باقون

آراء وتحليلات

بالأرقام.. الصين تتقدم لاستعادة القيادة الشرقية للنظام العالمي

16/12/2021

بالأرقام.. الصين تتقدم لاستعادة القيادة الشرقية للنظام العالمي

صوفيا ــ جورج حداد

يقف العالم اليوم على عتبة تحول جذري تاريخي عميق في الوضعية الجيواستراتيجية العالمية، يقوم على ازاحة أميركا عن مركز الصدارة كأضخم اقتصاد دولة، يتحكم بالنظام الاقتصادي ــ السياسي العالمي. ويتم هذا التحول ليس بفعل أي حرب مدمرة، بل بفضل حكمة القيادة الصينية، وأفضليات النظام الاقتصادي الصيني، والانجازات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية التي تحققها الجماهير الشعبية الصينية الكادحة بقيادة الدولة الشعبية الصينية والحزب الشيوعي الصيني.

ونكتفي بايراد بعض مؤشرات التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني:

- في 2018 استوردت أميركا من الصين سلعا بقيمة 557 مليار دولار، وصدرت الى الصين بـ 179 مليار دولار، أي أن العجز الأميركي في ميزان التجارة مع الصين بلغ في سنة واحدة 378 مليار دولار. وتقول الاحصاءات الاميركية إن العجز التجاري الأميركي لصالح الصين في الفترة ما بين سنة 2000 و2020 بلغ حوالى 5 تريليون دولار (أي خمسة آلاف مليار دولار)، ذهبت لتطوير الاقتصاد الصيني الذي تمسك بزمامه الدولة الصينية (الشيوعية... ويا للهول!).

- قبل جائحة كورونا كان معدل النمو السنوي للاقتصاد الصيني أكثر من 8%، وبعد وقوع الجائحة تمكنت الصين من الاحتفاظ بمعدل نمو أكثر من 6%، بينما انخفضت معدلات النمو الى أقل من 2% في أميركا والى الانكماش ما دون 0% في العديد من دول أوروبا الغربية.

- يبلغ الدين العام لاميركا اكثر من 23 تريليون دولار اي ما يعادل نسبة 110% من الناتج المحلي الاميركي، في حين ليس في الصين مشكلة دين عام.

- سنة 2000 كان الاقتصاد الصيني يمثل 16% من الاقتصاد الاميركي، فصار سنة 2020 يمثل 95% منه. ويقول الخبراء انه بهذه الوتيرة، بعد أقل من 10 سنوات ستنقلب الآية ويصبح حجم الاقتصاد الأميركي يساوي 95% أو أقل من الاقتصاد الصيني، وبعد أقل من 20 سنة سيصبح الاقتصاد الاميركي يساوي أقل بكثير من 50% من الاقتصاد الصيني.

لكن أميركا لا تزال تتقدم على الصين في الناتج المحلي للفرد من السكان، حيث إن عدد سكان الولايات المتحدة في 2021 بلغ 331 مليون نسمة، في حين أن عدد سكان الصين هو مليار و403 ملايين نسمة. ولكن هذا يعطي الصين ميزة خاصة كبرى، وهي أنها تمتلك سوقًا وطنية هائلة، ويمكنها الاعتماد اعتمادا كاملا على السوق الداخلي لتطوير اقتصادها بشكل مذهل، عن طريق الرفع المتواصل لمستوى المعيشة، حتى في حالة الانقطاع التام عن الاسواق الخارجية.

- تقول بعض الاحصاءات إنه في 2020 بلغ حجم الاقتصاد الأميركي 21 تريليون دولار، أما حجم الاقتصاد الصيني فبلغ 14.7 تريليون دولار. وهذا بالسعر البورصوي لليوان الصيني والدولار الاميركي. ولكن بمعدل القدرة الشرائية لليوان والدولار، فإن القدرة الشرائية للوحدة النقدية لـ 14.7 تريليون دولار في الصين هي أعلى بكثير من القدرة الشرائية لـ 21 تريليون دولار في أميركا.

- يبلغ الاحتياط النقدي للصين بالعملة الصعبة 3.2 تريليون دولار، في حين أنه لا يتجاوز 146 مليار دولار لدى أميركا. ولكن بامكان أميركا أن تطبع المزيد من الدولارات الورقية، المعترف بها كعملة دولية رئيسية. إلا أن طباعة المزيد من الدولارات المكشوفة تؤدي، أولًا، إلى زيادة حجم الدين العام للدولة الأميركية، وثانيًا، زعزعة الثقة الدولية بالعملة الأميركية.

- في سنة 2020 امتلكت الصين 69 الف براءة اختراع، بينما امتلكت اميركا 59 الف براءة اختراع. وهذا يعني أن الصادرات الصينية لم تعد تقتصر على السلع الاستهلاكية العادية، بل أخذت تقتحم سوق التكنولوجيا الرفيعة. وهذا ما يصيب الادارة الاميركية بالهستيريا، وهي تتهم الصين بالتجسس على الشركات الاميركية وسرقة حقوق الملكية الابداعية. وهذا أحد براهين الافلاس التام للسياسة والأخلاق السياسية لأميركا، كنتيجة لتقهقرها الاقتصادي. واذا افترضنا جدلًا أن الصين قادرة على أن تتجسس على الشركات الأميركية وتسرق اكتشافاتها، فهل أن المخابرات الاميركية عفيفة ــ لطيفة لا تتجسس ولا تسرق ولا تتآمر ولا تغتال ولا تقتل ولا تنظم الانقلابات و"الثورات" والمذابح في شتى أرجاء العالم؟!

صحيح... "اذا لم تستح، انبح كما تشاء!".

***

إن فقدان أميركا لميزة احتكار الأسلحة النووية، وفقدانها للتفوق العسكري أمام روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية، جعلا الآلية المالية والاقتصادية هي الاداة الرئيسية لأميركا لفرض هيمنتها الدولية على العالم.

وانتزاع هذه الاداة من يدها لن يتم بسلاسة، وهي لن تستسلم بسهولة، وستعمل المستحيل، عن طريق فرض العقوبات والتضييقات على مختلف الدول، للدفاع عن موقعها الحالي.

وفي ظروف مغايرة، كان "من المنطقي" أن تشن أميركا الحرب على الصين لوقف تقدمها. ولكن أميركا وحلفاءها في الناتو فقدوا الى الأبد القدرة على شن الحرب على الحلف الشرقي المتمثل في روسيا والصين وايران ومحور المقاومة الوطنية العربية ــ الاسلامية وعلى رأسها حزب الله اللبناني. فأميركا اليوم لم يعد بامكانها ان "تختبئ" خلف المحيطات،. واذا وقعت حرب شاملة لا سمح الله، فإن صاروخ "افانغارد" النووي الروسي ــ مثلا ــ تبلغ سرعته 27 ماخ (سرعة الصوت) اي ما يعادل 31 الف كلم/ساعة (حسب تقدير الخبراء)، أي إنه يصل الى كافة ارجاء اميركا، انطلاقا من القواعد الروسية، بعد 20ــ25 دقيقة من لحظة انطلاقه. والغواصات النووية الروسية ــ مثل آخر ــ المحملة بالصواريخ النووية "بولافا" المصنوعة خصيصا لاميركا (على قاعدة "متطلبات السوق"، تربض في قاع المحيط بقرب المياه الاقليمية الاميركية على بعد 200 ميل عن الشاطئ.

أي إن صواريخ "بولافا" النووية الأسرع من الصوت قادرة على الوصول الى مختلف الاهداف الاميركية في غضون 5ــ6 دقائق فقط. ونظام البحرية الروسية يجعل كل أميرال غواصة روسية في ظروف الحرب "مستقلا ذاتيا" ومخولًا بأن يوجه ضرباته بمعزل عن القيادة المركزية. واذا نشب أي نزاع اقليمي شامل في الشرق الاقصى، أو اوروبا، أو غربي آسيا والبحر الابيض المتوسط، فإن جميع الاساطيل والقواعد العسكرية الاميركية والناتوية والاسرائيلية وحلفائها ستتلقى موجات من الصواريخ والمقذوفات الكلاسيكية وغير الكلاسيكية، وستجتاح كل البلدان المعادية للمحور الشرقي موجات لا تنتهي من ملايين رجال الكوماندوس وعشرات ملايين المتطوعين الاشداء والمدربين افضل تدريب، الروس والصينيين والايرانيين والكوريين الشماليين والمقاومين العرب والمسلمين وغيرهم.

***
 
إن ازاحة أميركا عن مركز الصدارة الاقتصادية العالمية أصبحت ضرورة حتمية توفرت لها كل الشروط السياسية والعسكرية والاقتصادية. وسيؤدي ذلك الى تحقيق تبدلات جوهرية في النظام الاقتصادي، ومن ثم في النظام العالمي برمته. ومن تلك التبدلات:

ــ1ــ الكسر التام لسياسة العقوبات والحصار والتضييقات التي سبق وفرضتها أميركا على الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها.

ــ2ــ تحجيم كامل للدور المالي العالمي للدولار، والقضاء النهائي على وظيفته كعملة دولية رئيسية واحتكارية تتحكم بها زمرة من طواغيت المال اليهود، المسيطرين على البنك المركزي الاميركي، فاقدي اي حس انساني، ناهبي ومجوّعي جميع شعوب العالم، بمن فيها الخلطة البشرية المسماة الشعب الاميركي.

ــ3ــ إعادة إرساء العلاقات المالية والتجارية والاقتصادية، بين مختلف الدول والبلدان، على أسس انسانية جديدة، تستبعد الاحتكار وابتزاز الشعوب الضعيفة، وتخريب الاقتصادات الوطنية عن طريق الألاعيب البورصوية والمضاربة على العملات الوطنية.

ــ4ــ تصحيح العلاقة بين الانسان والطبيعة، ووقف الاستغلال اللا عقلاني والوحشي للطبيعة، وتدمير البيئة، وايجاد الانسجام بين تطوير الانتاج والتكنولوجيا، والمحافظة على سلامة الكوكب الارضي.

ــ5ــ وأهم ما سيحققه تقدم الصين الشعبية لقيادة النظام الاقتصادي العالمي، هو الثأر لقرطاجة ولمئات ملايين ومليارات ضحايا انظمة العبودية والاقطاعية والرأسمالية والامبريالية الغربية، واعادة القيادة الحضارية للمجتمع الانساني ــ كما سبق وكانت ــ الى الشرق، ممثلا بالصين الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي الصيني المجيد، الذي يتمتع بالروح الثورية الخلاقة والمتجددة، ويسترشد بـ"القواعد الاخلاقية العليا للفلسفة الصينية الكلاسيكية"، وبالمبادئ الاجتماعية والانسانية الشاملة للفكر الاشتراكي العلمي، الذي وضع أسسه الفيلسوف وعالم الاجتماع الاكبر كارل ماركس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

الولايات المتحدة الأميركيةالصينالعالم

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة