آراء وتحليلات

نتنياهو يذهب مهموماً بإيران.. ويعود خائفاً على مصيره

459 قراءة | 12:02

جهاد حيدر
ليست زيارة الرئيس بشار الاسد إلى طهران، مجرد زيارة تقليدية لرئيس دولة إلى دولة صديقة. بل حدث سياسي ينطوي على رسائل في عدة اتجاهات، ويشير إلى خيارات هي موضع بحث وتقدير لدى العديد من الاجهزة الاستخبارية في المنطقة والعالم، ويكشف بعضاً من معالم المرحلة المقبلة التي بات محور المقاومة قادراً على مواجهة تحدياتها من موقع أقوى بعد الانتصارات التي حققها. والمعني الأول بهذه الرسائل والخيارات هو العدو الإسرائيلي، الذي زار رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو، موسكو في زيارة تحتل الرقم 11 منذ التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015.

مع أن الرقم 11 يوحي للوهلة الاولى كما لو أن هذه الزيارات باتت تقليدية، لكن الزيارة الأخيرة بلحاظ سياقاتها الاقليمية ـ السورية، والدولية ـ الأميركية، تحوَّلت إلى محطة تتمايز عما سبقها وهو ما كشفه رئيس معهد ابحاث الامن القومي في تل ابيب، "اللواء عاموس يادلين"، بالقول إن نتنياهو "زار روسيا عدة مرات، لكن هذه الزيارة الاولى التي تبدأ في أجواء صعبة"، موضحاً مقصده ومتابعاً "سيحاول الروس اعادة تشكيل قواعد العمل الاستراتيجي، يريد نتنياهو ابعاد الإيرانيين، وسيخبره الروس أنهم لا يريدون، ولا يستطيعون".
هذا بالاضافة إلى كونها الزيارة الأولى إلى موسكو منذ سقوط الطائرة الروسية في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، وبعد مساعٍ حثيثة من قبله لانتزاع موافقة روسية على الزيارة.

مع الإشارة إلى أنه كان من المقرر أن تتم الاسبوع الماضي (21/2/2019) لكنها تأجلت إلى الاسبوع الذي يلي بناءً على طلب نتنياهو لمواجهة استحقاقات داخلية. واللافت ايضا أنه اختصر الزيارة بعدما كان مقررا أن تستمر ليومين، والسبب المعلن أن المستشار القضائي للحكومة سيعلن موقفه من تهم الفساد الموجهة الى نتنياهو وهو ما سيشكل محطة مفصلية في حركة الصراع الداخلي وقد يترك أثره على مستقبله السياسي. والمفارقة أن نتنياهو أجَّل زيارته الى موسكو رغم أهميتها، لاسباب داخلية، ولكنه سافر وهو يحمل الهم الإيراني في سوريا، وعاد خائفا على مصيره الانتخابي والشخصي.

ليس من المبالغة القول إن صورة الرئيس الاسد وهو يعانق الإمام آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، جسَّدت "قمة المنتصرين"، وحفرت عميقاً في وعي صناع القرار في تل أبيب وعلى رأسهم نتنياهو، كونها أفهمت الجميع بلغة صريحة الدلالة، أن سوريا لن تدير ظهرها إلى الذين وقفوا إلى جانبها في أخطر اللحظات التاريخية، وأن خياراتها المستقبلية كانت وستبقى انطلاقا من أن سوريا ركيزة أساسية في محور المقاومة الممتد من طهران إلى لبنان.

هذا المشهد بشقيه الروسي والإيراني ـ السوري، سوف يعزز التقديرات في تل ابيب التي تحذر من مفاعيل أحد أخطر السيناريوهات التي سلكتها التطورات السورية، ولم تكن تتوقعها.

في المقابل، تأتي مساعي نتنياهو الحثيثة مع موسكو، من أجل انتزاع تفهم روسي لتبني خيار الدفع باتجاه اخراج إيران، و/ أو الحد من تنامي وتطور القدرات العسكرية السورية. لكن زيارة الرئيس الاسد إلى طهران، التي سبقت وصوله إلى موسكو  كانت كافية في تبديد رهاناته بأن مواصلة الضغوط على النظام السوري، قد تبعده عن إيران. وتأتي مجموعة من التطورات الأخرى التي تُثقِل على تل أبيب، وهو ما أجمله الوزير "زئيف ألكين"، مرافق نتنياهو والمترجم إلى اللغة الروسية، بالقول "نحن متمسكون بموقفنا ومن الواضح أن هذا ليس سهلا. النظام (السوري) استقر والوضع أصبح معقداً جداً. نحن سنواصل الحوار مع الروس للمضي قدماً في مصالح إسرائيل، وهذا ليس سهلا من ناحية الروس لكن لم نغير مسلكنا. تعزيز سيادة واستقرار النظام يزيد الضغوط من النظام الروسي لتقليص حرية عملنا".

مشكلة “إسرائيل” أنها تبنت خيار الرهان على موسكو  ليس لأنها الخيار الأكثر جدوى بالقياس إلى خيارات بديلة، وإنما لأنها باتت البوابة الالزامية لأي ترتيب سياسي أو امني في الساحة السورية، نتيجة ضيق خياراتها وكلفتها الكبيرة. ومسؤولية ذلك تحمّلها للولايات المتحدة التي انكفأت عن الساحة السورية، وتتخوف تل أبيب من مزيد الانكفاءات على مستوى الشرق الأوسط (بحسب ما ألمح إلى ذلك رئيس الاستخبارات العسكرية، "امان" اللواء تامير هايمن) الأمر الذي سوف يُعمِّق من المأزق الإسرائيلي. ويضيِّق خياراتها أكثر.
 ولكن ذلك سوف يؤدي ايضا إلى حشرها في قضايا تمس مباشرة بأمنها القومي. وهو ما سيدفعها إلى اعادة دراسة بدائلها من موقع أضعف. أو المغامرة بخيارات تهدف إلى جس النبض وممارسة المزيد من الضغوط على أمل أن تحسن شروط التفاوض مع موسكو، أو الاندفاع نحو خيارات هي أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة.