alamana

نقاط على الحروف

قدّيسو الحرية وهزيمة "الجلبوع"

11/09/2021

قدّيسو الحرية وهزيمة "الجلبوع"

هيثم أبو الغزلان

لم تغب فلسطين عن عيونهم الحالمة، ولم يغيبوا عنها للحظة واحدة، فمن الإسراء إلى الإسراء، ومن القرآن إلى القرآن، ومن وعد أولاهما إلى وعد الآخرة، ومن بني النضير وبني قريظة إلى الليكود و"يمينا"، من (جاسوا خلال الديار) إلى (لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ)، ومن الحرية المحدودة زمانًا ومكانًا، إلى الحرية الممتدّة من القسّام والشقاقي، وما قبلهما وما بعدهما، حرية تعانق السماء، وتحضن قبّة الصخرة، وتقبض بجمر المؤمن على وعد الآخرة؛ جهادًا وصلاةً وقلبًا يطوي آيات القرآن، سورةً سورةً، وآيةً آيةً، ومن نفق وزنزانة إلى اتّساع المدى، على امتداد الوطن، كلّ الوطن.

حين لاح فجر حرية: محمود عارضة، ومحمد عارضة، ويعقوب قادري، وزكريا الزبيدي، وأيهم كمامجي، ومناضل نفيعات، فقد عانقوا السماء حرية، وانغرسوا كما أشجار الدفلى في تراب الوطن، وعُجنوا بطمي الأرض؛ فأزهروا: جهادًا، وحريّة، وإصرارًا، وشموخًا. فقد أصبحت السماء تُظلّلهم، والأرض تُقلّهم، فهم رياحين الأمل، وزيتونة الوطن، واخضرار العمر لمن قبضوا على سيف الوجع، وشقّوا دروب الأرض، فأزهرت حرية وقيامة من جديد، وهم يُردّدون:

يا نوح!
لا ترحل بنا
إنّ الممات هنا سلامة
إنّا جذور لا تعيش بغير أرض..
ولتكن أرضي قيامه!

فقدّيسو الحرية يولدون مرّتين.. ومرّتين يولدون؛ من زبد البحر مرّة، وأخرى من رحم نفق معتقل "جلبوع"، ومرّة يولدون للحرية، ومرّة يقهرون المحتل. فعلى أيّ جنب ينام العدو بعد اليوم، ومواعيد ستة أقمار بازغة لا تنام عيونها، وقلوبها شاخصة يروي عطشها العاشقين القابضين على وردة القدس، وسيف النهار.

أقمار ستّة يُورقون مثل حنّون، مثل شجر الدفلى، مثل قافية في شعر أبي نواس، أو البحتري، أو المتنبي، أو درويش. يكتبون حروف اللغة، يُعيدون تشكيلها كالبلّور، كنسمة بهيّة، نقيّة، شفيفة مثل ماء الرّوح، أو مثل جسدٍ طاف حول البيت العتيق؛ يتزنّر من جديد بالحياة، أو يقطف منها بعض الرّوح، فيصلون إلى حارات حيفا، وعيونهم ترنو للحارات القديمة في القدس..

مَن مِثلُكم حين القدوم، لِتُنشد لكم الروح أزاهيرها وألحان الزّيزفون، فيقطر منها الخزامى، ويعانقها ياسمين الشام، والورد الأحمر المُجرَّح بالنّدى، فيصدح صوت القسّام  في يعبد: لا تغادروا المكان، ولا تعانقوا الحياة، إلا بالموت حين يأتي كأسراب النحل يبغي قهرنا.. ولن يستطيع.
يا أيّها الأحمر المُنساب من كل الجروح؛ لا تتوقّف ولا تلهُ بنا، إنّا حين يعصرنا الحنين إليك، لا نخاف، ولا نخشى، ولا نموت، لكنّنا نبقى لا نضِلُّ وَلا نشْقَى. هناك الخيار واحد: إمّا صعودٌ إلى الياسمين، أو أن نتجلّل بالغار قاهرين.

هناك حين يأتي البأس، يمتشق الرجال قبضة الرّيح، ويقبضون حين يخشى الجمع ويولّون الدّبر، يقبضون على المستحيل، يشعلون النار جيلًا بعد جيل، وينثرون الملح على الجرح، كي يبقى حيًّا هذا الجرح.. هذا المستحيل.. فهذا الجواد انطلق بالسيف، يعفر التراب في وجوه القتلة واحدًا واحدًا، ليعود مثل ألف مستحيل آخر.. وألف عنقاء تنتفض من تحت الرّكام، تُشعل النار من جديد.. وترفع ألف سيف.. وياسمين!

لا تقل إنك ملَلَت الحزن والعبير، ولا تكره يومًا الخزامى إن تملّكك غضبٌ مكين؛ فبين الشوق للمدى.. للندى.. للوطن، وبين الاشتياق، والالتياع حنينٌ للأرض.. للتراب.. للحنّون.. للميرميّة.. ولنسيمات الهواء في الجليل.. وحيفا.. وعكا.. ونبض النبض في القدس.. لا تغادرونا واصنعوا من المستحيل ممكنًا، ومن أحرف النار رحلة عودة.. وأفق حياة.

أيّها الخارج بالحرية من نفق الأرض إنّ ذاكرتنا لن تُثقب، بل ستبقى مُشتعلة مع كل نزف حرية والتياع.. ومع كل غضب روح.. وانفجار نهار.. وفجر جديد لا يتلعثم حين يرى القادمين براياتهم يخترقون الليل البهيم، ويسكنون قلب النهار.. يُكبّرون.. يُهلّلون.. ويمشون باطمئنان على دروب القدس العتيقة يطردون يهوذا الإسخريوطي، والملك الكامل، وكل ذليل.. فهنا لا مكان إلا لمن امتشق السيف، وغزا الليل، وقاتل حتى بزغ الفجر، واكتمل النهار.

أيّها الحبيب في أنفاق النهار المُتجلّي ثورة.. وعزّة.. وكرامة قل لمن لم يقاتل بسيف الناصر، ولم يكن مثل السلطان العزّ، والقسام عز الدين.. ولم يصنع صاروخًا، أو يدعُ لإطلاقه، أو ساهم بإعداده، إنك من الخاسرين.. الخاسرين.

آويت إلى ركن شديد.. آويت إلى الدروب العتيقة فيكِ مرات ومرات، منذ أن سلّم البطريرك صفرونيوس الخليفة عمر مفاتيح القدس، ومنذ اغتراف الوجد حنينه في ليالي الصعود والهبوط، وحين كان المجد يُكتب بصليل السيوف، وعلى رحال الغابرين (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). هناك حين تدخل من باب العامود، أو تلمح باب حطة، تتأمّل، تتفرّس، ويطفو كل التاريخ أمام ناظريك؛ مجدًا، وعزة، وكرامة.. وحينها ترى فرسان اليوم الذين يولدون من زبد البحر، يأتون كطير أبابيل على أفيال أبرهة، لا يبكون، بل يطوفون أرض الله الواسعة يصيحون بأعلى أصواتهم: أنَّ من صَعَدَ لم يمت، أنّ من صَعَدَ لا يزال يرقب فينا بعض النّبضِ والحياة!

فلسطين المحتلةالأسرى

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة