آراء وتحليلات

ماذا وراء المراوغات الاميركية مع العراق؟

26/09/2021

ماذا وراء المراوغات الاميركية مع العراق؟

بغداد ـ عادل الجبوري

كشفت صحيفة "ميدل ايست اي" البريطانية قبل بضعة ايام، عن نية الولايات المتحدة الاميركية ارسال الفي جندي من مشاة الفرقة الرابعة الى العراق، ليحلوا محل اللواء القتالي 256 التابع لقوة الحرس الوطني الاميركي لمدة تسعة اشهر.

وفي تعليقها حول ما نشرته الصحيفة البريطانية، قالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) جيسيكا إل ماكنولتي، "إن نشر وحدة فرقة المشاة الرابعة لتحل محل الوحدة المغادرة كان جزءًا من التناوب الطبيعي للوحدات لدعم استمرارية قوة المهام المشتركة لعملية العزم الصلب، وان القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق باقية بدعوة من حكومة العراق لدعم القوات العراقية وهي تواصل قيادة القتال ضد داعش".

هذه الخطوة تعزز الى حد كبير مجمل المؤشرات الذاهبة الى ان الولايات المتحدة ستماطل وتراوغ بأقصى قدر ممكن في موضوع انسحابها من العراق، لا سيما بعد ما خلفه انسحابها الفوضوي المرتبك من افغانستان من اثار وانعكاسات سلبية عليها، وهو ما وسع مساحات الجدل والسجال داخل دوائر القرار الاميركي، واطلق التحذيرات من تكرار ما حصل في افغانستان.      

تصريحات..حول البقاء

ولعل عودة سريعة الى تصريحات اميركية سابقة، توضح بعض الشيء حقيقة وطبيعة توجهات ونوايا وطريقة تفكير اصحاب القرار ومراكز الابحاث والدراسات القريبة منهم.

ففي اواخر شهر نيسان/ ابريل الماضي، خرج رئيس قيادة القوات المركزية الاميركية الجنرال كينيث ماكينزي بتصريح لوسائل الاعلام، كشف فيه عن عدم وجود خطة للانسحاب من العراق، كما هو حاصل مع افغانستان، واكثر من ذلك، اكد انه "لن تخفض الولايات المتّحدة عدد قواتها في العراق، بناءً على رغبة الحكومة العراقيّة في بغداد، وقد تزيدها"، هذا في الوقت الذي لم ينس فيه الجنرال الاميركي اطلاق التحذيرات مما اسماه بخطر النفوذ الايراني، في اشارة الى الحشد الشعبي، الذي لم تفتأ واشنطن تبذل المساعي والجهود المحمومة من اجل حله وتذويبه ضمن المؤسسات الامنية الحكومية، كوزارتي الدفاع والداخلية.  

وعلى هذا المنوال، تواصلت التصريحات والمواقف الاميركية من قبل ساسة وقادة عسكريين وامنيين، رغم التأكيد العراقي الرسمي وغير الرسمي على ضرورة انهاء التواجد الاجنبي من ارض البلاد.

وبينما كان مأمولا ان تتغير الامور بعد رحيل دونالد ترامب الجمهوري، ومجيء جو بايدن الديمقراطي، الا انه من الناحية الجوهرية، لم يتغير شيء البتة، وبقيت الامور تدور في حلقة مفرغة من المناورات الاميركية المخادعة، واساليب التسويف والمماطلة، من اجل كسب الوقت، وتخفيف الضغوطات السياسية والشعبية العراقية، والحد من استهداف المقاومة للوجود الاميركي في عدد من المطارات والقواعد العسكرية في العاصمة بغداد ومدن اخرى كالانبار وصلاح الدين واربيل.

وتصريح ماكينزي في عهد بايدن، لم يختلف عن تصريح وزير الخارجية السابق مايك بومبيو في عهد ترامب، حينما قال "إنَّ الولايات المتّحدة تتطلّع إلى متابعة عملها في العراق".

هذا الى جانب مراكز الابحاث والدراسات الاستراتيجية التي يديرها ويشرف عليها دبلوماسيون وقادة عسكريون وامنيون متقاعدون، والتي لا تتوقف عن عرض ومناقشة وتحليل اسوأ الخيارات والاحتمالات جراء الانسحاب الاميركي من العراق. ولعل معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، يعد مثالا واضحا وجليا على ذلك، فهو على مدار اعوام، لا يمر اسبوع الا ويخرج علينا بمقال او دراسة بهذا الشأن، فقبل اكثر من عام، نشر المعهد مقالا تحت عنوان (العواقب الوخيمة للانسحاب الاميركي من العراقي) جاء فيه، "لن يضمن إنهاء الوجود الأمريكي في العراق أمن البلاد واستقرارها.. وقد يدعم طرد القوات الأمريكية من العراق ما تبقى من عناصر "الدولة الإسلامية" ويعرقل محاربة منظمات إرهابية أخرى على غرار "عصائب أهل الحق"، التنظيم العسكري والسياسي الشيعي الممول من إيران".

ومؤخرا، أي قبل ايام قلائل، تناول المعهد المذكور موضوع الانتخابات بصورة تشاؤمية للغاية، مشيرا في مقال تحت عنوان، (الخوف من مرحلة ما بعد الانتخابات: هل سيشتعل برميل البارود في العراق؟)، الى "أن هناك قلقاً من احتمال حصول اضطرابات أمنية أو سياسية. إن هذا يتطلب من الحكومة العراقية ومن القوى السياسية الاستعداد لخريف وشتاء ساخنين. وما لم تكن القوى السياسية مستعدة لتقديم تنازلات مشابهة لتلك التي قدمتها لتهدئة الشارع أو حتى أكثر من ذلك، فان الموقف قد يتطور الى ما لا تحمد عقباه".

المرواغة مستمرة..

ومن يقرأ ما بين طيات هذه السطور، سيجد دعوة مفادها اهمية وضرورة بقاء القوات الاميركية في العراق لضبط الامور ومنع الانزلاق نحو الفوضى، في ذات الوقت، يلمس المتابع قراءة استشرافية سلبية الى حد كبير من معطيات ومخرجات الانتخابات.

وربما يكون السيناريو الفاشل والفاضح للانسحاب الاميركي من افغانستان اواخر شهر اب/ اغسطس الماضي، قد دق جرس الانذار في اذان صناع القرار في البيت الابيض والدوائر الاخرى في واشنطن، ونبههم الى اهمية اعادة النظر ومراجعة كل حيثيات ومتطلبات وتبعات الانسحاب من العراق.

ومرة اخرى نعود الى معهد واشنطن، الذي نشر اواخر الشهر الماضي، مقالا تحت عنوان (من افغانستان الى الشرق الاوسط.. تداعيات الانسحاب الاميركي وانتصار طالبان)، انطوى على تحذيرات من فقدان مكانة وموقعية وتأثير اميركا مستقبلا، اذ جاء فيه: "لا يخفى أن الأوضاع الراهنة تحفل بالتحديات. فانسحاب أمريكا قد يقوض مصداقيتها في شراكاتها الأمنية العالمية، بما فيها شراكاتها في الشرق الأوسط. كما أن طبيعة الانسحاب المشوبة بالاضطرابات تسلط الضوء على التكاليف المترتبة على إنهاء الالتزامات الجارية. ولعل هذه اللحظة تتيح التفكير في العيوب التي تلفت إليها الانتقادات الشائعة لما يسمّى "الحروب الأزلية"... في الوقت نفسه، للعلاقات الإقليمية القوية فوائدها، وإحداها هي أن أوقات الأزمة تشكل فرصة لتعزيز المصالح المتبادلة. من هنا، عند التطلع إلى المستقبل، يجب على إدارة بايدن التركيز على الخطط القابلة للتنفيذ والداعمة للشركاء في الشرق الأوسط، على غرار إطلاق البرامج المشتركة أو تعزيز التعاون في المجال السيبراني. وفي العراق بشكل خاص، أكّدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون على مصلحة مشتركة في تحقيق الأمن والاستقرار عبر مهام التدريب والتجهيز وتكثيف وجود الناتو".

واغلب الظن ان واشنطن ستتخذ خطوات واجراءات عملية، استنادا الى التعهد الذي قطعته لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي خلال زيارته لها اواخر شهر تموز/ يوليو الماضي، بسحب كل قواتها القتالية بنهاية العام الجاري، كأمر واقع (مرغم اخاك لا بطل)، الا ان ما ينبغي التحسب له، هو هل انها ستحزم حقائب جنودها وتغلق ابواب معسكراتها وقواعدها وتسلم مفاتيحها للعراقيين وينتهي كل شيء، ام انها سوف تبحث عن حجج وذرائع اخرى وغطاءات وعناوين جديدة للعودة، علما ان خروج قواتها القتالية يعني بقاء المئات او الالاف تحت عنوان الاستشارة والتدريب، وبقاء او عودة اعداد اخرى تحت راية "الناتو"، ناهيك عن عدم استبعاد فرضية اعادة تسويق وتمكين الجماعات الارهابية المسلحة ايا كانت مسمياتها.

وعن ذلك، يؤكد النائب عن تحالف الفتح مختار الموسوي "أن الولايات المتحدة غير جادة بالانسحاب من العراق، والأنباء التي نشرتها الصحيفة البريطانية تؤكد ما تحدثنا عنه سابقاً بشأن عدم جدية أميركا بإخراج قواتها من الأراضي العراقية".

وارتباطا بذلك، يرى المتحدث باسم كتائب حزب الله، محمد محيي، "ان قرار البرلمان العراقي إخراج القوات الامريكية ضرِب عرض الحائط، وان جميع محاولات إخراج القوات الامريكية من العراق كانت عبارة عن خطة لتضليل الشعب، وان الاخير لا تنطلي عليه عمليات التضليل والتسويف لإخراج القوات الامريكية وأن جميع نتائج الحوار في واشنطن كانت كذبة".

ومثل تلك التصورات والاستنتاجات والقناعات، باتت واضحة لدى طيف سياسي واجتماعي ونخبوي واسع، الامر الذي يستدعي ان تكون هناك وقفات ومواقف ومبادرات جادة وحازمة، لافشال المراوغات الاميركية، وفرض الخيارات والارادات الوطنية، لانه بدون ذلك ستبقى البلاد غارقة في المشاكل والفساد والازمات، والتناحر والصراعات.

العراقاميركاافغانستانالبرلمان العراقيمصطفى الكاظمي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة
إلغاء للتاشيرات بين إيران والعراق وتوسيعٌ للتعاون التجاري
إلغاء للتاشيرات بين إيران والعراق وتوسيعٌ للتعاون التجاري
ميقاتي التقى نظيره العراقي: اتفاقاتٌ من النفط إلى كل ملفات التعاون
ميقاتي التقى نظيره العراقي: اتفاقاتٌ من النفط إلى كل ملفات التعاون
تنديد عراقي واسع بتدخلات مجلس الأمن الدولي
تنديد عراقي واسع بتدخلات مجلس الأمن الدولي
مجلس الامن والانتخابات العراقية.. خلط أوراق وتحريف للوقائع
مجلس الامن والانتخابات العراقية.. خلط أوراق وتحريف للوقائع
المخابرات العراقية تقبض على غزوان الزوبعي أحد مخططي تفجير الكرادة الضخم عام 2016
المخابرات العراقية تقبض على غزوان الزوبعي أحد مخططي تفجير الكرادة الضخم عام 2016
الاحتلال الأمريكي يسرق نفطًا سوريًا بالتعاون مع "قسد"
الاحتلال الأمريكي يسرق نفطًا سوريًا بالتعاون مع "قسد"
زيارة عبد اللهيان.. وواقع لبنان
زيارة عبد اللهيان.. وواقع لبنان
تركة الاسلحة الاميركية في افغانستان: انتشار المتاجر الحربية من المسدس الى المدفع(2)
تركة الاسلحة الاميركية في افغانستان: انتشار المتاجر الحربية من المسدس الى المدفع(2)
قطر تستضيف أولى المحادثات بين "طالبان" وواشنطن بعد الانسحاب من أفغانستان 
قطر تستضيف أولى المحادثات بين "طالبان" وواشنطن بعد الانسحاب من أفغانستان 
الاحتلال الأمريكي ينقل عتاده وذخائره من العراق إلى سوريا
الاحتلال الأمريكي ينقل عتاده وذخائره من العراق إلى سوريا
الإمام الخامنئي: اتحاد المسلمين سيعزز قدراتهم جميعًا.. والتطبيع ضد الوحدة
الإمام الخامنئي: اتحاد المسلمين سيعزز قدراتهم جميعًا.. والتطبيع ضد الوحدة
حزب الله أدان تفجير مسجد قندهار.. على السلطات الأفغانية تأمين الحماية اللازمة للمصلين
حزب الله أدان تفجير مسجد قندهار.. على السلطات الأفغانية تأمين الحماية اللازمة للمصلين
تقدّم "طالبان" في أفغانستان يحفّز الأميركيين على ارتكاب "جرائم عنف" 
تقدّم "طالبان" في أفغانستان يحفّز الأميركيين على ارتكاب "جرائم عنف" 
السيد نصر الله: لإجراء الإنتخابات في موعدها..الكهرباء أولوية..وما يحصل بتحقيقات انفجار المرفأ خطأ كبير جداً
السيد نصر الله: لإجراء الإنتخابات في موعدها..الكهرباء أولوية..وما يحصل بتحقيقات انفجار المرفأ خطأ كبير جداً
نتائج أوّلية للإنتخابات العراقية
نتائج أوّلية للإنتخابات العراقية
الانتخابات العراقية وخارطة طريق المرجعية
الانتخابات العراقية وخارطة طريق المرجعية
حزب الله-العراق: طائرات العدوان الأمريكي انطلقت من قاعدة الظفرة الإماراتية مروراً بالسعودية
حزب الله-العراق: طائرات العدوان الأمريكي انطلقت من قاعدة الظفرة الإماراتية مروراً بالسعودية
"القدس تجمعنا".. من إيران الى فلسطين
"القدس تجمعنا".. من إيران الى فلسطين
إنجاز أمني للمخابرات العراقية
إنجاز أمني للمخابرات العراقية
لقاء رئيسي الكاظمي: لتعزيز العلاقات العميقة.. واتفاق على إلغاء التأشيرات
لقاء رئيسي الكاظمي: لتعزيز العلاقات العميقة.. واتفاق على إلغاء التأشيرات
الكاظمي في طهران على رأس وفد حكومي عراقي كبير
الكاظمي في طهران على رأس وفد حكومي عراقي كبير
العراق ينعى السيد الحكيم.. منارة في العلم والجهاد
العراق ينعى السيد الحكيم.. منارة في العلم والجهاد