قيدي يكسرهم

خاص العهد

ما المعايير التي يجب أن تحكم التّفاوض مع صندوق النّقد الدّولي؟

27/09/2021

ما المعايير التي يجب أن تحكم التّفاوض مع صندوق النّقد الدّولي؟

فاطمة سلامة

يكثُر الحديث عن استئناف المُفاوضات مع صندوق النّقد الدّولي مع عودة الحياة إلى السّلطة التّنفيذيّة. يُصوّر البعض التوجّه إلى الصندوق كخيار وحيد وأخير للإنقاذ. إلّا أنّ التّدقيق في الواقع الإقتصادي والمالي يبيّن أنّ خيار الصندوق يأتي إلى جانب خيارات متعدّدة كفيلة بإحداث خرق جدّي للنّهوض إن وجدت النّوايا الحقيقيّة لذلك. طبعًا لا مانع من مفاوضات يجريها لبنان مع صندوق النّقد شرط أن تحكمها معايير واضحة تصبّ في مصلحة لبنان. التّفاوض مع صندوق النّقد يجب أن يخرج عن منطق الوصفات الجاهزة التي نفّذها الصندوق في العديد من الدّول. تمامًا كما يجب أن يخرج هذا التّفاوض ببرامج تحدث نهوضًا فعليًا وحقيقيًا للبنان لا برامج "تقطيع الوقت" واللّعب على حافّة الهاوية بعيدًا عن التّعافي. وعليه، ما المعايير التي يجب أن تحكم التّفاوض مع صندوق النّقد الدّولي؟. 

فضل الله: صندوق النّقد ليس خيارًا وحيدًا 

رئيس المركز الإستشاري للدّراسات والتّوثيق الدكتور عبدالحليم فضل الله يشدّد في حديث لموقع "العهد" الإخباري على أنّ صندوق النّقد ليس خيارًا وحيدًا بل يأتي كخيار من ضمن خيارات متعدّدة. ينطلق فضل الله من التأكيد على هذه الحقيقة كي لا يُقال إذا فشل التّفاوض مع الصندوق أنّ لبنان سيبقى في الأزمة، واذا نجح أنّ البلد نجا من الأزمة وتعافى. وفق فضل الله، فإنّ الصندوق هو خيار من الخيارات وفي حال وصلنا إلى اتّفاق على برنامج معيّن يشكّل هذا الأمر بحدّ ذاته تحدٍّ لأنّ تطبيق هذا البرنامج بما يتناسب مع مصالح البلد يشكّل الأساس. أكثر من ذلك، حتّى لو اتّفقنا على برنامج يتناسب مع مصالح البلد -يقول فضل الله- فإنّ كيفية تطبيقه يشكّل تحدٍّ أيضًا، ففي الكثير من الأحيان تدخل الدول في برنامج مع صندوق النّقد الدولي وتعود إلى الأزمة بعد فترة من الزمن. 

ما المعايير التي يجب أن تحكم التّفاوض مع صندوق النّقد الدّولي؟

لذلك، يعود فضل الله ويشدّد على أنّ صندوق النّقد ليس القدر الوحيد، مؤكّدًا أنّه إذا وصلنا إلى برنامج مع الصندوق يجب أن يقترحه لبنان ويتناسب مع مصالحنا ويجب أن يطبّق بطريقة لا تؤدي إلى عودة الأزمة لاحقًا. يجب أن يطبّق بطريقة تمكّننا من الخروج من الأزمة أوّلًا، ومن الصندوق ثانيًا لأنّ بعض الدول تنجح فيها مسألة تطبيق البرنامج على قاعدة الإرتباط الدائم مع صندوق النّقد وهذا أمر ينبغي تجنّبه لأنّه يسلب منّا قدرتنا على صياغة السياسات التي تناسبنا ويمنع التّعافي الذّاتي، والنمو الآتي مع مرور الوقت. 

على الحكومة الإتفاق على برنامج موحّد يعبّر عن الجميع 

ويشرح فضل الله عقلية تعاطي صندوق النّقد مع الدول، فيوضح أنّ صندوق النّقد يموّل برامج "الإصلاح" للدول بشكلٍ جزئي وذلك بعد موافقته طبعًا على البرنامج وتقديره بأنّه يؤدي إلى الإنقاذ. وهنا يكمن التّحدي الكبير -وفق فضل الله- ما يحتّم على الحكومة أن تعمل بطريقة تؤدي إلى الإتفاق على برنامج موحّد يعبّر عن الجميع ويؤدي إلى توزيع عادل للخسائر ويحمّل المسؤولية لمن يجب أن يتحمّلها أي للجهات التي باتت معروفة في البلد. برأي فضل الله، لا يجوز إدارة التّفاوض مع الصندوق بالسياسة التي اتّبعت العام الماضي إذ كان وفد الحكومة عبارة عن وفود وليس وفدًا واحدًا. تمامًا كما لا يجوز إدارة التفاوض بمعزل عن أهداف محدّدة جرى الإتفاق عليها بمجلس الوزراء الذي يجب النّظر إليه على أنّه من يضع السياسة العامّة للدولة. وعليه، لا يجوز أن تغرّد أي مؤسّسة على ليلاها لأنّ الحكومة في لبنان مخوّلة رسم السياسات العامّة ولا يجوز أن يتصرّف مصرف لبنان أو المؤسّسات الأخرى ذات الصلة على هواها.

ويشدّد فضل الله على أنّ أي إنقاذ ينبغي أن يؤدي إلى التّعافي وأي تعافي ينبغي أن يؤدي إلى النّهوض والنّمو الاقتصادي، لافتًا إلى ضرورة عدم النّظر إلى الأزمة من منظار محاسبي إذ إنّ إدخال السيولة إلى البلد -لإحداث توازن في الميزان التّجاري وميزان المدفوعات الذي يعاني من العجز- غير كاف. وفق فضل الله، لا بدّ من البحث عن موارد كافية للبلد لتثبيت مؤشراته ومتغيراته الأساسية بحيث نصل إلى توازن ما في الميزان الجاري وميزان المدفوعات. بالنسبة للمتحدّث، يجب أن لا يكون لدينا نظرة محاسبتية بل اقتصادية بمعنى أنّ أي اجراء مالي أو نقدي يجب النّظر إلى مفاعيله الاقتصادية والاجتماعية، وإذا كانت تلك المفاعيل سلبية يجب رفض الإجراء حتى ولو كانت مفاعيله المالية جيدة. 

ويشدّد فضل الله على أنّ الأولوية اليوم لحلّ مشكلة الخسائر في القطاع المصرفي ومصرف لبنان ولإحداث توازن في الميزان التّجاري والمدفوعات والحساب الجاري، فضلًا عن ضرورة إرساء استقرار بسعر صرف الدولار وإحداث نمو يمكّن البلد من توسيع قاعدة الإنتاج. من وجهة نظره، فإنّ الأولوية لحماية القطاعات الإنتاجية وليس الأولوية لزيادة إيرادات الدولة من خلال زيادة الضرائب. 

أولويات الحكومة كثيرة على رأسها الإنقاذ 

ولدى سؤاله عن المهام المنوطة بالحكومة الحالية، يُشدّد فضل الله على أنّ أولويّات الحكومة الحالية تشبه أولويات الحكومة السابقة ولكن الظروف أصعب. وفق قناعاته، لا بدّ من الإتفاق بَدايةً على خطّة للتّعافي علمًا أنّ الحكومة السابقة أقرّت خطّة التّعافي في أواخر نيسان 2020 وهذه الخطّة بالإمكان الإستناد إليها أو الإنطلاق منها من خلال مناقشة بعض البنود الموجودة فيها والتي تعدّ أساسًا جيّدًا للتّعافي والتّفاوض مع صندوق النّقد الدولي. 

وفي هذا السياق، يوضح فضل الله أنّ خطّة التّعافي أو أي خطّة يجب أن تأخذ بعين الإعتبار ثلاثة أمور أساسية:

أولًا: الإنقاذ، والذي يتفرّع منه مجموعة عناوين منها كيفية التّعاطي مع نتائج رفع الدّعم، وضع البطاقة التمويلية موضع التّنفيذ بدون مماطلة وتسويف، تأمين المستلزمات اللازمة من صيانة ومحروقات وفيول لكهرباء لبنان بحيث تعود إلى مستويات معقولة من التّغذية، فضلًا عن معالجة مشكلة الخدمات الأساسية التي تنهار إذ لدينا مجموعة قطاعات مهدّدة بالإنهيار تُضاف إلى الكهرباء وهي: المياه، الإتّصالات، الصرف الصحي فضلًا عن مشكلة النّفايات الصّلبة المزمنة. 

ثانيًا: محاولة إرساء استقرار ما في سعر صرف الدولار وذلك للحفاظ على القدرةالشرائية للمواطنين والحدّ من الإرتفاع في مستوى الأسعار.

ثالثًا: إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة مشكلة الخسائر بميزانية مصرف لبنان، فضلًا عن إعادة هيكلة الدّين العام على قاعدة الحفاظ على حقوق المودعين وكلّ أصحاب الحقوق وسط تقدير علمي للخسائر وتوزيع منصف لها. وفق فضل الله، عندما يصبح هناك توزيع للخسائر يجب الأخذ بعين الإعتبار أنّ هناك جزءًا من الخسائر جرى توزيعه بالفعل بطريقة عشوائية وظالمة خلال العامين المنصرمين وهذا يتبيّن من خلال الإجحاف بحقوق المودعين والمكاسب التي جنتها المصارف عبر الدولة وأصحاب الحقوق.

كما يشدّد فضل الله على ضرورة الأخذ بعين الإعتبار -عندما نتحدّث عن إعادة هيكلة الدّين العام- أصحاب الحقوق المشروعة لأنّ هناك حقوقًا غير مشروعة مثل مراكمة فوائد زائدة عن اللزوم. وعليه، يجب المحافظة على الحقوق الأصلية لأنّنا لا ننظر إلى الفوئد المتراكمةعلى أنّها حقّ، وهنا يجب وضع خطّة محكمة للتّفاوض مع الدائنين الخارجيين.

ويُشير فضل الله إلى أنّ معظم ما ورد في الخطّة السابقة لا يزال صالحًا، مشيرًا إلى ضرورة الإستناد إلى سياسة اقتصادية وأخرى اجتماعية يتمّ وضعهما موضع التّنفيذ وبصورة فورية لأنّنا عندما نتحدّث عن الإنقاذ فثمّة عناوين عدّة تحضر منها موضوع الهيئات الضّامنة خصوصًا الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي باتت مهددًا ومعه تتهدّد ثلاث قطاعات بالإنهيار: الإستشفائي، الصحي والتّعليمي. 

البعض يسعى لإبقاء لبنان عند حافّة الهاوية

وينتقل فضل الله من الحديث عن التّعافي إلى النّهوض الذي لا يتمّ فقط بأدوات مالية ونقدية وبمعالجة للوضع المصرفي. وفق تقديره، لا بدّ من تحريك الدّورة الإقتصادية وتنمية الإقتصاد الذي يتطلّب نموذجًا جديدًا وخطّة جديدة دون الإنتظار لسنوات بل يجب المباشرة بهذا الأمر فورًا. برأيه، كلّ الإجراءات دون تحريك العجلة الإقتصادية وتنمية الإقتصاد واستعادة النّمو يكون مفعولها قصير المدى. وهنا يُشير فضل الله إلى أنّ البعض يسعى في إطار الحصار والإستهداف الخارجي للإبقاء على المسار الحالي في لبنان، موضحًا أنّ بعض الجهات كالأميركيين قد تتعاطى مع جزء من متطلّبات الإنقاذ لأسباب سياسية ونفعية فتقارب جزء من حاجاتنا المرتبطة بالإنقاذ حرصًا على مصالحها وليس مصالح البلد، فيما تعمل بالمقابل على إبطاء مسار التّعافي كما حصل في الفترة الماضية وتمنع الإصلاح إلّا إذا أعاد تركيب البلد كما يحلو لها. 

هذه المقاربة خطيرة جدًا -يقول فضل الله- الذي يُشير إلى أنّ البعض يعمل بهذا النّهج لإبقائنا عند مرحلة حافّة الهاوية أي الإنقاذ الذي يمنع من الموت السريري وفي المقابل يمنع عنّا الإنعاش الجدّي والتّعافي من جديد، وهذا المخطّط يجب أن يواجه من قبل الحكومة الحالية بوضع كلّ هذه الأمور على الطاولة دفعة واحدة. الإنقاذ أولوية للتّعافي والنّهوض الإقتصادي والحماية الاجتماعية هي أيضًا أولويّة ولا يجوز وضعها ضمن جدولة زمنيّة طويلة المدى. 

وفي الختام، يشدّد فضل الله على أنّ الوقت ليس في صالحنا. ثمّة جو من التّفاؤل بدأ مع تشكيل الحكومة وانعكس على سوق الصرف وأسعار السلع وينبغي مساندة جو التفاؤل بإجراءت فعليّة وبالوصول إلى توافقات وبرامج خلال أسرع وقت ممكن كي لا تضيع الفرصة وننتقل إلى الموجة الثّالثة من الأزمة والتي ستكون أكثر خطورة من الموجة الحالية.

صندوق النقد الدولي

إقرأ المزيد في: خاص العهد