آراء وتحليلات

حقائق سياسية جديدة تحكم مستقبل الصراع مع العدو

06/07/2021

حقائق سياسية جديدة تحكم مستقبل الصراع مع العدو

إيهاب شوقي

ما بين وعد بلفور المشؤوم في نهايات الحرب العالمية الأولى وبين النكبة وإعلان دولة العدو المزعومة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يبرز مفهوم الحقائق السياسية وانعكاساته على اللغة والممارسة، وهو ما يجعلنا مطالبين باستكشاف الحقائق السياسية الجديدة والمتوقعة للمواجهة على أسس سليمة وتقديرات دقيقة.

والحقائق السياسية تشبه إلى حد كبير المغالطات المنطقية والتي تتسق مع ما ذهب اليه علماء المنطق من قول إن "قوة الفكرة لا تكمن فى الأصل الذي ينميها بل فى المنطق الذي يزكيها"، وكذلك "صواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي منه أتت بل الذي اليه تستند".

أي إنها حقائق بحكم الواقع والتوازن السياسي ومحصلة الإرادات والخضوع لمنطق القوة.

 وهنا وقبل أن نحاول استشراف الحقائق السياسية الجديدة دوليًا وإقليميًا، ينبغي رصد الحقائق السياسية المحيطة بوعد بلفور وكذلك بالنكبة، كمدخل توضيحي لما نريد قوله:

أولًا: محطة وعد بلفور تزامنت مع نهايات الحرب العالمية الأولى، والإعداد لتصدير مدرسة في العلاقات الدولية تعرف بالمدرسة المثالية والتي ادّعت التوجه للأخلاق وللقانون الدولي.

وبنظرة سريعة على صيغة الوعد المشؤوم يمكن استكشاف انعكاس هذه المدرسة على الصيغة الرسمية للوعد والتي تقول: "تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ، ... على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين...".

ثانيًا: محطة النكبة وإنشاء الدولة المزعومة للكيان جاءت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتصدير العالم لمدرسة جديدة في العلاقات الدولية وهي المدرسة الواقعية والانتقال لمرحلة تحول من الإطار القانوني إلى الإطار الواقعي القائم على حقائق القوة، وهنا تنعكس هذه المدرسة على صيغة وثيقة انشاء الدولة، حيث شملت هذه الوثيقة عدة تعليلات ومبررات لإقامة الدولة منها: المبرر التاريخي بابتداع صلة الشعب اليهودي بالأرض، والمبرر القضائي: حيث اعتمد على وعد بلفور كوثيقة. كما شملت الوثيقة أيضا تعريف الدولة لنفسها كدولة يهودية مفتوحة الأبواب للهجرات اليهودية، وهو ما يفضح الطابع الإثني والعنصري للدولة. هنا تبرز أهمية الربط بين الحقائق السياسية وبين الأحداث والممارسات، وبالتالي يمكن مع رصد الحقائق السياسية الراهنة، الوصول بالاستشراف إلى تحليلات أكثر دقة وواقعية.

وبالنظر للمستجدات التي يمكن أن تشكل الحقائق السياسية الجديدة، فمن الواجب رصد ما يلي مع تذييله بالحقيقة السياسية التي نراها جديدة:

1- في غضون عشرة أشهر فقط منذ توقيع اتفاقيات التطبيع بين الكيان الاسرائيلي والإمارات والبحرين، زار 200 ألف صهيوني الإمارات، وتجاوزت التجارة الثنائية 354 مليون دولار، مع وجود عدد من الصفقات التجارية قيد التنفيذ، وفقا لـ "آرون ديفيد ميلر"، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

- الحقيقة السياسية هنا هي اختراق مباشر للخليج عبر السفارة والقنصلية الصهيونية، والتحول من مجرد الدعم السياسي إلى دعم عملي في خاصرة لأهم دولة في محور المقاومة وهي الجمهورية الإسلامية وفي منطقة بالغة الخطورة والحساسية ومحملة بصواعق للتفجير، وهو متغير عاصف بقواعد الأمن الجماعي في هذه المنطقة التي تتميز بأهمية دولية كبرى على خلفية منابع النفط ومضيق هرمز وطرق الملاحة.

2- هناك بذور لصراع سعودي - إماراتي يطل الآن برأسه على استحياء في صورة خلافات أو حظر لسفر المواطنين، ولكن الأمور هي بالفعل صراع حقيقي عكسته تقارير اقتصادية لكبرى مراكز الفكر، والتي أرجعت الأمور لفشل التنمية السعودي وفشل طموحات محمد بن سلمان ورؤيته 2030، ورصدت التقارير الصراع السعودي الاماراتي، حيث قالت إن السعودية تواجه منافسة اقتصادية شرسة في "مجلس التعاون الخليجي"، ضمن مجالات المشاريع الضخمة والمالية والسياحية، وإن الإمارات هي المنافس الرئيسي لها.

ورصدت أن الرياض تحاول أن تحلّ محل دبي كمركز مالي في المنطقة. ومن الأمثلة الواضحة الأخرى هو "برج جدة" في السعودية الذي تسعى المملكة من خلاله إلى تخطي "برج خليفة" كأطول مبنى في العالم. وسرعان ما أعقب انطلاق أعمال البناء في جدة العمل على "برج خور دبي"، وهو مشروع سري لم يُكشف عن ارتفاعه النهائي بعد وأن الغرض الوحيد منه هو أن يكون الميزة الخفية للإمارة بغية حرمان جدة من سعيها إلى تحقيق رقم قياسي عالمي والاحتفاظ بلقب "أطول برج في العالم" لدبي.      

كما رصدت التصعيد الأحدث المتمثل بإعلان جديد صادر عن السعودية يقضي بحصر العقود الحكومية بشركات يقع مقرها الرئيسي في الرياض أو الدمام أو جدّة ويعتبر المعلقون هذه الخطوة بمثابة مسعى متشدد أو حتى يائس لحض الشركات على نقل مقرات عملها من الإمارات إلى المملكة.

وترسخ التقارير فكرة هامة، وهي، أنه، وبالانتقال من الوقود الأحفوري إلى التكنولوجيا المتقدمة، سيتحول الخليج من قوة كبيرة في مجال صغير إلى قوة صغيرة في مجال كبير: فسيتعين على دول "مجلس التعاون الخليجي" أن تقف في وجه منافسين عالميين على غرار كوريا الجنوبية و14 شركة ضمن "فورتشن غلوبال 500" – بما فيها الرائدتان في عالم التكنولوجيا "سامسونغ" و"إل جي"، والشركتان العملاقتان في عالم السيارات "هيونداي" و"كيا".

وعسكريًا، عادت إلى الواجهة الأخبار التي تتحدث عن الخلافات السعودية - الإماراتية حول تقاسم النفوذ في اليمن.

- الحقيقة السياسية هنا أننا لسنا بصدد كتلة خليجية تعمل في إطار مجلس التعاون الخليجي كتكتل داخل المنطقة، وإنما بصدد تنافس داخلي يستقوي بأطراف خارجية وتحالفات مختلفة قد تجعل من الخليج بؤرة للصراع لا تكتلًا له تحالفاته المتناسقة!

3- وعلى المستوى الدولي، رصدت الأقمار الصناعية مشهدًا مذهلًا لشبكة من صوامع الصواريخ "الباليستية" الصينية على مساحات واسعة في صحراء الصين، ونقلت شبكة "سي إن إن" في تقرير نشرته عن محللين سياسيين تأكيدهم أن هذه الشبكة الهائلة "قد تغير المعادلة العسكرية بالنسبة للمخططين العسكريين الأمريكيين في آسيا".

وقال خبير الأسلحة النووية والباحث جيفري لويس، الذي فحص الصور، مع الباحث ديكر إيفيليث، أول شخص اكتشف الصوامع، إن معظم أعمال بناء الصوامع التي لم تكتمل بعد من المحتمل أن تكون قد حدثت في الأشهر الستة الماضية، وتابع مؤكدا أنها "وتيرة بناء مذهلة" ومفاجئة ايضا.

وكان الزعيم الصيني قد قال في تصريحات لم تتم ترجمتها، بحسب "سي إن إن" إلى الإنجليزية، إن "أي شخص يجرؤ على المحاولة (ضد الصين)، سيجد رأسه ملطخا بالدماء بسبب جدار ضخم من الفولاذ صنعه أكثر من 1.4 مليار صيني".

- الحقيقة السياسية هنا هي أن عصر القطب الأمريكي الأوحد قد ذهب بلا رجعة، وأن محاولات أمريكا في قطع الطريق على وصول الصين للقوة العظمى الأولى، والذي انحصر في المجال العسكري بعد الفشل في مجال المنافسة الاقتصادية، قد وصل لطريق مسدود هو الآخر، بعد امتلاك الصين لتوازن الرعب الصاروخي والنووي.

4- الالتفاف على الدول العربية الكبرى كمصر وسوريا والعراق بمحاولات الخنق والارتهان والتدمير بعيد المدى.

الحقيقة السياسية هنا هي خلق أدوار مصطنعة لدول أخرى بديلة على غرار أثيوبيا لخدمة مشروع السيطرة على المضائق والبحار وتغيير قواعد الأمن الكلاسيكية الماضية وتحويلها باتجاه الصالح الامريكي والصهيوني..

هنا تبرز حقائق جديدة منبثقة من هذه المستجدات وهي:

 1- التحالف بين قوى المقاومة والشرق كفيل بقطع الطريق على تمدد المشروع الصهيو - امريكي وكفيل بخروج أمريكا من المنطقة وزوال الكيان إذا ما تم تحييد المطبعين أو ردعهم وتفعيل عمليات المقاومة دون توقف أو هدنة تسمح بالالتفافات ولملمة الأوراق.

2- الدول العربية لا تستطيع الجمع بين حماية أمنها القومي وبين التبعية للغرب ولأمريكا، لأننا في مرحلة تناقض صريح بين المصالح الأمريكية والغربية من جهة، ومصالح الدول العربية وأمنها القومي من جهة أخرى.

وكأمثلة لذلك:

ليس هناك توجه أمريكي - اسرائيلي لحل القضية وفقًا حتى لما يريده المفرطون من حل للدولتين وتنازل عن شطر القدس، بينما التوجه لمزيد من التطبيع مع العرب وهو ما يفجر الصراعات العربية البينية ولا يصب إلا في الصالح الصهيوني المتناقض مع الأمن القومي للدول العربية وعلى رأسها مصر.

كما أن المصالح الأمريكية تقتضي محاصرة النفوذ الصيني وهو ما يعني قطع طريق الدول العربية في التنوع والتنمية وابقاء الأمر حصريًا بالفلك الأمريكي الذي أدى الى سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عبر شروط المؤسسات الدولية التابعة لأمريكا وعبر شروط التسليح التي تضع للدول سقفًا للذخائر والتقنيات بما يضمن التفوق الاسرائيلي والبقاء بشكل دائم في موقع التهديد.


    

الولايات المتحدة الأميركيةالكيان الصهيونيمحور المقاومة

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة

خبر عاجل