آراء وتحليلات

حرب اكتوبر/ تشرين وحديث النصر المهدر

06/10/2021

حرب اكتوبر/ تشرين وحديث النصر المهدر

إيهاب شوقي

قد يكون الحديث عن الانكسارات والنكسات أسهل على النفس من الحديث عن الانتصارات المهدرة، حيث الهدف من تناول الهزائم هو التحفيز وتلافي الأخطاء والتحريض على الثأر واسترداد الحقوق، بينما يغلب على حديث الانتصار المهدر الحسرة والندامة والبكاء على الفرص الضائعة.

إلا أننا سنحاول اتباع مقاربة وسطية، في الحديث عن النصر المهدر، حيث سنحاول التعامل معه كخليط بين النصر وما يستدعيه من عوامل للفخر والثقة والثبات على المقاومة، وبين الهزيمة وما تستدعيه من انتباه ودروس مستفادة وعبر.

وما نقوله هنا حول ذكرى حرب اكتوبر/تشرين، ليس من قبيل احياء الذكرى وليس من قبيل مقالات المناسبات، وإنما من قبيل تحليل وضع لا تزال اثاره ممتدة ومؤثرة في اوضاعنا الراهنة، ويستوجب وقفات وملاحظات ينبغي القاء الضوء عليها.

ويمكننا هنا تناول الموضوع عبر محاور عامة تتعلق بالعناوين الكبرى والتوجهات والمواقف والخيارات، دون الإغراق في تفاصيل خاصة تتعلق بالوقائع والوثائق وما تم كشفه لاحقا من معلومات صادمة ومحزنة.

أولا- ملاحظات عامة:

1- يتم الاحتفال سنويا بذكرى الحرب واستدعاء بطولاتها دون هدف مرتبط بالتوجهات الراهنة ودون توظيف يخدم توجها مقاوما، بل على العكس، يتم الاحتفال في مناخ تطبيعي يتصدره عنوان مخادع هو (السلام) بينما العوامل الموضوعية التي أدت للحروب ظلت كما هي بل وتعاظمت اخطارها وتهديداتها، بعد تكشّف ان عواقب هذا السلام كانت اكثر كلفة من عواقب الحرب.

2- هناك احتفالات منفصلة بين الجيشين شريكي المعركة الرئيسيين، وهما الجيش المصري والجيش السوري، لدرجة أن قطاعات واسعة من الجماهير المصرية ترعرعت وشبت وفي قناعتها ان الحرب كانت مصرية خالصة، وأنها لم تكن حربا عربية بشكل عام ومصرية سورية بشكل خاص، وهو ما تم تكريسه لاحقا لتبرير الخيارات المصرية المنفردة بكل أسف.

3- تأتي الذكرى وسط مفارقة مخزية وهي أن العلاقات الرسمية الدبلوماسية بين شريكي الحرب مقطوعة بينما هناك علاقات دبلوماسية مصرية صهيونية وطائرات مصرية تحط في مطارات فلسطين المحتلة.

ثانيا- دروس مستفادة:

1- بعد نكسة كبرى وصل معها العدو الصهيوني لقمة تفوقه الاستراتيجي، تم تدشين خيار الثأر والتحرير، وبعد أيام بدأت المقاومة، وفي ظرف سنوات قليلة أكملت مصر وسوريا استعدادهما وجهوزيتهما للحرب والتحرير، وبقي القرار السياسي، والذي تأخر تنفيذه بسبب رهانات متضاربة وجدية متفاوتة وتشوش في رؤية الهدف النهائي من معركة التحرير، وهو ما انعكس على سير المعارك وتطويرها وقراراتها والخلافات التي حدثت وسط الاشتباك بالنيران، وهي خطيئة استراتيجية تؤدي بنا الى درس مفاده تحديد الهدف الاستراتيجي وضمان التحالف وموثوقيته وضمان الالتزام بالرؤية الاستراتيجية.

2- ثبتت هشاشة العدو وأن زواله مع الوحدة والجدية وبطولات الجيوش التي تحارب في معارك الحق حتمية ومرئية للعيان، إلا أن السياسة أجهضت بطولات الجيوش ودماء الشهداء، وهو ما يعطي درسًا بليغًا حول حتمية ارتباط الخيارات السياسية والعسكرية، وضمانة ارتباط القرار، بحيث لا تورط العسكرية قائدًا سياسيًا ولا تخذل السياسة قائدا عسكريا، وهو ما لا يتحقق الا في وجود عقيدة سياسية مقاومة لها جيش عقيدته العسكرية تنتمي لخيار التحرير والمقاومة.

3- بنفس القدر الذي تستدعي به الذكرى الاشادة والفخر ببطولات الجيوش، فهي تستدعي أيضًا التساؤل حول الانقلاب في قناعات القادة العسكريين وخروجهم للدفاع عن خيارات المهادنة والاستسلام والتفريط، وتلقي بسؤال كئيب حول العقيدة الوطنية لقادة حاربوا وضحوا بأرواحهم ثم خرج منهم من يدافع عن خيارات كامب ديفيد واشباهها، وهل كان الامر مجرد تنفيذ لاوامر عسكرية ام كان نابعا من عقائد وطنية راسخة؟!

الأهم من ذلك ان هناك محاولات دائمة للإيحاء بأن حرب اكتوبر/تشرين هي آخر الحروب مع العدو، وأن مصر تحديدًا استنفدت واجبها التاريخي بالمعركة وانتهى هذا الواجب بفض الاشتباك وتدشين مرحلة التفاوض والانخراط في خيار (السلام) باعتباره الخيار الحتمي التاريخي الذي لن يتزعزع مهما حدث من تطورات.

وهو ما نراه محض هراء وكذبة وخدعة كبرى للشعوب، ونراه أمرًا معيبًا في حق مصر ودورها التاريخي، بل وخطرًا استراتيجيًا على مصر نفسها وأمنها القومي، حيث لا تستبعد دولة أي خيار في إطار وجودها في عالم يتسم بالصراع، ويتضاعف العيب والخطر، في وجود كيان استعماري استيطاني مثل العدو الصهيوني على حدود مصر.

الاحتفال بالذكرى إن لم يكن موظفًا لبعث الكرامة والاستعداد لقادم المعارك فهو مجرد مخدر للشعوب ومثبط لهممها.

وإن كان الاحتفال في أجواء موحية بأنها معركة متعلقة بمرحلة تاريخية منقضية وليس لها امتداد في الحاضر والمستقبل، فهو تحايل وخداع ومانع ضخم أمام بعث ونمو قيم التحدي والكرامة بل والشعور الفطري بالأخطار المحدقة.

بقي أن نوجه التحية لكل من حارب العدو واستشهد في معارك الكرامة، ونوجه التحية لكل من صمد على خيار المقاومة وعدم الاعتراف بهذا الكيان الزائل لا محالة.

 

سورياالكيان الصهيونيمصر

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة