خاص العهد

قصة الاختراق: مالك يقهر "الآلة" ويصبح ضابطاً في الـ "504" ـ الحلقة الثانية

1551 قراءة | 10:11

يواصل "العهد" نشر أحداث الاختراق الأمني الأبرز الذي حققته المقاومة الإسلامية في نسيج "الأمن" الصهيوني خلال الاحتلال المعادي لجنوب لبنان والبقاع الغربي .
في الحلقة الماضية كان الحديث عن اللحظات الأخيرة من حياة قائد قوات الاحتلال في لبنان الجنرال إيرز غيرشتاين قبل رحلته إلى الجحيم .
في هذه الحلقة معلومات جديدة عن رحلة "مالك" في عالم الاستخبارات الصهيونية، وصولاً إلى حمله "رتبة" ضابط في جهاز الاستخبارات الصهيوني .

تلقى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب موشي أرينز خبر مقتل إيرز غيرشتاين في برقية عاجلة سرعان ما تُدوولت داخل الاقسام الاستخباراتية المختصة في لبنان وتناقلتها وسائل الاعلام  العالمية .

أحدثت العملية التي تبنتها المقاومة الاسلامية فوراً في بيان لها زلزالاً داخل الجيش الاسرائيلي وأجهزته الأمنية والميليشيات  التابعة لها في جنوب لبنان، وعقدت الاقسام المختصة جلسات عمل طارئة لتداول الخيارات  المتاحة وتحديد حجم الاختراق الامني، واتخذت  قرارات صارمة بحق أهالي المنطقة.. فقد شنت الاستخبارات الاسرائيلية من دون مشاركة ميليشيا العملاء حملات الدهم والاعتقالات على مدى خمسة أيام في حاصبيا وقراها ومنطقة شبعا وقرية إبل السقي، كما أغلقت المعابر الخمسة التي تصل  المنطقة المحتلة بالمنطقة المحررة.

على  صعيد مماثل عاشت ميليشيا العملاء حالة من الهلع، فأصابع الاتهام أشارت أولاً اليها لوقوع العملية في قلب المنطقة المحتلة، وهذا ما استنتجه وزير الحرب الاسرائيلي موشي أرينز في مقابلة أجرتها معه الاذاعة العسكرية للعدو: "من البديهي أن يحاول حزب الله اختراق  ميليشيا جيش لبنان الجنوبي".. وبرغم ذلك اعترفت الاستخبارات الاسرائيلية بصعوبة الموقف، حيث أكد قائد المنطقة العسكرية في شمال فلسطين المحتلة الجنرال غابي أشكنازي بـ"أن الجيش الاسرائيلي يواجه صعوبات بتحديد مواقع مقاتلي حزب الله ليس فقط بالقرب من خطوط القتال، وإنما أيضاً في العمق".

ارينز وباراك في جنوب لبنان

كان توجه الاستخبارات والجيش الاسرائيلي الى مناطق حاصبيا وشبعا تعود للمعلومات التي زودتهم بها المصادر التي لفتت أنظارهم الى وجود بعض العملاء من جهاز الامن خلال اللقاء الذي جرى بين غيرشتاين وأرامل قتلى ميليشيا العملاء في شبعا، الذين كانوا قد غادروا المكان قبل مغادرة غيرشتاين، فتركز التحقيق على وجود تعاون بينهم وبين حزب الله، على أساس أنهم كانوا ينقلون المعلومات الدقيقة بشأن تحركات قافلة غيرشتاين. كان مالك على اطلاع دائم على كل ما يجري حوله، وكان يراقب همسات ناقلي الاخبار بدقة لا متناهية ليستشف منهم آخر المستجدات عند العدو، مترقباً الاجواء قبل أن تتجه الشكوك اليه أيضاً. شن الجيش الاسرائيلي حملات اعتقال واسعة في صفوف ميليشيا العملاء واعتقل العديد من المسؤولين الأمنيين التابعين له، كانت الحصيلة الأولى لحملة الاعتقالات هذه زج ثلاثين ضابطاً من ميليشيا العملاء في السجون الصهيونية بتهمة التعاون مع أمن الدولة اللبنانية والاستخبارات السورية ورجال المقاومة.

لم يكن مالك من بين الثلاثين، كان ينتظر وراء جدران منزله الرطبة في الغرفة نفسها التي استضاف فيها إيرز غيرشتاين  قبل دقائق من مقتله.. ولمّا نفذ جهاز "الشين بيت" إجراءات عقابية بحق العملاء أُوقف ما يقارب أربعين عنصراً لحدياً في منطقة حاصبيا.. مالك لم يكن بينهم أيضاً.

كانت الأزمة الاسرائيلية في الجنوب قد دخلت غرفة العناية  الفائقة، وكانت أفكار مالك تتخبط على سرير الانتظار، تلف وتدور في رأسه، والقلق يسري في دمه، من دون أن يفقد أعصابه.. وكان كلما سمع خبراً جديداً عن آخر تحريات الاستخبارات الاسرائيلية خفق قلبه وسلّم أمره لله، فأجله بات قريباً.

***
وقف مالك مستحضراً شريط ذكرياته، وتوجه ناحية الشرفة ليشير إلى مكان الحفرة التي زادت من قلقه في تلك الآونة.. أشار الى الطريق أمام منزله، وعلامات السخرية تعلو سحنته السمراء، ثم قال بعد تنهيدةٍ عميقة: "في تلك الايام ازددت قلقاً على غير عادتي، أسمع حتى حشرجات المارّة.. ومما زاد في قلقي أن جميع السيارات التي كانت تمر قرب منزلي كانت تخفف من سرعتها وتكاد تقف، لدرجة كنت أعتقد حينها أن الاستخبارات الاسرائيلية جاءت لاعتقالي، فأطلب من عائلتي الصغيرة استطلاع الأمر؟.. وبقيت على هذه الحال فترة من الزمن إلى أن انتبهت الى الحفرة فأغلقتها بنفسي بقليل من الإسفلت".

سئمت الأجهزة الأمنية الاسرائيلية من البحث عن المشاركين في قتل غيرشاتين، وراح قادتها يتذرعون بتحليلات عبثية عبّر عن أجوائها رئيس أركان الجيش الاسرائيلي "شاوول موفاز" بعد  يوم من مقتل إيرز  قائلاً: "إن الصدفة كانت وراء مصرع الجنرال غيرشتاين ورفاقه، كما كانت الصدفة وراء مقتل ضباطنا وجنودنا الثلاثة قبل ذلك بأيام، ويقصد هنا قتلى كمين بركة الجبور".

إن أزمة الكابوس الاستخباراتي قضّت مضاجع الاسرائيليين، وأراحت في الوقت ذاته "مالك" الذي تنفس بعضاً من حياة، فقد تجاوز الامتحان بنجاح.

بعد شهر من مقتل إيرز فقدت "إسرائيل" السيطرة على المناطق  اللبنانية المحتلة، ولم يتمكن إيلي أميتاي الذي أعيد تعيينه مكان إيرز غيرشاتين من وقف نفوذ المقاومة الاسلامية التي تمكنت من زعزعة الميليشيات.. ارتفعت  وتيرة الفرار في صفوف ميليشيا العملاء، ومن بين الفارين كان المسؤول الامني المباشر لمالك، وكانت هذه فرصة ذهبية "لمالك"،  وفي الوقت نفسه أثارت بعض الشكوك حوله، فهو لفت أنظار المسؤولين الأمنيين الاسرائيليين اليه لكونه المرافق الشخصي لمسؤوله منذ العام 1998، حيث عمل معه في جهاز الاستخبارات الاسرائيلية (504)، وتعرّف الى  كبار الضباط الاسرائيليين.  ويرجع مالك إلى ذلك اللقاء: "أذكر دورون ضابط استخبارات 504 الذي قال لي إن مسؤولي يثق بي، وعلي أن أكون مخلصاً له، فعملنا ـ كما أضاف ـ يحتاج الى الكتمان، حينها قلت له: أنا موضع أملك الذي تقوله..."

أكمل مالك ضاحكاً: "ما كان يحصل كان مختلفاً تماماً، حيث كنت أراقب  تحركات مسؤولي وأحاول معرفة كل ما يحيط به، وخصوصاً العملاء التابعين له أو من يرسل إلى بيروت ومن يرسل إلى فلسطين للتدريب، لم أكن أعرف ماذا سيفعل المجندون، إنما كنت أقوم بتوصيل المعلومات حولهم لكشفهم".

"دورون" لم يبقَ طويلاً في هذا الجهاز، حيث أعلن فشله بعد أن اخترق جهازه الامني عميل مزدوج في المنطقة، فحل مكانه قائد المنطقة الشمالية في جهاز الاستخبارات (504) الملقب "بأبو النمر"، الذي طلب مني أن أتولى المسؤولية فأكون المسؤول عن المصادر ـ الجواسيس ـ التي أرسلها الى بيروت للتجسس.. حاولت التملص بتوجيه من الرابط لأبقى ((من برّا لبرّا)) أرى كل شيء من دون تحمل مسؤولية تجنيد وما شابه، كي لا أكون في مواجهة مباشرة مع الناس، فكان ردي لـ"أبو النمر" أنني كنت صديقاً لكل المجموعة ـ العملاء ـ التي هربت، فكيف سيثق بي الناس عندما أورط أحداً منهم ثم أهرب كرفاقي؟"..

هذه الحجة لم تجَزْ على "أبو النمر" وقتاً طويلاً، فكلفت بمتابعة ملف أهالي المجندين المتضررين الذين كُشفت أسماؤهم ومهامهم من قبل العملاء  الفارين الى بيروت، فكنت آخذ الاهالي الى المراكز الامنية الاسرائيلية ليدفعوا لهم بدل تعويض مادي عن خسارتهم.

***

"أبو النمر" ذو العيون العسلية التي تلمع كالنمر المفترس، هو في الأربعين من عمره،  طوله يقارب 175 سم، وشعره خفيف جداً ينقشع عن جبهته السمراء.. "لا أنساه وهو يحدق بي، وقد كلف ضابطه الاستخباراتي "نيسو" بالمتابعة معي مباشرةً".

"مجّ" مالك سيجارته ليكمل ما حصل معه بعد هرب المسؤول الامني من البلدة :

"أمهلني "نيسو" حوالى شهر لأفكر  بعرضه في أن أكون مسؤولاً في جهاز الاستخبارات 504، كانت الأيام تمر بسرعة مجنونة إلى أن أرسل  بطلبي عند الجدار (بوابة فاطمة)، وهناك أخبرني الخبر  الذي لم أتوقعه.. والذي جاء كالصاعقة: سأجلس على آلة كشف الكذب!.. شعرت بكلامه ينساب على هامتي الباردة من أثر الصدمة، كان ينطق الحروف بكل بساطة وعلامات الارتياح على شفتيه، بينما جفّ الماء من حلقي فتشققت شفتاي وأسدلت صمتها في المكان، لقد كان الأمر عادياً  روتينياً بالنسبة اليه،  فببساطة راح يبرر سبب الاختبار الذي يوثِّق ثقتهم بي، في ضوء الخروق الأمنية المستجدة.. أعطاني ورقة عليها عدة أسئلة لأحفظها، وأمهلني مدة أسبوع لأستعد نفسياً وجسدياً.. عادةً يعطون المجندين ورقة التحقيق قبل دخولهم المفاجئ بلحظات إلى آلة كشف الكذب، هذا ما كنت أسمعه، ولكن يبدو أنني كنت  أوفر حظاً منهم، تميزت عنهم بأسبوع لاعتباري ضابط استخبارات مهماً.

لم أستطع النوم.. ليته لم يكن أسبوعاً واجتزت الاختبار ولو انتهيت معه، هذا ما كان يشغلني طوال الليل، فلم أشعر بالفجر ولا بالغروب إلا حين أُصلِّي.. قررت أن لا أتقدم الى الاختبار الإجباري وهذا ما أخبرته للرابط،  فكيف سأذهب والأسئلة بمجملها تتعلق بالعمل الذي أقوم به!. كنت أنظر إلى كل سؤال وأضحك، كان الناس حولي يسمعون قهقهاتي فيحسدونني على مرحي وسعادتي، في الوقت الذي كانت الوجوه فيه شاحبة والأرجل تزحف في الأزقة تنتظر عقابها على ما أجرمت بعد اقتراب نهاية الأسطورة الاسرائيلية. هذه الأسئلة حفظت حتى مسافات أحرفها بعد أن أشبعْتها من نظراتي الساخرة:

ـ هل لك علاقات خارجية ضمن أي منظمة تخريبية ضد المنطقة؟ هل نفذت شيئاً منها هنا؟ هل  أعطيت معلومات؟ هل أفشيت معلوماتنا التي تأخذها لجهة تخريبية من الخارج؟..

مستحيل.. مستحيل.. هذا ما كنت أردده بصوت عالٍ، فإن اجتزت السؤال الأول فكيف سأجتاز الثاني والثالث، و و و.. ومن الاستحالة أن أمُرَّ على الآلة وأكون صادقاً.

أخيراً قررت الهرب، قررت ذلك فعلاً.. اتصلت بـ"الشباب" لأبلغهم قراري.. "طوّل بالك" قال لي الرابط، كيف وأنا لم أُصدق بأنني خرجت من عندهم حياً؟! أتسوقني رجلاي إلى مشنقتي بمحض إرادتي؟!

راح الرابط يهدىء من روعي قائلاً: "لا تخف، لا عليك، اتبع توجيهاتنا، نفِّذ بالحرف الواحد، تدخل وتخرج منها بسلام إن شاء الله.. اذهب على مسؤوليتنا، اتكل على الله"..

هدأت قليلاً، فكلامه أراحني، بعدها رحت أكتب ما أملاه علي من توجيهات تجعلني أتخطى الآلة وأنجو بحياتي .

اليوم الموعود

أكمل مالك: يوم واحد وأنفاسي كادت تنقطع، وكأني لم أعد أسمع تمتماتي حتى لتثاقُلِ نُطقِها.. وأخيراً جاء اليوم الموعود، اليوم الذي سأجلس فيه على تلك الآلة الملعونة، ذهبت الى بوابة إيغل ((المطلة، أبو زينب)) وهناك استقبلوني ببشاشة، لم يضعوا خرقة على عينيَّ، فأنا ما زلت ضابط استخبارات بالنسبة اليهم، وهذا إجراء روتيني كما قال لي الدكتور رافي الذي راح "يطبطب" على كتفي، وأجلسني على الكرسي طالباً مني أن أثبِّت ظهري جيداً وأن لا أقوم بأي حركة.. راح يمرُّ الاسلاك على جسدي بحذر، وضعها في أصابعي ثم طلب مني أن أُركز نظري الى الأمام لأجيب بـ"كلا أو نعم" فقط، وكتجربةٍ أولى للآلة ولي قال: "انظر هنا، ركِّز نظرك الى الأمام، تعالَ نُجرِّبْ قبل البدء.

نُجرِّبْ.. نُجرِّب.. قلت له، فقال: اسمك مالك، إذا قلت اسمك أحمد تتغير التأشيرة أتلاحظ، كان يهدف الى تخويفي أكثر من خلال إظهار حساسية الآلة. أخذ مالك نفساً عميقاً وهو يسرد ما جرى معه على آلة كشف الكذب: قبل هذا اليوم قالوا لي أن "أروق"، وأن أنام 24 ساعة لأرد على أسئلتهم بارتياح، لكن في الحقيقة لم أنم طوال الليل وأعصابي كانت "تلفانة".

بداية الاختبار

وكأن لحظة الاختبار عادت للتو الى مالك الذي شرد برهة وهو يتذكر، ثم أكمل: بدأنا بالاختبار، صار الدكتور رافي يفرِّع لي الأسئلة، فتحول كل سؤال الى خمسة أخرى، وبذلك يكون قد طرح عليَّ 25 سؤالاً.. لم أبالِ بالصاعقة الجديدة لأنني مستعد لها.

بدأت الجولة الحاسمة في حياتي، وكنت عند كل سؤال أقوم بحركة متبعة من البداية كرد فعل تعلّمته، بقيت هكذا حتى نهاية الأسئلة الخمسة والعشرين وأنا على الوتيرة نفسها، وإذ بنا  نتوقف عند السؤال الـ25 وهو: هل أنت مخلص 100 % لليهود؟

طبعاً كانت إجابتي "نعم"، فأوقف كل شيء ليقول لي إنني كاذب، عندها أجبته بأنني أصدق من ((مكنتك)).

صار يصرخ عليّ فقلت له: ربما تثاءبت، أجاب: أنت تخبىء أمراً علينا، بسيطة، سأتكلم مع مسؤوليك، سيأتون بعد قليل وتتفاهم معهم، ربما يأخذونك إلى (معتقل) الخيام، أو يدعونك وشأنك، سأقول لهم النتيجة التي وصلت إليها وما تبقى فهو عليك، لا علاقة لي.

فشل الآلة

بعد ساعة من الزمن جاء ضابط الاستخبارات "نيسو" ومعه اثنان، قال لي: انظر، أنت جيد بنسبة 90%، لكن لديك سؤال جوابه غامض، عليك رمي كل المعلومات التي تخفيها عنا من دماغك ووضعها أمامنا الآن..

أجبته: الحقيقة لم يعد عندي  شيء أقوله أو أحتفظ به، افعل بي ما تريده.. فرد: ((ok )).. يطلب قائد المنطقة أن نأخذك إلى الخيام (710)، لكن انتبه، عليك أن تتذكر أن ضابطاً إسرائيلياً اسمه "نيسو" كان خيِّراً معك، ولن تنسى جميلي هذا أبداً، لقد خلَّصتك من المعتقل قبل الوقوع به.

قلت له: ماذا؟!

أجابني "نيسو" بهدوء: سأمنحك فرصة أسبوع أعطيك إياها شخصياً على أن يحدد لك موعد جديد للإجابة عن السؤال، أتواصل معك بعد يومين أو ثلاثة قبل مرور مهلة الأسبوع، فتكون قد فكرت جيداً.. قلت له: لا يوجد شيء عندي .

تنحنح مالك في جلسته وقال ساخراً: المهم صار لدي قناعة بأن آلة الكذب هي "كذب بكذب"، خاصة أنني أجبت عن أربعة وعشرين سؤالاً بشكل كاذب، وبقي الـسؤال الخامس والعشرون الذي اعتبرته فخاً.. على كلٍ أخبرت الرابط بكل ما جرى معي.

بعد أسبوع طلبوا مني الرجوع إلى آلة كشف الكذب، فقلت للرابط إنه لا يمكنني الذهاب مجدداً، أفلتُ من أول مطب بأُعجوبة!.. لكنه شدّد علي لأُكمل ما بدأته متبعاً التوجيهات التي زودني بها.

من جديد

من جديد توجهت إلى بوابة إيغل (أي المطلة) وكنت متفائلاً هذه المرة، معنوياتي عالية، مطمئن البال، ولكن الذي جرى كان على غير العادة.. فما إن وصلت حتى راحوا يفتشون سيارتي أمام ناظري ثم أدخلوها إلى "الكيبوتز" ـ المستوطنة ـ  وبعدها فتشوني جيداً، عندها تضايقت كثيراً، فالزيارة السابقة كنت فيها معززاً مكرَّماً عكس ما يجري الآن معي".

بدأت الأفكار والاحتمالات تطرق رأسي الذي أحسست به يهوي على جسدي لثوانٍ.. بعدها استقبلني "نيسو" بلهجته العربية المكسَّرة مدة ساعة، كنت لا أرى فيها إلا ملامحه، فأذكره حنطي البشرة يميل للبياض، عيناه سوداوان، نحيف جداً يكاد يقع من طوله البالغ 180 سم.. لا شارب له، تبللت شفتاه من أثر القهوة التي كنا نرتشفها بانتظار وصول ضابط من مكتب الاستخبارات بالقيادة من تل أبيب للتحقيق معي حول السؤال الـ25.. ما أسعدني!.

عندما وصل "ديفيد" عرَّفني اليه "نيسو"، طوله حوالى 190سم، سمين، أصلع، أسمر اللون، شاربه خفيف الشعر، لغته العربية جيدة، رفيع المستوى كما يبدو.

قال لي: أنا دايفيد، أمضيت سبع عشرة سنة في مكتب الاستخبارات في تل أبيب، أتيت لأجلك لأقضي معك ثلاث ساعات، تجيبني فيها عن السؤال الذي أخفيت إجابته عنّا"..
إلا أنه أبدى تفاؤلاً بأنني سأعطي الجواب خلال ربع ساعة، كي يتمكن من العودة إلى تل أبيب باكراً.

دخلنا الغرفة وهو يحدثني كأنه يعرفني من مئة سنة.. الى أن وصل الى السؤال ذاته رقم 25، كانت كل شكوكه تميل إلى احتمال أن أكون عميلاً للاستخبارات السورية لكوني نشأت في البقاع.. بقيت معه من الساعة العاشرة صباحاً حتى الواحدة والربع ظهراً على السؤال نفسه.. لم يسألني عن علاقتي بالمقاومة الاسلامية وحزب الله! وهذا ما أراحني، فأنا فعلاً لا أكذب هذه المرة .

في الساعة الواحدة والربع  طلب لي طعام الغداء، مددت يدي لآكل ((لم أكن أرغب بالطعام، كل همي أن أنتهي بسرعة))، قال لي: "إيه.. بالنسبة الى موضوعنا أنت اشتغلت مع الاستخبارات السورية"، كان يعتقد أن الطعام يلهيني، هذا ما طُبع في أذهانهم عن ابن العرب ـ همه بطنه ـ عندها أنسى وأقول كل شيء، لكنني بكل برودة أعصاب أزحت عربة الطعام وقرَّبتُ عربة الأوراق التي يكتب عليها وهو ينظر إلي وقلت له: "عندما ننتهي نأكل، فوقتك ضيّق". عندها راح يعتذر الي ويشدِّد علي لآكل، ثم وقف وقال: "أنا مقدَّم يهودي لي 17 سنة في مكتب التحقيق (504 ) في تل أبيب، أنت أوثق مني، أنا يهودي، حط كفك بكفي، أنت أوثق مني..".

تركني ومضى، وبعد نصف ساعة أطل "نيسو" ومعه اثنان، كان الثلاثة يضحكون، لقد كان  مسروراً بالنتيجة!.

صرت أحمل صفة ضابط استخبارات (محرك في جهاز 504)، وبذلك صرت مصدراً مهماً للمقاومة الاسلامية.

***

الوحدة 504
هي واحدة من أخطر الوحدات السرية في في جهاز الامن في كيان الاحتلال، توصف بأنها النسخة المصغرة عن جهاز الموساد، مهمتها الأساسية خلال المعارك توفير المعلومات لقادة الكتائب، وتجنيد العملاء في البلاد العربية.
تم استحداث القسم العربي بالوحدة 504 في سنة 1949 وكان قائدها الأول دافيد كارون. أطلق عليها أولًا اسم “استخبارات 10″، وبعد ذلك الرقم 154 ثم تم دمجها مع الوحدة  560 وبعد إضافة مهمة تحقيق مع الأسرى إلى مهامها أصبحت الوحدة رقم 504.

آلة كشف الكذب:

استخدم جهاز كشف الكذب لأول مرة في دوائر الشرطة عام 1924، هو جهاز تقليدي اسمه العلمي "البوليجراف"، أي تعدد الكتابات، وهذا ما يوضحه من خلال تبيان عدد من الخطوط المتعرجة على ورقة، ويقوم هذا الجهاز بمراقبة الإشارات "الفزيولوجية" كالتنفس وتصبب العرق وخفقان القلب، كما يتطلب في استخدامه وجود خبراء ذوي كفاءة عالية.

أما كيفية استخدام آلة كشف الكذب فتتم كالتالي: يجلس الشخص ـ المحقَّق معه ـ على كرسي، ويُربط حزامان مطاطيان حول صدره وبطنه لقياس نمط تنفسه كما توضع آلة لقياس ضغط الدم على ذراعه، وتوصل أصابعه بقطعة معدنية لقياس نشاط غدد العرق، ثم يبدأ الاختبار بتوجيه أسئلة بسيطة للحصول على معيار للإشارات المسجلة منه على البوليغراف، ثم توجه إليه الأسئلة الحقيقية ليجيب عنها بنعم أو لا، فيما جميع إشارات جسمه تُرسم على ورقة متحركة.

قبيل وبعد الاختبار يمكن رؤية الرسوم البيانية على الورقة المتحركة لملاحظة ما إذا كان هناك تغير مفاجئ وكبير في الإشارات، كسرعة ضربات القلب، أو ارتفاع ضغط الدم، أو زيادة التعرق، أو غيرها عند الإجابة عن سؤال معين.

يقول "ستيف افترجود" الباحث المسؤول عن اتحاد العلماء الأميركيين:إن جهاز كشف الكذب ليس سوى خدعة، وبالإمكان تضليله بسهولة وذلك بتحريك القدمين أو الاكتاف مع أية إجابة تضليلية على أسئلة المحقق، وعبر التفكير المستمر خلال الجلسة بأمور مزعجة تؤدي بالشخص المحقَّق معه الى الضيق والحزن، فلا يعود الجهاز قادراً على التمييز بين قلقه وإجاباته التضليلية.
إعداد: كابي جعفر
في الحلقة القادمة: مالك في فلسطين المحتلة
من وراء كشف الجرافة العملاقة؟ وما هو الطاس شيش؟ ومعلومات أخرى يُكشف عنها الستار للمرة الأولى.