يجعل أيضا من احتمالات الولادة أن تكون جراحية ودموية!
فبينما تكون الانتقالات التاريخية سلسة، عندما تعترف القوى ببعضها بعضًا وتتفاوض حول نطاقات نفوذها وتحترم الأخرى، تكون الانتقالات دموية عند المكابرة وعند سيادة الأحقاد والضغائن، وعند وجود معارك صفرية تتعلق بالصراعات الوجودية.

ونحن ممن يرى أن القوى الكبرى التاريخية قد تعترف بتغير موازين القوى وتنزوي في نطاقات للنفوذ تحقق قدرًا من مصالحها عند وصول الكلفة في مناطق أخرى لأثمان أكبر من المكاسب، إلا أن القلق دوما هو من القوى الوظيفية والتي تحارب معاركها بشكل وجودي لارتباط مصائرها بتواجد القوى الكبرى وانقضاء دورها بانسحاب وانزواء الكبار!

هنا يمكن رصد محاولة أمريكا الانسحاب إلى نطاقات التهديد الرئيسية في المحيط الروسي والصيني، ومحاولة الحفاظ على التوازن في الشرق الأوسط، عبر تعليق الملفات والحفاظ على امتلاك الكلمة النهائية والتوقيع على أي حلول، وهو ما يعني عمليا تعليق القضية الفلسطينية وتبريد جبهاتها، والإبقاء على حصار المقاومة وعزلها، وقطع الطريق على تواصل محور المقاومة، وفي ذات الوقت عدم الرغبة أو إعطاء الضوء الأخضر أو التشجيع على استفزاز المقاومة لعدم إجبارها على تفجير الوضع والإخلال بالتوازن.

بينما نرى أن هذه المقاربة وهذه الرغبات الأمريكية مستحيلة لما يلي من أسباب:

1- لا يوجد لدى أمريكا حاليًا، فائض القوة التاريخي الذي يسمح بإدارة حرب باردة والسيطرة على توازن إقليمي وتوجيهه لصالح العدو الصهيوني، وفي الواقع لم يكن هذا الفائض متوفرًا لديها، فقد فشلت أمريكا أثناء الحرب الباردة في إخضاع الإقليم رغم وصول القوة لمنتهاها في نكسة العام 1967، وبلحاظ فارق القوة لقوى التحرر وقتها وبين قوة محور المقاومة حاليا يتضاءل هامش القوة الأمريكي.

ولم تجرؤ أمريكا على الدخول المباشر عسكريًا إلى الإقليم إلا بعد انتهاء الحرب الباردة وفترة القطبية الأحادية المؤقتة والتي انتهت عمليًا.

وهو ما يعني أن أمريكا مطالبة بحسم أولوياتها ولا تجرؤ عمليًا على الدخول إلى حرب شاملة، وهو ما يعني عمليًا حتمية الانسحاب من إحدى الجبهات، إما الجبهة العالمية وتسريع ولادة النظام الجديد والإعلان عن الأقطاب الأكثر تفوقًا بشكل رسمي، أو ترك الجبهة الإقليمية والتفرغ للحفاظ على وجودها كقطب عالمي منازع على الصدارة.

2- بينما يمكن للأوضاع الدولية أن تستمر بقوانين الحرب الباردة، فإن الأوضاع الإقليمية غير قابلة للاستمرار بالصورة الراهنة، حيث لا تمتلك هامش الحركة والمناورة ولا رفاهية الوضع الدولي.

فالوضع في سوريا ولبنان واليمن والعراق وإيران، لم يعد قابلًا لمزيد من الحصار والاستهداف، وقد يدخل في نطاق المحاذير ويتخطى عتبات الصبر، عندما يصبح الصبر مناقضا للمصلحة العامة التي يراعيها المحور ككل.

كما إن الأنظمة الوظيفية وعلى رأسها الكيان الصهيوني والنظام السعودي، وأنظمة الخليج عموما، لا يمكنها تحمل موازين القوى الجديدة لأن دورها الوظيفي يرتبط استراتيجيا بالهيمنة الأمريكية ووجود المنطقة كأولوية متقدمة لأمريكا، وتكتيكيا يرتبط بالدعم الأمريكي للسياسات والخيارات، ووجوديا يرتبط بالحماية العسكرية الأمريكية، وهذه المستويات الثلاثة مهددة بمستجدات الواقع الدولي وموازينه الجديدة.

هنا نحن نتجه للحسم، إما بالانسحاب والرضوخ للموازين الجديدة، أو بالمواجهة واختبار هذه الموازين عمليًا، جميعها سيناريوهات تجعل من العام الجديد عاما للحسم بامتياز.

العالم

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات