آراء وتحليلات

صندوق النقد الدولي: القيادة في الطريق الخاطئ

29/09/2021

صندوق النقد الدولي: القيادة في الطريق الخاطئ

أحمد فؤاد

في صيف العام 2006، وعقب انقشاع دخان الغارات الصهيونية على لبنان، وانتهاء حرب الأربعة وثلاثين يومًا، وقف العالم يشاهد بإعجاب البطولة اللبنانية المذهلة التي قدم فيها حزب الله وقائده السيد حسن نصر الله، وفرسانه، وبيئته الحاضنة، درسًا في الكرامة حين تختلط بالفداء، وبالمجد حين يرتفع حتى يشق السماوات.

1

كان تموز فاتحة عهد الشرق الأوسط الجديد، الشرق الأوسط الذي لم يكن يخطط له جورج بوش وكونداليزا رايس، وإلى اليوم لم تفلح المخططات الأميركية ولا الأفعال الصهيونية في منحهم أي أمل بتغيير قواعد اللعبة، التي تميل - وباستمرار - لمصلحة حزب الله، سواء على المستوى الداخلي، أو المحيط العربي الواسع، الذي شهد رفع صور السيد حسن نصر الله من جانب شعوب عربية في وجه قادتها وحكامها الغارقون في التطبيع، كما جرى في الأزهر الشريف في ذلك الصيف الملتهب.

من الشرق إلى الغرب، كان حزب الله يتحول ليمثل الرقم الأصعب في الشرق الأوسط، رقمً بات من الخيال ضربه بالنسبة للولايات المتحدة، ومن الصعب تجاهله بالنسبة لكل الأطراف الفاعلة في أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي لا تنتهي، لكن الكل، بما فيهم العدو الصهيوني، اعتبروا أن حزب الله انتصر على الجيش الذي لم يعرف بعدها طعم الانتصار، على الإطلاق.

وحدها بعض أطراف النخبة السياسية اللبنانية اعتبرت، ولا تزال، إن حزب الله لم ينتصر في حرب تموز 2006، ويمثل موقف رئيس الوزراء آنذاك، فؤاد السنيورة، ودمعه الهتون أمام الكاميرات، انسحاقًا ليس له سابق، في منطقة يحاول كل من فيها أن يصبغ الانتصار على معاركه، ولو كان مهزومًا مدحورًا.

بالتوازي مع موقف بعض الأطراف الرسمية في لبنان، كان موقف حكام التطبيع العرب مشينًا، يليق بالخسة والضعة التي انزلقت إليها نفوسهم، فركز إعلامهم عقب انتهاء الحرب على المباني المدمرة، وكرر صور الضحايا والدماء والمدن المهدمة، وكأن فعل المقاومة بحد ذاته هو من تسبب في الخسائر المادية والبشرية، ليحاول تبديل عجزهم أمام شعوبهم إلى الخوف من الحرب، إذا كان هذا ما سنجنيه منها، في صورة مثيرة للسقوط المجسد والشامل.

2

تلقى حزب الله الضربة الأولى في 2006، لكنه عاد، وبإشارة واحدة من أصبع سماحة السيد حسن نصر الله، لتوجيه ضربة المبادأة في مفتتح صراع جديد، يمتد على كامل صفحة المنطقة العربية، بإعلانه استيراد سفن المشتقات النفطية من الجمهورية الإسلامية، في ضربة هائلة لكل المخططات الأميركية الموضوعة للمنطقة، وعلى رأسها قانون قيصر لحصار سوريا، والحصار الشامل المضروب على لبنان.

لم يتوقف فعل الكريم عند هذا الحد، بل وضع قواعد جديدة للصراع المستمر مع العدو الصهيوني ومشغله الأميركي، بإعلانه أن السفن القادمة إلى لبنان أراض لبنانية، وأي اعتداء عليها سيجابه برد فعل فوري وحتمي، ليمسك الأمين العام في يده بمفتاح بدء التشغيل للمرة الأولى في صراعنا مع العدو الصهيوني، الذي ظل محتفظًا بقرار الحرب طوال وجوده السرطاني على أرض فلسطين العربية.

انتصر لبنان حين قدمت سفن الوقود الإيرانية إلى المرافئ السورية، وانتصر حين وزعت الصهاريج هذه المحروقات في بلد كان يعاني الأمرين، وسط غياب كامل للدولة، وانتصر لبنان حين وضع حزب الله قواعد رفعت شعار التكافل الإسلامي -  الانساني، في تصرف إيماني عملي ينثره الحزب مع كل أفعاله وتحركاته، داخلية كانت أم خارجية.

3

كان لا بد من طريقة لتغيير الصورة المسيطرة على الأذهان والقلوب، صور السيارات المحملة بالخير التي تشق البلاد طولًا وعرضًا، عبر مؤسسة الأمانة المعاقبة أميركيًا، وتحويل الحزب من صانع حل إلى سبب أزمة، وتبديل صورة النصر إلى الهزيمة، التي أدمن أتباع الأميركي في بلادنا نشرها، وكأننا أمة خلقت للهزيمة والانكفاء والعجز.

الطريق الجديد لمحو آثار النصر المدوي هو الذهاب إلى صندوق النقد الدولي، مؤسسة السيطرة المالية العالمية الأقذر على الإطلاق، لتحقيق ما فشلت أميركا في تحقيقه عبر التأخير الحكومي، ثم عبر الحصار، وما عجز عنه الكيان الصهيوني، بالتدخل العسكري أو بمنع لبنان من الوصول إلى ثرواته من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط.

في البداية، وقبل أي مناقشة لمستقبل تعاون لبنان مع صندوق النقد الدولي، يجب وضع حقيقة أولى في الاعتبار، وهي أن صندوق النقد مؤسسة عالمية تعني بالإصلاح المالي لا الاقتصادي، وتلجأ إليها الدول في حال مرورها بأزمات مالية مؤقتة أو مزمنة، لكن لا الصندوق ولا الدول المقترضة منه تهتم في الأساس بتوجيه هذه الأموال لتغيير البنية الاقتصادية لبلد ما، تمامًا كما يفعل البنك المقرض لشخص، حين يطالبه بضمانات للسداد، فإن الصندوق يضع شروطًا مالية على الدول لضمان الوفاء بأمواله.

والذي سيفعله صندوق النقد الدولي في اللحظة الأولى التي سيقرر فيها وضع قدمه في لبنان، هو ما فعله في كل بلد اضطر للجوء إليه، بفرض أجندة إصلاح مالي شديدة القسوة والمطالبة بإجراءات اقتصادية عنيفة، وباختصار فإن الصندوق سيقوم بتنفيذ سياسة الاحتواء الاقتصادي للدولة ككل، كجزء من جهد منسق ومنظم لإخضاع البلد للقرار الأميركي، وربطه على المدى الطويل بالإرادة الأميركية.

ورقة واحدة هي الشروط الأولية لصندوق النقد الدولي للموافقة على منح القروض إلى الدولة المستهدفة، وهذه غير قابلة للمناقشة أو المفاوضات، وتتكون من 4 بنود، جرى ويجري وسيجري تطبيقها بالكامل في كل بلد وضعتها حكوماتها تحت رحمة المؤسسة ذات الأنياب الزرقاء، وهي: إلغاء الدعم السلعي تمامًا، خلال فترة ما يجري الاتفاق عليها، بزيادة أسعار الطاقة، ورفع تكاليف الخدمات العامة، وتطبيق إصلاح ضريبي يشمل فرض ضريبة القيمة المضافة، والبند الثاني تقليص أعداد موظفي القطاع العام والحكومي، وصولًا لتقليل الرواتب الحكومية كنسبة مئوية من ميزانية البلاد، والثالث هو تطبيق نظام سعر الصرف المرن ليعكس القيمة الحقيقة للعملة المحلية، وأخيرًا خصخصة الشركات والبنوك المملوكة للدولة، لرفع يد الدولة تمامًا عن التدخل في السوق المحلية في الحاضر والمستقبل.

4

خلال العقدين الماضيين، بدأ الصندوق في وضع شروط جديدة على طاولة المفاوضات مع الدول المقترضة، في حال مصر على سبيل المثال، تمت الموافقة على قرض يبلغ 12.5 مليار دولار في 2015، مقابل حزمة من الشروط والتعهدات الحكومية، بالإضافة إلى قائمة الشروط الأساسية سالفة الذكر.

تعهدت الحكومة المصرية لمسؤولي الصندوق بالاقتراض من أسواق المال العالمية، بجانب القرض من الصندوق، لمجابهة التزاماتها تجاه تحسين وضع المالية العامة والموازنة، وبالفعل رفع النظام المصري الديون الخارجية 3 أضعاف، كأكبر ارتفاع في تاريخ البلاد على الإطلاق، من نحو 45 مليار دولار قبل بدء "الإصلاح"، إلى 143.8 مليار دولار في آذار/ مارس 2021، وفقًا للتقرير الصادر من البنك المركزي المصري.

ووافق النظام المصري أيضًا على شرط تخارج الجيش من مشروعاته الاقتصادية، والتي يرى مسؤولو الصندوق إنها تمثل مزاحمة للقطاع الخاص، وتعيق توسعه في السوق المحلية، وخلال عدة مؤتمرات للرئيس المصري يصدر التعهدات سواء بمشاركة القطاع الخاص في مشروعات الجيش، أو بطرح بعض الشركات في البورصة المصرية، لطمأنة بعثات المراقبة التابعة للصندوق حول تنفيذ الشرط الباقي من التعهدات.

ويمكن الحكم النهائي على التجربة المصرية مع صندوق النقد الدولي من خلال 3 أرقام فقط لا أكثر، الأول وصول عدد الفقراء وشديدي الحاجة في مصر إلى 62%، والرقم يعود لتقرير البنك الدولي الخاص بأوضاع مصر، والرقم الثاني هو وصول مخصصات خدمة أعباء الديون في الموازنة العامة لمصر 2021/2022، إلى 87% من إجمالي الإيرادات العامة (تبلغ فوائد الديون 579.6 مليار جنيه كما سيتم سداد أقساط ديون بمبلغ 593 مليار جنيه)، والرقم الثالث هو مخصصات شراء لقاحات "كورونا" لشعب يزيد تعداده عن 104 مليون مواطن يعانون في سبيل تدبير تكاليف الحياة اليومية، وهو صفر، إذ لم تخصص الحكومة أي مبالغ لاستيراد لقاحات، وتعتمد بشكل كامل على الجرعات التي تمنحها الشركات المنتجة بها، بحسب تصريح وزير الصحة الأسبق الدكتور أشرف حاتم، الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب الحالي.

5

سيبقى الحل في لبنان، وفي كل بلد عربي يرنو إلى امتلاك قراره المستقل، اقتصاديًا وسياسيًا، كما قالها الأمين العام سماحة السيد حسن نصر الله، في عدة مناسبات، وهو كسر دائرة الهيمنة الغربية على مجتمعاتنا، والتوجه شرقًا، حيث يكمن الحل الأكيد لأزماتنا، التي صنعها الغرب بخططه الشيطانية، ولن تحلها مؤسساته المالية بالطبع.

النموذج الأمثل لكسر الهيمنة الغربية، سيبقى طهران، التي تمكنت خلال عقود الحصار الطويلة والظالمة من تأسيس بنية جديدة، في مجتمع فيه كل خصائص مجتمعاتنا الشرقية والعربية، من الاعتماد على قطاعات اقتصادية حقيقية، من صناعة وزراعة، وحققت في المجال الصناعي خصوصًا تراكمًا هائلًا، منحها الأمل والقدرة على كسر سنوات العقوبات الأميركية السوداء.

الأهم في التجربة الإيرانية للنمو والنهضة، إنها قامت بمخاصمة كل اشتراطات المنظمات الدولية، وكسرت عبر طريق تحررها الطويل، تحت قيادة الإمام الخميني (قدس سره) ثم الإمام القائد الخامنئي، عقدة السيطرة الغربية على الذهنية الإسلامية والعربية، واختارت الثورة الإيرانية أن تبدأ من طريق مغاير للغرب لكنها مضت في طريق تحقيق آمال شعبها وتطلعاته.

عقب 4 عقود فقط من انتصار الثورة الإسلامية، خرجت إيران للمنطقة فاعلًا قادرًا، وقدمت للشعوب والدول العربية تجربتها النهضوية المختلفة عن كل ما يطرحه الغرب من أفكار ورؤى، ونجحت في كسر اليد الأميركية الطولى، التي كانت ولا تزال تسيطر علينا نفسيًا ثم على اقتصادياتنا.
أعادت إيران هندسة مجتمعها، ومنحت لها الدماء الزكية في طريق ثورتها المفتاح للعبور إلى عصر جديد، وتتألق الجمهورية الإسلامية الآن في بهاء ومجد، وصنعت للجغرافية والموقع الإيراني قوة فوق قوة، واستمدت من تاريخها الطاقة اللازمة، لتخلق الثراء الفريد للبلد الطيب، وتحصد الإنجازات على المستويات كافة.

وأبرز ما جاء في التجربة الإيرانية، إنها أجادت التعامل مع واقعها، فلم تقفز عليه بالأحلام ولم تتعثر فيه بالأمنيات وحدها، بل مارست الفعل الجبار لأمة في لحظة نادرة من لحظات تجلي الإرادة الحرة، لتكسر أول حاجز أعاق المحاولات السابقة لها، وبعضها عربية، إذ انطلقت من نقطة الأزمة ذاتها، فور أن اعتبرت أميركا هي الشيطان الأكبر، لتنجو من فخ الدعاية الأميركية والسيطرة النفسية الأميركية، وترفض توصيات مؤسسات التمويل الغربية، التي يعتبرها البعض من أبناء جلدتنا قدرًا مقدورًا، ونصيبًا لا فكاك منه، لتخرج بداية من واقع التبعية إلى رحابة التجربة الواسعة، كانت المقاومة ولا تزال هي الحركة الإيرانية الأولى في مسيرة التنمية.

والنتيجة الإيرانية كانت مذهلة، صناعات متقدمة، وقاعدة تكنولوجية متطورة ومحلية بالكامل، ومشروعات فضاء، ونظام تعليمي يوضع على درجة المساواة مع أوروبا والغرب، ونظام جامعي وبحث علمي هو الأفضل في المنطقة بلا جدال، ومشروع مثير للأعجاب تمكن في الوقوف 4 عقود متتالية في وجه الغرب، ليس في مواجهة الحصار والحروب فقط، وإنما أيضًا استطاع تنفيذ التزامه بدعم قضايا المستضعفين والشعوب المقهورة، وأهمها قطعًا قضية العرب المركزية فلسطين.

قدمت إيران الإجابة الوحيدة الصحيحة على قضايا التنمية ومكافحة الفقر وقلة الموارد والإمكانيات، وكسرت بالفعل لا بالتمني أطواق الحصار المفروضة عليها طوال عقود طويلة مريرة، وأثبتت أن معظم الحكومات العربية تقود في طريق خاطئ، ليس في نهايته سوى بؤس الراجي وسراب الآمال الضائعة.

الاقتصادصندوق النقد الدولي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة