خاص العهد

الإصلاح توأم أجندة حزب الله منذ التسعينيات الى اليوم.. وهذه أبرز مساهماته

19/07/2021

الإصلاح توأم أجندة حزب الله منذ التسعينيات الى اليوم.. وهذه أبرز مساهماته

فاطمة سلامة

لم يكن دخول حزب الله ميدان العمل السياسي من أجل مكاسب شخصية على غرار العديد من الأحزاب الأخرى. أولى أولويات حزب الله كانت في حماية ظهر المقاومة للدفاع عن كل لبنان من جهة، والمساهمة بالإصلاح عبر تقديم رؤى إصلاحية ومكافحة الفساد من جهة أخرى. إطلالة موجزة على تصريحات قياديي ونواب ووزراء حزب الله منذ التسعينيات حتى اليوم تبين العقلية التي قارب فيها حزب الله مختلف الملفات على الساحة اللبنانية. تلك العقلية تنطلق من ثوابت أساسية تضع مصلحة الناس على كل ما عداها من مصالح ضيّقة. كثيرًا ما كنا نسمع عقب انتهاء جلسات البرلمان أو الحكومة تحفُّظ أو معارضة حزب الله على بعض القرارات. حينها لم يُعط حزب الله توقيعًا على مشاريع قوانين واقتراحات وقرارات تُخالف مبادئه ونهجه. لم يُخالف حزب الله الرأي الآخر لأجل الخلاف على قاعدة "خالف تُعرف" كما يفعل البعض، إنما كانت معارضته وتحفظاته تندرج في سياق منطقه الإصلاحي ورؤيته التنموية. والحق يُقال اذا أردنا أن نسرد المواقف والمحطات التي دافع فيها حزب الله عن مصالح اللبنانيين لإسقاط أي قرار يزيد الأعباء على الناس لاحتجنا ربما الى ساعات من السرد. الضريبة على القيمة المضافة نموذجًا. وقف حزب الله وبشدّة ضد هذا النوع من الضرائب ليس من منطلق معارضة الضرائب إنما من منطلق ضرورة السير وفق نظام ضرائبي عادل وفعّال وكفوء، وقس على ذلك الكثير من المحطات.

فضل الله: حزب الله ضد الهدر بالنفقات العامة

رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبد الحليم فضل الله يوجز في حديث لموقع "العهد" الإخباري مساهمات حزب الله في الميدان الإصلاحي في لبنان، فيلفت الى أن تاريخ حزب الله منذ التسعينيات حتى بداية الأزمة الحالية وما بعدها قائم على مقاربة معارِضة للمقاربة الاقتصادية السائدة. في التسعينيات وقف في وجه تمدد الشركة العقارية التي أراد لها البعض أن تصبح المنهج الأساسي في البلد، وكان لديه وجهة نظر كي لا يتكرر الأمر نفسه في الساحل الجنوبي لبيروت كي لا يكون لدينا شركة عقارية بل مؤسسة عامة.

الإصلاح توأم أجندة حزب الله منذ التسعينيات الى اليوم.. وهذه أبرز مساهماته

حزب الله كان طوال الوقت ضد الهدر بالنفقات العامة وعجز الموازنة -يقول فضل الله- الذي يشدّد على أنّ من يراجع مواقف حزب الله في التسعينيات في مجلس النواب وبعدها عندما دخل السلطة التنفيذية كان يلتمس أن البند الاساسي لتعاطي حزب الله مع موضوع الحكومة والموازنة والخزينة العامة يكمن في اعتراضه على زيادة العجز ورفضه للهدر؛ فزيادة العجز التي عانى منها لبنان لم تكن لأسباب تتعلّق بحاجات نلبيها بل لأن هناك إنفاقًا أكثر من اللازم لأسباب لها علاقة بالهدر والفساد وسوء الإدارة وغير ذلك.

عارضنا سياسة الفوائد العالية التي ندفع ثمنها اليوم

ويشدد فضل الله على أنّ حزب الله كان معارضًا طوال الوقت لزيادة الفوائد بصورة كبيرة أكثر مما تبرره المعطيات المالية والنقدية والاقتصادية والتي ساهمت في مراكمة الدين العام والخسائر الموجودة اليوم في القطاع المصرفي والتي شكّلت سببًا أساسيًا من أسباب الأزمة. وفق فضل الله فإنّ زيادة الفوائد كانت تساهم في دخول أموال أكثر من الحاجة الى البلد لاستعمالها في استيراد أكثر من اللازم ما مهّد الطريق أمام خسائر بالدولار يعاني منها القطاع المصرفي حاليًا.

يُذكّر المتحدّث كيف كان حزب الله من الرافضين لاستدانة الحكومة بالدولار والتي حصلت عامي 1997-1998 والتي جرى اقرارها والانتقال من سندات الخزينة الى "اليوروبوند". تلك الاستدانة ندفع ثمنها اليوم من خلال اضطرار الدولة الى التوقف عن الدفع.

المشكلة لم تكن في زيادة الضرائب بل في عدم وجود نظام ضريبي عادل

وفي الوقت الذي يتحكّم فيه الاقتصاد الريعي بقطاعات لبنان، يوضح فضل الله أنّ حزب الله كان طوال الوقت مع السياسة الاقتصادية القائمة على الانتاج من زراعة، صناعة، تعليم، صحة وخدمات ذات قيمة مضافة لإعادة هيكلة قطاعات الانتاج. كان حزب الله طوال الوقت يدعو لتكون القروض الإنتاجية جزءًا من الموجودات المصرفية وموارد المصارف بعيدًا عن القروض الاستهلاكية. وفي هذا السياق، يوضح فضل الله أنّ مراجعة حزمة تصريحات قيادة حزب الله ومسؤوليه ونوابه ووزارئه والبرامج الانتخابية وحتى الرؤى الاقتصادية -التي لم تسمح الفرصة بعد للإعلان عنها متكاملة بسبب الظروف الصعبة التي يعاني منها لبنان كل فترة- تقوم على هذه الركيزة الأساسية وهي كيف نبني اقتصادًا منتجًا.

ويلفت فضل الله الى أنّ المشكلة لدى حزب الله لم تكن في زيادة الضرائب التي عارضها حزب الله ويؤكّد أنه يعارضها على أعلى المستويات بل في نوعية الضرائب، فحزب الله يدعو الى نظام ضريبي تصاعدي وعادل يدعم قطاعات الانتاج، بمعنى أن يكون لدينا نظام ضريبي عادل فعال وكفوء. عادل بمعنى أنه يعيد توزيع المداخيل بطريقة صحيحة، وفعال بمعنى أنه يدعم القطاعات الانتاجية ويعطيها الفرصة، وكفوء بمعنى أن يكون فيه جباية كافية لتمويل نفقات الدولة. وفق فضل الله هذه الركائز الثلاث للأسف لم تكن موجودة. لم يكن النظام الضريبي عادلا لأنّ الضريبة على القيمة المضافة كان يرفضها حزب الله -ليس لأنه ضد الاصلاح كما يقال- لكن لأن هذه الضريبة غير مباشرة وبطبيعتها تنازلية وغير عادلة. وعليه، عارض حزب الله كل أنواع الضرائب التنازلية وغير العادلة، لذلك فالضريبة على القيمة المضافة هي واحدة من الضرائب غير العادلة التي يرفضها حزب الله فهي غير فعالة لأنها لا تصب في مصلحة قطاع الانتاج ولا تميز بين السلعة المحلية والسلعة المستوردة وغير كفوءة لأن نظام الضريبة غير كفوء فالجباية أقل من اللازم. وفق فضل الله، كان المطلوب ليس زيادة الضريبة بل إصلاح ضريبي للوصول الى كل الأماكن الضريبية التي لم يكن يتم الوصول لها.

كنا نرفض ونقدّم البدائل

أبعد مما تقدّم، يشدّد فضل الله على أنّ حزب الله عندما كان يرفض طوال الوقت كان يرفض ويقدم البدائل، وهذا ما حصل في التسعينيات، وعام 2005 عندما دخل الى السلطة التنفيذية. حزب الله عندما كان يرفض ويقول "لا" -حتى بالحوارات والنقاشات التي تتم مع الأطراف المعنية والقوى السياسية الاخرى، والسلطات- كان يرفض ويقدّم البديل. ومنذ عام 2010 كان حزب الله دائما في كل الحوارات التي حصلت مع الجهات الرسمية يقدم وجهة نظره، وعندما يتحفظ أو يرفض توجها أو سياسة معينة كان يقدّم في اليد الأخرى البدائل التي تؤدي الى نفس النتيجة ولكن بصورة فعالة أكثر.

ويوضح فضل الله أنّ حزب الله كان على الدوام يرى الأمور من ثلاثة جوانب: المالية، الاجتماعية والاقتصادية. برأي فضل الله فإن النظرة التجريدية التي قارب فيها البعض الملفات أدت الى المشكلة الحالية اذ تارةً كان ينظر الى ملف عجز الخزينة بمفرده والدين العام بمفرده، وتارةً أخرى كان ينظر الى مشكلة النمو وحدها والى مشكلة الفقر وعدم المساواة كل على حدة. كل هذه الأمور متفاعلة ومفتوحة على بعضها البعض -برأي فضل الله- ولا يمكن النظر الى واحدة بمعزل عن الأخرى. لذلك، فإنّ الأزمة التي مرّ فيها البلد بينت أن رواسبها تمر في مجرى واحد، فالدين العام والفوائد المرتفعة وسوء ادارة القطاع المصرفي كلها أسباب للأزمة الحالية يضاف اليها عدم تكوين وانشاء اقتصاد منتج. كل هذه الأسباب أوجدت عجوزات متراكمة بحساباتها الخارجية وأدت الى خسائر باهظة بالقطاع المصرفي باتت مصدر المعاناة وتنعكس على سوق النقد اليوم يضيف فضل الله.

وفي الختام، يشير فضل الله الى أنّ حزب الله كان يناقش مع آخرين ويقول وجهة نظره ويُقنع ويقتنع ولكن مقاربته الأساسية قائمة على توازن مالي، تحفيز الانتاج على المستوى الاقتصادي، معالجة مشاكل الفئات الضعيفة والهشة ليكون لدينا قدر مقبول من المساواة في توزيع الثروات والمداخيل وغيرها.

لبنانحزب الله

إقرأ المزيد في: خاص العهد