خاص العهد

عَين "جمعية المصارف" على ممتلكات الدولة.. وإطفاء الخسائر من جيب المودع

13/10/2021

عَين "جمعية المصارف" على ممتلكات الدولة.. وإطفاء الخسائر من جيب المودع

فاطمة سلامة

لا تشبه تجربة المودعين مع المصارف في لبنان أي تجربة في أي دولة بالعالم. تجتهد هذه المصارف وتبتدع ممارسات تشبه كل شيء إلا التعاملات المصرفية. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه المصارف لتتجرأ الى هذا الحد لولا الدعم المطلق الذي يؤمّنه مصرف لبنان بقيادة الحاكم بأمره رياض سلامة. التعاميم التي يطالعنا بها سلامة من فترة لأخرى ما هي إلا ضوء أخضر لهذه المصارف لتمضي قدمًا في قراراتها "التعسفية". تلك القرارات باتت بموجبها ودائع المواطنين وشقاء عمرهم ممنوعة من الصرف منذ تشرين الأول 2019. استرداد الودائع يتم بالـ"قطارة" وسط مسلسل ذل لا تنتهي حلقاته. الودائع بالدولار تتعرّض لـ"هيركات" يقارب الـ85 بالمئة "بفضل" تعميم الـ151. سياسة الظلم بحق المودعين لم تتوقّف عند هذا الحد، بل أعدّت جمعية المصارف خطّتها لـ"التعافي المالي" وفيها ما فيها من تكبيد المودعين وحدهم المزيد من الخسائر بعيدًا عن تحمل المسؤولية. 

مغنية: لا مجال للتفاوض قبل تقديم المصارف خطوات عملانية لمصلحة المودعين

وبموازاة "التعسف" المصرفي المستمر منذ ما يقارب العامين، بدأت جمعية المودعين قبل فترة تحركاتها في وجه المصارف داعيةً الى احتلالها. الخطوة التي وصفتها جمعية المصارف بـ"الاعتداء" معلنة الإقفال الكامل الخميس (14 تشرين الأول 2021) "لعلّ هذا التدبير يساهم بالعودة إلى الحوار العقلاني والمنطقي والسلمي" على حد تعبير الجمعية. وهو الأمر الذي يراه رئيس جمعية المودعين حسن مغنية مستحيلًا. وفق قناعاته، انتهى الكلام ولا مجال للجلوس والتفاوض قبل تقديم المصارف خطوات عملانية لمصلحة المودعين. برأيه، ولّى الزمن الذي نتحاور فيه ونستمع للوعود دون تحقيق أي منها. وعليه، يؤكّد مغنية لموقع "العهد" الإخباري أننا نعمل على شلّ القطاع المصرفي لحين وضع خطة تسترجع فيها الناس ودائعها.

سنضغط الى أقصى الحدود ولن نتوقف

ويلفت مغنية الى أنّ إقفال المصارف ليوم واحد لا يعني أننا انتصرنا، لذلك سنضغط الى أقصى الحدود ولن نتوقف. بالنسبة للمتحدّث، فإنّ المصارف وأصحابها أهداف مشروعة. وهنا يشدّد مغنية على أننا لسنا بوارد شرح وتفسير كلمة أهداف مشروعة للقطاع المصرفي. هذه الكلمة -برأيه- تحمل الكثير من المعاني فقد تكون بالقضاء أو غير ذلك من الوسائل. 

ويشدّد مغنية على أنّنا يستحيل أن نسكت بعد اليوم على استمرار تحميل المودعين الخسارة دون تحمل الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي مسؤوليتهم. ثمّة "هيركات" يجري تنفيذه على المودعين بما يتجاوز الـ80 بالمئة، بدل أن تتحمّل هذه المصارف مسؤوليتها في رد الأموال للمودعين وهي التي جنت أرباحا طائلة بقيمة 25 مليار دولار خلال الـ15 عاما الأخيرة. وعليه، يضيف مغنية: "نحن في تحرك مستمر ولن نبلّغ عن أماكن تحركاتنا مسبقًا". القطاع المصرفي يتصرف على قاعدة "أنا أو لا أحد". وفق مغنية، لا يعطي هذا القطاع الأهمية لا للمحلس النيابي ولا لأحد. سلطة المصارف وأصحاب ثروة الـ1 بالمئة يحكمون البلد. برأيه، فإنّ هذا القطاع عمل على رشوة جزء كبير من القضاة والأجهزة الأمنية حتى بات بمثابة "الدولة العميقة". 

خطة المصارف تدعو الى استمرار السرقة

أما الخطة الجديدة لجمعية المصارف، فيرى فيها مغنية نسخة طبق الأصل عن الخطة السابقة. هذه الخطة تدعو الى استمرار السرقة، وإقراض القطاع الخاص بـ"الفريش دولار" بذريعة استردادها بالـ"فريش دولار". إنها عملية تهريب الأموال للخارج وتبييض أموال، فيما يتقاعس مجلس النواب حتى اليوم عن إقرار  "الكابيتال كونترول". 

ويرى مغنية أنّ استمرار المصارف بالإقفال أفضل من فتح أبوابها دون إنصاف المودعين. ويشدّد على أنّ هدفنا في الوقت الحالي هو إيقاف العمل بالتعميم 151 ليسترد المودعون أموالهم بالدولار دون تمييز بين مودع وآخر. وهنا يوضح المتحدّث أنّ مصرف لبنان آخر همه التضخم، وهمه الوحيد يكمن في كيفية شطب الخسائر عنه وعن القطاع المصرفي عبر تحويلها الى المودعين. جل همه كيف يعطي المودع ثلاثة ملايين و900 ألف ليرة ويشطب 1000 دولار من الدين لأن صندوق النقد الدولي طلب منه تخفيض حجم الدين العام البالغ 102 مليار دولار الى حدود الـ65 مليار دولار. 

 عكوش: المصارف تسعى لتحميل المودع الخسائر ووضع اليد على ممتلكات الدولة 

الخبير الاقتصادي الدكتور عماد عكوش يقدّم في حديث لموقع "العهد" الإخباري قراءة في مسودة خطة المصارف الجديدة، لافتًا الى أنّ المصارف تتّجه لتحميل المودعين والدولة الجزء الأساسي من الخسائر والتي قد تصل الى حدود الـ60 مليار دولار. وفق عكوش، تسعى المصارف من خلال خطتها الى وضع  اليد على ممتلكات الدولة من خلال إنشاء صندوق خاص بهذه الممتلكات. كلنا يعرف أنّ معظم القطاعات الخدماتية لا تزال تملكها الدولة من الكهرباء الى المياه والأراضي والخدمات. وعليه، ثمة ثروة كبيرة تملكها الدولة اللبنانية ويبدو أن عين القطاع المصرفي عليها من خلال إنشاء الصندوق السيادي أو الاستثماري لتسديد جزء من أموال الودائع.

وفي معرض حديثه، يشدّد عكوش على أنّ المصارف اليوم تحاول بكل جهدها إعفاء نفسها من الخسائر التي تراكمت عليها، وهناك جزء أساسي من هذه الخسائر عملت على إطفائه من خلال الأرباح التي كوّنتها خلال السنتين الأخيرتين. وفق عكوش، لم تدفع المصارف الفوائد واذا فعلت ذلك فلم تدفع سوى بنسبة ضئيلة لا تتجاوز الـ1 بالمئة على الودائع الموجودة، بينما هي لا تزال لغاية اليوم تستفيد من الفوائد المحتسبة على سندات الخزينة و"اليوروبوند" التي تسجلها في حساباتها والتي يدفعها مصرف لبنان. تمامًا كما أنّ المصارف استغلّت السنتين الأخيرتين لتفرض عمولات كبيرة جدًا على الودائع والسحوبات النقدية والعملات و"الشيكات" فتمكنت خلال السنتين من أن تحقّق أرباحا كبيرة جدّا إضافة الى أنّ مصرف لبنان كان لا يزال يغطّي خسائرها من خلال هندسات معيّنة. كل هذه الأمور استفادت منها المصارف وما حصل ساعدها في إطفاء جزء كبير من خسائرها. 

المصارف تتهرّب من أن تكون هي المرحلة الأولى من إطفاء الخسائر

ويوضح عكوش أننا عندما نتحدث في عالم التجارة والقانون التجاري عن أزمة في أي شركة وتصل الأمور الى حد تمنع هذه الشركة عن تسديد المتوجّب عليها، فالمفروض أنّ من يتحمّل الخسائر بالدرجة الأولى هو الشركة وبعدها يتم تحويل الخسائر المتبقية بحسب الأولويات. أما في حالة المصارف اليوم فالأخيرة تتهرّب من أن تكون هي المرحلة الأولى من إطفاء الخسائر. تحاول أن تقفز عن دورها ليتحمّل المودع بالدرجة الأولى الخسائر ولاحقا الدولة اللبنانية. بحسب عكوش، تعتبر المصارف نفسها بمثابة الوسيط الذي أخذ الأموال من المودعين وأودعها لدى الدولة بينما الحقيقية تقول عكس ذلك فالمودع أودع أمواله لدى المصارف والأخيرة قامت بتوظفيها وعليه من المفترض أن تتحمل المصارف المسؤولية الأولى تجاه المودع الذي لا علاقة له بالدولة. وهنا يشدّد عكوش على أنّ جمعية المصارف تدفع المودع لمساءلة الدولة على اعتبار أنها مسؤولة عن الدين بينما الحقيقة غير ذلك فالمصارف هي المسؤولة تجاه المودع وليس الدولة. الأخيرة مسؤولة تجاه المصارف وليس من مسؤولية المودع تحصيل الأموال منها.

لا حل سوى بالقانون لتنظيم العملية المصرفية
 
ويلفت عكوش الى أنّ الحل للأزمة المصرفية لا يكون بخطوة أو خطوتين بل بخطة شاملة للمصارف فقد يكون من خلال إدخال رساميل نقدية جديدة في البنوك وهذا ما ترفضه المصارف لغاية اليوم، كما ترفض رسملة الودائع الكبيرة. وهنا يلفت عكوش الى أنّ هذه الأمور لا تكفي بمفردها لمعالجة مشكلة المصارف. تفعيل العمل المصرفي يحتاج الى تشريعات جديدة والا ستبقى المعاناة مستمرة من الخسائر المتراكمة والتي يمكن أن تتراكم أكثر اذا استمر الوضع بدون معالجة. وفق عكوش، لا بد من إقرار قانون "الكابيتال كونترول" فلا يجوز أن تبقى الأمور لدى مصرف لبنان عبر تنظيم العمل بموجب تعاميم. الأخيرة تعد بمثابة ضعف قانوني كبير للقطاع المصرفي، وقد رأينا تعاميم كثيرة على أساس أن تلزم المصارف بشروط معينة وتحول البنوك الى لجنة الرقابة لدراسة ملفاتها والى الهيئة المصرفية العليا لاتخاذ التدابير اللازمة بشأنها ولكن حتى اليوم لم نر أي تنظيم عملاني، وبالتالي لا حل سوى بالقانون لتنظيم العملية المصرفية سواء لجهة حماية المودعين أو المصارف كي لا تذهب باتجاه الإفلاس.

مصرف لبنانجمعية المصارف

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة