alamana

آراء وتحليلات

تموز 2006: خاتمة الهزائم وفاتحة زمن الانتصارات

30/07/2021

تموز 2006: خاتمة الهزائم وفاتحة زمن الانتصارات

أحمد فؤاد

يمتلئ التاريخ العربي، والحديث منه خصوصًا، بالمعارك الناقصة والخطوات المبتسرة، رايات رفعت قبل أوانها، وأخرى ألقيت قبل ممارسة فعل القتال حتى.. وبجانب مؤامرات وخرائط مصنّعة وأنظمة ارتضت أن تلعب دور عامل النظافة وراء كل تحرك أميركي، تعزى إلى كل هذه العوامل مجتمعة أزمات الوطن العربي الممزق.

وأغلب المعارك العربية، خلال القرن الماضي على الأقل، تنتمي لنوعية الحروب الباهتة، والتي تركت - حتى في انتصاراتها - الظروف بعدها أسوأ مما قبلها، وتأتي حرب تشرين 73 على رأس الشواهد العديدة والمستمرة على أمة نسيت معنى الحرب، وإن كانت واقعة دائمًا في قوائم الضحايا.

لكن انتصار تموز 2006، وحده، يقف علامة فارقة بين زمنين، زمن الهزائم والتراجع، وزمن آخر لم نعاين في أيامه سوى انتصارات، وكسرًا تلو كسر لأطواق حديدية ظلت تلتف حول أعناقنا، حتى لكأنها صارت جزءًا منا.

كان تموز، ولا يزال، هو لحظة رفع يد الحق إلى السماء، يوم لله وعيد، شاهد حي على الإيمان، ونذير باقٍ على المصير المنتظر، والأكيد.
ربما تبقى صورة معركة وادي الحجير، لبقايا آليات وكرامة ما كان يدعى أنه أقوى جيش في الشرق الأوسط، هي واحدة من أكثر الصور المستدعاة للذاكرة في تموز، حين أبطأ الزمن فجأة، ليعاين نصرًا من الله غير مسبوق في تاريخ الصراع الوجودي العربي الصهيوني.
لكن في الحقيقية ما ينقص تموز هو صورة من الفضاء للمنطقة وللكوكب كله، في هذا الوقت من عام 2006.

في العام 2006، كانت المنطقة العربية تنتظر شرق أوسط جورج بوش وكونداليزا رايز الجديد، وكانت الدماء العربية في لبنان هي آلام المخاض المنتظر، وكانت اجتماعات ما يُقال إنها "قمم عربية" تتالى، وتدعو للاستسلام أمام جيش لا يمكن قهره، بمعاييرهم المختلة، وقلوبهم المهزومة الخانعة.

كانت شرارة الحرب الصهيونية مفتعلة، ما يثبت أن التجهيز والتنسيق للعدوان الشامل على لبنان كان ينتظر فقط الذريعة، وكانت الكلمات تخرج من العواصم العربية وكأنها نقل بالكربون عن بعضها البعض، عدا دمشق، التي ظلت وستظل البوصلة العربية الصادقة، لكن أيام تموز، التي ختمت بتحقق الوعد الصادق، والنصر الإلهي، كتبت فصلًا جديدًا بالمنطقة، عكس ما أراده مشعلو الحرب منذ البداية.

كانت غطرسة السلاح الصهيوني قد وصلت إلى ذروتها، فبدت القوة في لحظة ما قادرة على أي شيء تريد، وكان وهم الاستسلام العربي قد وصل أيضًا إلى نهاية الطريق المسدود، وفقد العصر العربي القديم كل استطاعة للتقدم يومًا واحدًا أكثر، وكان الجميع ممن وضع رهانه على الأميركي في حال إفلاس كامل، وعجز فاضح.

الخطة الصهيونية للحرب لم تختلف عن كل خططها وحروبها السابقة، معركة تكسير عظام خاطفة، بأثمان بسيطة، تؤدي لنتائج هائلة، مثل الضربة المروعة التي واجهتها الجيوش العربية الثلاثة الكبرى في 1967، ففقدت قدرتها على القتال خلال ساعات، وضربت الشرق الأوسط بأعظم إعصار عرفه حتى ذلك الوقت.

وزاد في الجعبة الصهيونية المباركة العربية، والتي لم تكن وقتذاك تتغطى بالحياء أو المداهنة؛ قادة مصر والسعودية والأردن حملوا حزب الله مسؤولية الحرب فور انطلاق أول قذيفة صهيونية، وكان الجميع في الصورة الأولى من حرب تموز يتصرف وفقًا لخبرات ماضية، ومعرفة كاملة بحجم الدعم الأميركي لـ"تل أبيب"، ومدى التصميم الصهيوني على إنهاء الخطر القائم، والوحيد.

الغريب في التخطيط الصهيوني، أن الصهيوني وهو ينطلق من حقائق بالفعل، أنه كان يعلم أن حزب الله هو التهديد الأخطر على مشروعهم ذاته، ولم يكن يرى في لبنان مجرد جبهة ساخنة، لا تغطيها معاهدة سلام فقط، وإنما كان يؤمن بقدرتها على هز أساسات استمرار المشروع الصهيوني.

صمود حزب الله، ومن ورائه لبنان كله، اندفع فوق التخطيط والمؤامرة والحسابات، كسر الإرادة الأميركية، وفجر الوهم الصهيوني، واستمرت الحرب نزيفًا لا يطاق للصهاينة، للمرة الأولى منذ احتلالهم أرض فلسطين، كان الكيان في ورطة من لا يستطيع اتخاذ قرار، لتنقلب الأمور منذ هذا التاريخ، وإلى اليوم.

خلال كل هذه السنوات كانت ثمار تموز تسّاقط على الرؤوس، وفي معارك سيف القدس الأخيرة. كانت ورطة الكيان تتكرر، وقف جيش العصابات الصهيونية مترنحًا، وعاجزًا تمامًا عن فعل أي شيء سوى القتل الممنهج في غزة، والرد على قصف المقاومة العنيف، والبطولي، بتركيز قصفه على مدنيين أبرياء، لكنه لم يستطع وقف سيل الصواريخ في أي لحظة، أو ضمان أمن عاصمته على الإطلاق.

تدحرج الكيان الصهيوني هبوطًا، منذ انتصار العام 2000 المجيد، من الهروب، ثم الارتضاء تمامًا بالكمون داخل حدود أغلب فلسطين التاريخية عقب النصر المؤزر في تموز 2006، إلى فقدان التوازن تمامًا في 2021 أمام الصواريخ التي تستهدف قلبه الصغير جدًا، والممتد على مساحة جغرافية محدودة ومكشوفة، ويدرك قادته المرتعشوين أن دخول حرب كبيرة أخرى في المنطقة قد تعني النهاية فعليًا.

المقاومة الإسلاميةلبنانحرب تموز 2006الكيان الصهيوني

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة
الرئيس بري: المقاومة لم تكن يومًا بدون الجيش والشعب والدولة
الرئيس بري: المقاومة لم تكن يومًا بدون الجيش والشعب والدولة
الوعد الصادق ومآلاته الاستراتيجية
الوعد الصادق ومآلاته الاستراتيجية
عن طائر أيلول المهاجر..
عن طائر أيلول المهاجر..
عملية أنصارية إنجاز عملياتي نوعي وانتصار مدوٍّ في حرب الأدمغة
عملية أنصارية إنجاز عملياتي نوعي وانتصار مدوٍّ في حرب الأدمغة
التحرير الثاني: الدور العسكري للامين العام.. "أصل الحكاية" / الجزء الثالث
التحرير الثاني: الدور العسكري للامين العام.. "أصل الحكاية" / الجزء الثالث
قوافل المازوت: هزة تحرّك صفائح خاملة
قوافل المازوت: هزة تحرّك صفائح خاملة
بطرس: أسعار منتجات الدجاج واكبت إنخفاض الدولار
بطرس: أسعار منتجات الدجاج واكبت إنخفاض الدولار
اتحاد بلديات الضاحية يضع آلية تسليم المازوت الإيراني لأصحاب محطات الاشتراك
اتحاد بلديات الضاحية يضع آلية تسليم المازوت الإيراني لأصحاب محطات الاشتراك
بالفيديو: الشيخ حمود يشيد بمناقبية السيد نصرالله.. المازوت وصل لكل المناطق دون تمييز
بالفيديو: الشيخ حمود يشيد بمناقبية السيد نصرالله.. المازوت وصل لكل المناطق دون تمييز
صندوق النقد الدولي.. حل أم مشكلة؟
صندوق النقد الدولي.. حل أم مشكلة؟
"ضد الدروع": رماة "الميركافا" يترصّدونها في الحرب المقبلة
"ضد الدروع": رماة "الميركافا" يترصّدونها في الحرب المقبلة
ممثل قائد الثورة في فيلق القدس لـ"العهد": هزيمة الصهاينة في "سيف القدس" من ثمار نصر تموز 2006
ممثل قائد الثورة في فيلق القدس لـ"العهد": هزيمة الصهاينة في "سيف القدس" من ثمار نصر تموز 2006
"صائد اليسعور" عبر "العهد": هكذا أسقطنا "آلتهم المقدسة"
"صائد اليسعور" عبر "العهد": هكذا أسقطنا "آلتهم المقدسة"
ذكرى الانتصارين: نهج وحياة بمواجهة الأعداء
ذكرى الانتصارين: نهج وحياة بمواجهة الأعداء
خلاصات إسرائيلية من حرب 2006: أزمات ثقة.. نمطٌ دفاعي وردع متبادل
خلاصات إسرائيلية من حرب 2006: أزمات ثقة.. نمطٌ دفاعي وردع متبادل
ابن زايد يعرض على العدو تمركزًا عسكريًا دائمًا في الإمارات
ابن زايد يعرض على العدو تمركزًا عسكريًا دائمًا في الإمارات
الاحتلال يستمهل أسرى سجن عوفر!
الاحتلال يستمهل أسرى سجن عوفر!
العدو يستأنف علاقاته مع السويد
العدو يستأنف علاقاته مع السويد
ضربة الكترونية لخوادم شركة اتصالات اسرائيلية
ضربة الكترونية لخوادم شركة اتصالات اسرائيلية