آراء وتحليلات

الكارتيلات وحقيقة التهريب والتخزين

19/07/2021

الكارتيلات وحقيقة التهريب والتخزين

د. محمود جباعي

يعاني المواطن اللبناني اليوم من كوارث اجتماعية ومعيشية ضخمة تبدأ بانهيار القدرة الشرائية لليرة اللبنانية بسبب الانهيار المالي والاقتصادي الحاصل وغياب الآفاق السياسية الايجابية التي قد تسهم في وقف النزيف الحاصل. لكن المشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل أصبح المواطن يعاني يوميًا من فقدان السلع الأساسية التي يحتاجها في حياته اليومية من محروقات وأدوية وبعض السلع الغذائية الضرورية التي باتت تباع بشكل علني في السوق السوداء وبأسعار خيالية. كل هذا يترافق مع عملية رفع الدعم المطلق التي أخذت مسارها منذ عدة أشهر. ومن هنا يوجد العديد من الأسئلة أبرزها أين تذهب هذه السلع؟ ولماذا هي مختفية وغير متوفرة للجميع؟ ومن يتحكم بالسوق السوداء؟

كل هذه الأسئلة يمكن الإجابة عنها باختصار بكلمة واحدة وهي الكارتيلات!!

إن النظام الاقتصادي اللبناني يعتمد على استيراد أكثر من 80 بالمئة من استهلاكه الغذائي والصناعي والصحي من الخارج وكذلك يستورد كل المشتقات النفطية من بنزين ومازوت وغاز. والمتحكم الوحيد بكل هذا الاستيراد هو مجموعة كارتيلات مدعومة من جهات سياسية بصورة وكالات حصرية تمنع أي فرصة للمنافسة الاقتصادية التي يمكن أن تحمي المستهلك من خلال توفير السلع بأسعار تنافسية تحد من الاحتكار السلعي سواء بالكمية أو بالأسعار. ومن هنا نستنتج أن المسؤول الأول عن إذلال المواطنين على محطات البنزين أو في الصيدليات والمحال التجارية هو الكارتيل المدعوم سياسياً الذي يخزن البضائع في مستودعاته دون حسيب أو رقيب ويرفض الإفراج عن السلع حتى يرفع الدعم بشكل كلي لتحقيق المزيد من الأرباح، علمًا أن معظم الكمية المخزنة قد حصل عليها على أسعار مدعومة على سعر 1500 ليرة وبالتالي ستصبح أرباحه مضاعفة بشكل كبير عما كانت عليه.

وكل ما وصلنا اليه ليس صدفة، فهذه الكارتيلات كانت ترفض أي عملية اصلاحية داخلية لكي تبقى مسيطرة بشكل كامل على استيراد الموارد الاقتصادية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية. على سبيل المثال كارتيل النفط ومن يدعمه من قوى سياسية عطل ورفض كل العروض السابقة والحالية لصيانة المصافي الموجودة في المعامل أو انشاء مصافٍ جديدة كانت ستضخ بين 6 الى 8 مليارات دولار سنويًا بين تكرير داخلي وخارجي وكانت ستساهم في توفير كميات كبيرة من المحروقات تغطي جزءًا كبيرًا من حاجات السوق المحلي، كل هذا من أجل الحفاظ على أرباحهم السنوية التي تقدر بمليارات الدولارت من استيراد هذه المواد بشكل حصري وبكلفة عالية لا تفيد خزينة الدولة ويدفع ثمنها المواطن اللبناني وتزيد من أعبائه الشهرية وتضعف قدرته الشرائية. وهذا ينسحب على كافة القطاعات الأخرى. و"الأنكى" في الأمر أن هذا يحصل تحت أنظار الدولة اللبنانية الموكلة حسب الدستور بالدفاع عن المواطن وأمنه الغذائي والصحي. بل أكثر من ذلك، تقوم هذه الدولة بسابقة خطيرة وهي أنها تدعم، من أموال المودعين، سلعًا ومواد لا تقوم هي باستيرادها أو توزيعها على المواطنين، وانما تدفع هذه الأموال لشركات خاصة تقوم هي بالاستيراد والتخزين والتوزيع وبالتالي تكون هذه الشركات هي المسؤولة الأولى عن الاحتكار والتهريب بشكل قانوني وبتغطية الدولة اللبنانية.

فكارتيلات المحروقات والأدوية والأغذية تحتكر السلع والبضائع وتهربها محققة أرباحًا خيالية تفوق الـ 500 % على ثرواتهم بالليرة اللبنانية والتي استطاعوا تحويلها الى دولارات من خلال دعم مصرف لبنان ومن ثم حولوها الى الخارج مستفدين من الدعم السياسي وغياب الرقابة. وقد شهدنا عينات واضحة لسلع لبنانية مدعومة موجودة في أسواق تركيا والكويت وغيرهما. وبعد كل هذه الأعوام من الاحتكار المحمي من السلطة السياسية والسياسة المالية والتي كانت تمول هذه الكارتيلات عبر آلية استدانة غير مدروسة، لم تحرك هذه السلطة ساكنًا لكسر الاحتكار في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد بل تستمر بحماية أرباح المحتكرين على حساب الشعب الذي يتحمل وحده كامل الخسارة المسؤولة عنها السلطة والكارتيلات على مر أكثر من 30 عامًا. وإلى يومنا هذا، تحقق الشركات المستوردة للمحروقات أكثر من 65% من قيمة استيراد الصفيحة. السلع متوفر جزء منها في المخازن والجزء الآخر تم تهريبه عبر الكارتيلات نفسها لتحويل اموالهم الى دولارات وضعت بالتأكيد في مصارف خارجية.

وبالحديث عن التهريب لا بد من الإشارة الى التهريب الحدودي البري الذي يتم بين مجموعة من المهربين اللبنانيين والسوريين للاستفادة من فرق الأسعار بين السلع اللبنانية المدعومة ومثيلاتها في الأسواق السورية المرتفعة جدًا، علمًا أن هذا التهريب عمره عشرات السنوات وهو يعود الى أسباب جيو-اقتصادية وجيو-سياسية تربط البلدين. ولكن يجب التركيز هنا على نقطة مهمة أن التهريب في معظم المدة السابقة كان يتم بصورة معاكسة أي من سوريا الى لبنان وكانت الأسواق اللبنانية تغرق في البضائع السورية الرخيصة من بنزين ومازوت وأدوية وخضار ولحوم  ومواد غذائية. وبالتأكيد إن أي عملية تهريب في كلتا الحالتين هي مدانة وتضر بالاقتصاد في البلدين لأنها تحرمهما من الرسوم الجمركية وتخسر بذلك خزينة كل دولة ولكن بالتأكيد ايضًا بعد معرفتنا بطبيعة الكارتيلات اللبنانية لا يمكن أن تكون عملية التهريب المدانة هذه هي السبب الرئيسي لفقدان السلع وخاصة المحروقات التي تتحكم باستيرادها شركات خاصة لبنانية تحتكرها وتخزنها أو تهربها أو تبيعها في السوق السوداء اللبنانية بأسعار خيالية. وأي عملية تهريب كميات كبيرة تكون هي المسؤولة عنها بظل غياب رقابة الدولة وتقاعسها عن حماية أمن المواطن السلعي والغذائي.

من هنا، يجب علينا جميعًا في هذه الظروف الصعبة سواء كنا باحثين أو خبراء أو اعلاميين وبالأخص القوى السياسية، أن نحكّم الضمير ونقف في وجه هذه الكارتيلات من خلال مناشدة مجلس النواب فورًا بالغاء الوكالات الحصرية المتعلقة بالسلع الضرورية واقرار قانون المنافسة الاقتصادية لافساح المجال أمام أكبر عدد من الشركات للاستيراد من الخارج بأسعار تنافسية تخفف من حدة الغلاء من جهة وتوفر الكميات المطلوبة بعيدًا عن الاحتكار من جهة أخرى. ومطالبة السلطة التنفيذية بالاستماع الى العروض التي تأتي من الخارج والتي تسعى الى اعادة تفعيل الإنتاج المحلي من مصافٍ ومعامل كهرباء وبنى تحتية أو تسعى الى تأمين بديل عن السلع المستوردة بأسعار منافسة وكميات وافرة تكفي حاجات السوق المحلي.

لبنانالاقتصاد

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة