نقاط على الحروف

18/11/2021

"صاروخ" خوجة في لبنان.. "جاء ليكحلها فعماها"

محمد باقر ياسين

أطل السفير السعودي السابق في لبنان عبد العزيز خوجة عبر مقابلة تلفزيونية نافضًا عنه غبار السنين التي لاذ فيها بالصمت. فهو لم يرَ النور السياسي منذ إعفائه من مهمته كسفير للمملكة في لبنان. وكان سيبقى السفير طي النسيان لولا جلبه من قبل أمرائه لكي يدلو بدلوه في صب الزيت على نار الأزمة التي افتعلتها مملكته مع لبنان، بعد أن نفضت غبار تصريح وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي. وكان الهدف من المقابلة أن يُظهر خوجة ما قدمته مملكته للبنان، لكن الأخير طرح رقمًا فلكيًا كمساعدات مقدمة من السعودية، والتي قدرها الأخير بأكثر من 72 مليار دولار، فما حقيقة هذا الرقم؟ وهل وصلت هذه المبالغ حقًا إلى لبنان؟

ما زالت السعودية تتبع سياسة التمنين مع لبنان، وهي سياسة ليست بجديدة عليها. من هذا الباب أعلن السفير السابق خوجة خلال مقابلة مع قناة "العربية"، عن مساعدة بلاده للبنان بأكثر من 72 مليار دولار منذ التسعينيات. وقد استشهد برئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة وكذلك النائب بهية الحريري، والاثنان من تيار "المستقبل". وأورد السفير من باب إحراج حزب الله أن السعودية رممت أكثر من 36 ألف منزل في الجنوب، وأكثر من 55 ألف وحدة سكنية في الضاحية قائلا إن الدعم كان يصل بشكل مباشر إلى الحكومة اللبنانية.

ولأجل تفنيد مزاعم السفير السابق لا بد من الإشارة إلى ورطتين وقع بهما:

- الأولى عن الدعم السعودي بعد حرب تموز 2006، حيث يمكن دحض كلامه من خلال العودة إلى إحصاء أجراه مكتب الأمم المتحدة للمساعدة الإنسانية (UNOHAC) عن تقييم أضرار حرب تموز. فقد قدر المنازل المتضررة في الجنوب بحوالي 45 ألف وحدة سكنية، وبكلام السفير يتضح أن المملكة رممت  80% من المنازل المتضررة في الجنوب. وهذا مجافٍ للواقع لأن من تكفل بإعادة الإعمار في الجنوب أكثر من جهة، من ضمنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكذلك دولة قطر والكويت. أما المنازل المتضررة في الضاحية الجنوبية لبيروت فقد قدرها مكتب الأمم المتحدة بـ23 ألف وحدة سكنية. وهنا تكمن المصيبة بأن السفير زعم أن مملكته رممت 55 ألف وحدة سكنية أي أكثر من ضعف الوحدات السكنية المتضررة أصلاً. ومن هنا يتضح أن الأرقام التي كان يقرأها خوجة عن ورقة أعدت له هي غير مطابقة للواقع.

"صاروخ" خوجة في لبنان.. "جاء ليكحلها فعماها"

- الثانية وهو المبلغ الأكثر من 72 مليار دولار الذي زعم أن المملكة قدمته إلى لبنان. وهنا سنفصل الفترة الزمنية إلى قسمين: الأول يمتد من الحرب الأهلية لغاية عام 2006، والثاني من عام 2006 لغاية العام الحالي، فقد قدرت مبالغ إعادة الإعمار والمشاريع التي نفذت أو قيد التنفيذ في لبنان بحسب إحصاء لمجلس الإنماء والإعمار عام 2005، بين فترة (1992 - 2006) بحوالي 7.3 مليار دولار. وطبعاً المملكة لم تكن هي الوحيدة التي مولت هذه المشاريع بل دول مانحة متعددة. أما بالنسبة لفترة (2006-2021) فيكفي العودة إلى إحصاء مركز الملك سلمان للإغاثة الذي قدر الدعم السعودي خلال هذه الفترة للبنان بمبلغ قدره 2.7 مليار دولار أمريكي.

"صاروخ" خوجة في لبنان.. "جاء ليكحلها فعماها"

فنستنتج من هذا، أن مجمل ما صرفته المملكة في لبنان يقدّر بـ 10 مليارات دولار وإذا أحسنا الظن وقمنا بمضاعفة الرقم تكون قد دفعت 20 مليار دولار، فأين الـ 50 مليار المتبقية التي تحدث عنها السفير خوجة؟

خلاصة القول، إن السفير السعودي كان يتحدث بثقة عن أرقامه ويستشهد بالرئيس السنيورة، ويقول إن كل معطياته موثقة لدى المملكة. وبما أن السعودية كانت تقدم دعمها للحكومات حسب زعم السفير، ومن المعروف أن من ترأسوها طوال تلك السنوات (من الحريري الأب - فؤاد السنيورة - الحريري الابن - نجيب ميقاتي - تمام سلام) كانوا رغم اختلاف الوجوه والأسماء جميعهم مِن "حلفاء" السعودية في لبنان وكانوا يعتبرون جزءًا من نفوذها في البلد (باستثناء الرئيس سليم الحص)، فيمكننا الحديث عن فرضيتين، الأولى صحيح أن السعودية قد دفعت هذه الأموال بموجب فواتير تم الغش والتلاعب بها على شاكلة إعمار الوحدات السكنية في الضاحية التي فاق عددها الوحدات المتضررة، وهنا السعودية تكون قد تعرضت للسرقة من قبل من كانت تسلمهم الأموال وبالتالي الشعب اللبناني كذلك حرم من هذه الأموال، وهذا ما يفسر اضمحلال الدعم السعودي للحلفاء في لبنان في السنوات الأخيرة. أما الاحتمال الثاني، فهو أن تكون هذه الأرقام مبالغًا بها ولا أساس لها من الصحة. وفي كلتا الفرضيتين لم تصل هذه الأموال إلى الشعب اللبناني الذي تمننه السعودية بتقديمها له. وبالمقابل هناك دول دفعت في لبنان وقد تلمس الشعب اللبناني آثار ما دفعته، كما في مساعدات الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو دولة قطر أو دولة الكويت.

وفي الختام لم يؤدِ السفير السعودي السابق الدور الذي أوكل إليه بتلميع صورة المملكة وتمنين اللبنانيين بالمساعدات التي قدمتها مملكته، بل على العكس مغالطات الأرقام التي وقع بها جعلته "بدل أن يكحل الصورة عماها".

 

لبنانالسعودية

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة