آراء وتحليلات

أربع شخصيات طردت من جنة "الحريرية السياسية " تنتظر قطارًا آخرا لتستقله

17/07/2021

أربع شخصيات طردت من جنة "الحريرية السياسية " تنتظر قطارًا آخرا لتستقله

ابراهيم صالح 

على هامش التطورات السياسية الدراماتيكية المتصلة بأزمة الفراغ الحكومي ولاسيّما بعد أن صحّت غالبية التوقعات والتكهنات وخروج الرئيس سعد الحريري أخيرًا من مربع التكليف، حيث يناور ويصادم منذ تسعة أشهر، تطل أربعة شخصيات سياسية برأسها وتبذل جهودًا مضاعفة لاثبات حضورها وهي بطبيعة الحال تجد في مشهد التأزيم والاستعصاء الحاصل مكانًا يعيد لها دورًا مفقودًا ويؤمّن إعادة وضعها من جديد في صدارة الخريطة السياسية.

لذا لم يكن غريبًا أن تبدأ هذه الشخصيات رحلة المشاغبة واطلاق المواقف المتطرفة وتوجيه سهام الانتقاد الحادة والمسمومة في اتجاه حزب الله ومن ورائه باتجاه الجمهورية الاسلامية في ايران، وذلك من خلال العودة إلى تشغيل اسطوانتها المشروخة الممجوجة واطلاق نفير الترهيب من ما تسميه "مشروع الحزب الساعي على حدّ زعمهم إلى السيطرة على الدولة في لبنان أو على الأقل وفق التعبير الذي يستخدمه أحدهم دومًا "خطف الدولة".

والأربعة هم: النائب السابق مصطفى علوش والوزير السابق أشرف ريفي والرئيس فؤاد السنيورة والوزير السابق نهاد المشنوق.

ورغم أنّ هؤلاء الأربعة ليسوا مستجدين على المسرح السياسي اللبناني فهم كان لهم خلال العقود الثلاثة الماضية وإن بدرجات متفاوتة تجربتهم السياسية واللافتة تحت جناح الحريرية السياسية وعباءتها.

ورغم أنّ هؤلاء الأربعة قد "تفرّقوا أيدي سبأ" بعد خروجهم وبالتالي بات كل منهم يغرّد تمامًا خارج سرب الآخر، فإنّ ثمّة قواسم مشتركة لها علاقة بتاريخ هؤلاء وحاضرهم والمستقبل السياسي الذي ما زالوا يراهنون على أنّ ساعته آتية لاريب فيها.

ومن أبرز تلك القواسم الجامعة: 

أنّ ثلاثة من هؤلاء (السنيورة، المشنوق وريفي) كان خروجهم نهائيًا وبلا عودة. فالشواهد والأدلّة تثبت أنهم أخرجوا قسرًا وليس بمحض إرادتهم، وذلك بفعل تقلّبات وتطورات عصفت بمشروع "الحريري السياسي" لاسيّما بعد اغتيال مؤسسه رفيق الحريري في عام 2005 ولاسيما أيضًا بعدما مُني هذا المشروع بنكسات وتصدّعات عدّة في محطات متعاقبة أجبرت وريث زعامة هذا التيار على التخفّف من أثقال كان بعضها جزءا من تركة والده أيّام كان هذا المشروع في طور الصعود والإرتقاء.

أما رابعهم (أي علوش) فإنّه وإن كان أعيد الاعتبار له في الآونة الأخيرة تحت مسمى نائب رئيس التيار (منصب شرفي وشكلي لأن القابض على القرار هو الأمين العام للتيار)، فإنّ علاقة علوش بهذا التيار قد مرّت بمراحل عدّة وصلت في بعضها إلى حدّ اشهار القطيعة والخروج تنظيميًا ومن ثم اهماله وكأنّه لم يكن.

لكن الطبيب ذو المزاج العصبي وصاحب التاريخ اليساري المتطرف واستطرادًا صاحب الكره الدائم للسوريين والذي  يحمّلهم مسؤولية إطلاق النار على شقيقه في عقد الثمانينات مما أدّى إلى اصابته بشلل دائم، ظلّ في نظر قيادة التيار بمثابة الاحتياطي الاستراتيجي الجاهز لأداء دور الشتّام للخصوم والزعم بأنه خبير في الاعتقادات والأديان والمذاهب. لذا يكون استدعاؤه غبّ الطلب والحاجة، ولم يكن في هذا السياق غريبًا أن يُستدعى الرجل في الأشهر القليلة الماضية ليشغل اسميًّا منصبه الحالي المعلن (نائب رئيس التيار)، لأنّ التيار الأزرق في طرابلس والشمال بما يمثل بالنسبة للتيار قد بدأ يفلت من بين يديه الى فضاءات أكثر جذبًا واغراء، فأتت بمن هو قادر على تقمّص دور يسار أشرف ريفي في اطلاق المواقف الاستفزازية والمواقف المتشنّجة والباعثة على التوتر والاحتقان، فلا يُترك الميدان لريفي الذي كان له قصب السبق في الخروج من تحت عباءة التيار الأزرق الذي ضرب بسيفه طوال أعوام، ساعة استشعرت قرون الاستشعار عنده أنّ العاصمة العربية الراعية التاريخية لهذا التيار قد أخذت ضمنًا قرارًا يرمي إلى طيّ صفحة الرئيس سعد الحريري والدور الذي أنيط به مذ لبس عباءة والده. 

فكان ريفي أوّل الملبين للنداء فأعلن باكرًا التحاقه بركب خيارات المعادين للحريري والناكرين له والناكثين لبيعته. وهكذا انطلق في السير في هذا النهج المعادي بالأقوال والأفعال. فكان أن شكّل لائحة مرشحين (غير مكتملة) للانتخابات في دوائر طرابلس وبيروت مضادة للوائح التيار الازرق لكن أحدًا من أعضاء اللائحتين لم ينجح بما فيهم ريفي نفسه الذي مُني وأعضاء لائحتيه بخسارة مدوّية ولم ينل أية أصوات يعتد بها.

واللافت أنّ علوش استمر للعبة ودور "المشاغب وصاحب الصوت العالي" والساعي لكي يثبت أنه عند حسن ظن الذين اختاروه لهذه المهمة غير النبيلة (شتم الخصوم ولو بادعاءات فارغة) فأخذ يخبط خبط عشواء في تصريحاته ومواقفه ويطلق حبل التكهنات على غاربه، فما كان من بعض العقلاء المتبّقين في التيار إلاّ أن وجهوا عريضة لفت نظر الى الرئيس الحريري طالبين منه "لجم هذا الصوت الفالت" وعقلنة خطابه الفاقد للضوابط وغير المناسب للمرحلة، لكن الجواب أتى من قيادة التيار: "دعوه اننا نريده قنبلة صوتية / وتنويعًا ضروريًا لتشكيلة الأصوات الحريرية التي تراعي كل الفصول".

أما السنيورة فالحديث عنه ذو شجون فهو الذي لا يمكن أن تضبطه في موقف واحد وعلى صعيد انتماء واحد، فهو أحيانًا يقدّم نفسه على أنه "الحريري المرجعي الأخير"، وأنه الناطق الحصري بلسان التجربة السياسية وحارس هيكلها وبنيانها ومرشدها الروحي بل ومعيارها لينتقل لاحقًا إلى اللاعب خارج أطرها ليصير على يمين الرئيس سعد الحريري نفسه خصوصًا عندما ألّف "مجموعة الـ15" التي أخذت تجاهر بمواجهتها لأداء الحريري وتوجّهاته الجديدة بعدما نسج مع التيار العوني خيوط ما عُرف لاحقًا بالتفاهم الرئاسي وبعدما فتح أبواب الحوار مع حزب الله (حوارات عين التينة الشهيرة) تحت عنوان "ربط النزاع".

ومع أنّ السنيورة يحرص على أن يظهر دومًا بمظهر الحامي للحريريّة من نشر نفسها ومن خلال دور عضو نادي الرؤساء السابقين، فإنّه يسعى أيضًا على ملء فراغ يعتقد أنّه حاصل وعنوانه العريض مد دائم لجسور علاقة تشاورية تنسيقية مع بكركي وفتح أبواب التحاور  معها خصوصًا في المنعطفات.

لكن مشكلة السنيورة أنّه لا يجد دومًا من يرافقه ويماشيه في شطحاته السياسية ومغامراته النظرية. ففي أحد المرات رافقه الوزير السابق رشيد درباس إلى زيارة بكركي لكنه عاد فاستنكف عن تكرار هذه الفعلة بعدما تلقّى سيلًا من المراجعات والتساؤلات حول هذه الخطوة غير العاقلة قائلًا لهؤلاء "لقد ذهبت معه حياء".

ويبقى المشنوق نسيج حده سواء في مسيرته السياسية المتقلبة والتي قادته في بعض المراحل إلى أن يصير الظلّ الدائم للحريري الأب قبل أن يقصيه الأخير ويجبره على السفر للخارج قبل أن يعود إلى دائرة الرئيس الحريري الإبن نائبًا ووزيرًا ومستشارًا مسموع الكلمة.

من بطانة الرئيس الراحل والسياسي البيروتي المعروف تقي الدين الصلح انطلق المشنوق في رحلته قبل أن ينتقل في اواسط السبعينات الثمانينات الى رحاب بيت حركة فتح الذي كان دوما بمنازل كثيرة حيث برع هناك في اعداد تقارير تقديرات الموقف التي وصل بعضها الى الجانب الاسرائيلي عبر أحد اجهزة السلطة في رام الله.

ولا ننسى ان للمشنوق رحلة صحافية طويلة بداها موظفا متعاملا مع الوكالة الوطنية للاعلام لينتقل لاحقا الى باريس كاتبا في صحيفة النهار العربي والدولي، وخاتمة المطاف في جريدة السفير ومن موقع المنتقد للمشروع الحريري.

وفي نهايته الحالية لم يجد المشنوق رفيقًا ومؤنسًا إلاّ كاتب الخطابات ومدبج البيانات عندما شغل عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل رضوان السيد ليجلس وإيّاه على قارعة الانتظار عل قطار التطورات يعود فيقلهما معًا نحو مشروع جديد في ظهر الغيب.
 
أربع شخصيات سياسية هي بالأصل صنو مجموعة أخرى خرجت مطرودة من تحت عباءة الحريرية السياسية (أحمد فتفت، معين المرعبي، الجراح وآخرون كثر) وهي تجرّ أذيال الخيبة بعدما خدمت هذا المشروع بكل قوتها ظنًا منها أنه خالد وأنه لا يقبل المراجعة.

واللافت أنّ هذه المجموعة تدفع بنفسها إلى واجهة المشهد كلما شعرت بأنّ مشروع الحريرية الاصلي يتلقّى الضربات وهي لكي تحفظ لنفسها مكانًا ولو متواضعًا مطلوب منها ان تعلي صوتها يوميًا وتبتكر شعارات المنازلة. ويزداد هذا الدور الحاحًا كلما استشعرت بأن ثمة قرارًا متخذًا في العتمة عنوانه العريض إقفال البيت الذي فتح في مطالع التسعينات.
 

سعد الحريريالحكومة اللبنانية

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة

خبر عاجل