آراء وتحليلات

عوكر..تاريخ من التدخل في شؤون لبنان

564 قراءة | 15:33

علي إبراهيم مطر

تاريخ من الوقاحة والتدخل في شؤون الدولة اللبنانية، يحتفظ به السفراء الأميركيون في لبنان. منذ بداية العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبيروت حتى اليوم، قامت العلاقات الدبلوماسية على التدخل الأميركي في الشوؤون اللبنانية. فمذ قيام السفارة لأميركية رسمياً في لبنان عام 1952 والتي عين على رأسها الوزير هارولد ماينور أول سفير للولايات المتحدة وصولاً إلى السفيرة إليزابيث ريتشارد لا يزال لبنان مرتعاً لتدخل هذه السفارة.

لقد سعت واشنطن دائماً لجعل لبنان بلدا تابعا لها، ينفذ سياساتها ويذهب نحو فتح علاقات مع "اسرائيل"، ومن ثم يرفض المنطق الذي يتحدث عن خيار المقاومة ورفض الاحتلال.

من ينسى الفترة السوداء للدبلوماسية الأميركية، في عهد جيفري فيلتمان الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان خلال الفترة ما بين 2004 و2008، ومن ينسى الفضائح التي لاحقت هذا السفير، الذي دفع أكثر من 500 مليون دولار لاستهداف المقاومة وتشويه صورتها الناصعة. وبعد، من ينسى ميشيل سيسون التي عينت بعد فيلتمان واستمرت على نهجه حتى عام 2010، وبعدها مورا كونيلي التي عينت منذ 2010 - 2012 والتي لم تختلف عمن سبقها. من ينسى تدخلات دايفيد هيل الذي عين منذ 2013 - حتى 2015، والذي أصبح وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية، وساق الاتهامات جزافاً للمقاومة باتهامها بالإرهاب والذي أتى في أخر زيارة له إلى لبنان كي يزرع الفتنة بين اللبنانيين، وهاجم حزب الله الذي يعتبر أحد المكونات الأساسية في لبنان، فيما نسي الخروقات الإسرائيلية والاعتداءات المتكررة على لبنان لولا أن ذكره بها رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما تهافت عليه الكثير من المسؤولين الذين باعوا خيارهم لأميركا.

لا تختلف السفيرة الأميركية إليزابيث ريتشارد، عمّن سبقها، فالسياسة واحدة العمل على ضرب الاستقرار، واستهداف كل من يرفض الإملاءات الأميركية، والعمل على حصار حزب الله بشتى الوسائل ومن ضمنها تحريض اللبنانيين عليه، فمن خارج سياق الأجواء التي خيمت على تشكيل الحكومة ونيلها الثقة، خرجت إليزابيث ريتشارد، بعد لقائها رئيس الحكومة سعد الحريري في السراي الحكومي، لتحرض اللبنانيين على حزب الله، بشكل يعبر عن التدخل الأميركي السافر في شؤون لبنان الداخلية.

أطلقت ريتشارد تصريحاتها،  دون أن تعير اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية وميثاق الأمم المتحدة أية أهمية، لتعبر عن " قلق الولايات المتحدة من الدور المتزايد " لحزب الله في مجلس الوزراء، ما يؤكد مجدداً استباحة السفارة الأميركية للسيادة الوطنية. هذه السيادة التي لم تطلع السفيرة كيف يقررها القانون الدولي، والتي ثبتت في الكثير من المعاهدات الدولية، والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنها 2734 ـ 16 كانون الأول 1970 (الإعلان الخاص بتعزيز الأمن الدولي)، والقرار (155/32/A/RES 19 كانون الأول 1977، (إعلان تعميم، وتدعيم الانفراج الدولي)، وغيرها ايضاً. وكذلك أكدت اتفاقية مونتيفيديو عام 1933 في مادتها الثامنة على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول.

لم تقم ريتشارد أي احترام للدستور اللبناني الذي أكد في مقدمته أن لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات، وشدد على ضرورة المحافظة على السيادة اللبنانية التي لا تتجزأ.

لكن للأسف فإن هذه السفيرة تنتهك القانون الدولي والدستور اللبناني معاً، ولا تحترم اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961 التي من المفترض أن تعمل وفقها، والتي تعدد في المادة الثالثة منها أعمال البعثة الدبلوماسية ولا يوجد فيها ما يبرر التدخل في السيادة الوطنية، وعلى العكس من ذلك فإن الاتفاقية تنص في المادة 41 منها في البند الأول على واجب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. لقد تدخلت السفيرة صراحةً بالشؤون الداخلية للدولة اللبنانية، حيث أن المقاومة هي شأن داخلي لبنان، وهذا الأمر متفق عليه من قبل جميع الأطراف اللبنانية.

ثم أن هذه المقاومة لا تستمد شرعيتها من واشنطن، بل إن ما يثبت شرعيتها هو القانون الدولي، الذي تستخدمه واشنطن كشماعة للضغط على من يخالف سياساتها. لقد كفل ميثاق الأمم المتحدة حق المقاومة، ضد أي عمل عدواني. وقد أكدت البنود الواردة في المادة الأولى من الميثاق على حق الشعوب في المقاومة ومواجهة أي عمل عدواني ضد الاقليم. كما أن الميثاق يضمن لكل دولة تعرضت لاحتلال أو لاختراق سيادتها الوطنية واستقلالها السياسي أن تفعل ما بوسعها لأجل استعادة تلك السيادة. وقد نوه بحق المقاومة كذلك العديد من القرارات والاتفاقيات الدولية، حيث جاء في المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أن “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها”. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3101 الصادر في 12/12/1972 في الدورة الثامنة والعشرين، للتأكيد على حق الشعوب الخاضعة له بالتحرر منه بكافة الوسائل. كذلك يعتبر مبدأ تقرير المصير جزءًا من الالتزامات التي يفرضها ميثاق الأمم المتحدة، وحزب الله عندما يمارس هذا الحق؛ فإنه يمارسه وفق ما شرعه له القانون الدولي، طالما أن هناك قوة مدججة بالسلاح تحتل لبنان وتسعى دائماً لاستهداف أمنه واستقراره.

هذه التدخلات الأميركية في شؤون لبنان الداخلية، تخالف الفقرة السابعة من المادة الثانية لميثاق الأمم المتحدة، التي تؤكد أن ليس في الميثاق ما يسوغ "للأمم المتحدة" أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما. وللأسف فإن ما يجعل هذه السفيرة تتدخل في شؤوننا الداخلية، هو خضوع الحكومة اللبنانية للوصاية الأميركية المعبر عنها في الكثير من المحطات.