آراء وتحليلات

بين الصين والولايات المتحدة حرب باردة أم تفاهمات؟

21/05/2021

بين الصين والولايات المتحدة حرب باردة أم تفاهمات؟

سركيس ابوزيد

بين واشنطن وبكين شكل من ملامح حرب باردة جديدة، ما هي مظاهرها وما هو مستقبلها؟

تصعّد الولايات المتحدة الأميركية خطابها المعادي للصين، وانتقاد نهجها ضد الأقليات في التيبت، فضلًا عن ادعاءاتها الملاحية في بحر الصين الجنوبي، وافتعال التوترات والأزمات لاثارة استقطاب دولي حاد يجبر الحلفاء على العودة إلى بيت الطاعة والبقاء فيه. وأشارت وثيقة "التوجيه الاستراتيجي المؤقت لاستراتيجية الأمن القومي"، التي تتضمن توجهات الإدارة الجديدة لوكالات الأمن القومي حتى تتمكن من العمل على مواجهة التحديات العالمية، إلى ضرورة تأهب الولايات المتحدة لمخاطر الصين، بالقول "يجب علينا أيضًا أن نتأهب لحقيقة أن توزيع السلطة في جميع أنحاء العالم يتغيّر، مما يخلق تهديدات جديدة". وذكرت الوثيقة أن الصين على وجه الخصوص أصبحت وبسرعة أكثر حزمًا وتصميمًا، وهي المنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية. وتتجه إدارة بايدن لتبنّي سياسات متشددة تجاه الصين، خصوصًا أن هناك قدرًا لا بأس به من الإجماع بين الديمقراطيين والجمهوريين على ضرورة مواجهة سياسات الصين. في الواقع، إن الاندفاعة الصينية تثير قلق إدارة الرئيس جو بايدن للأسباب التالية:

** نجاحها في أن تكون منافسًا عسكريًا حقيقيًا للأميركيين في المجالات التي تهم أمنها الذاتي. وهي تضع نفسها في موقع التحدي الرئيسي لنظام دولي تقوده الولايات المتحدة، والتأكيد أن لديها تحالفاتها الخاصة التي تدعو إلى ضرورة التوقف عن ربط الأجندة السياسية بمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

** سعيها إلى تعديل ميزان القوة في النظام الدولي، وتغيير طبيعته الليبرالية، والنظام الأمني في آسيا، ودور المؤسسات الدولية وصلاحياتها، وفرض رقابة على التدفق الحر للمعلومات. وتريد أيضًا الإعتراف بنموذجها السياسي والاقتصادي الذي تقوده الدولة بقيادة الحزب الشيوعي، وترفض أي تحديات لإدارتها الداخلية.  

** تحولها الى أكبر اقتصاد في العالم، سواء بالنسبة للتبادل التجاري أو في استقطاب وتوظيف الاستثمارات الاجنبية. فقد صارت اليوم ورشة التصنيع في العالم، والشريك التجاري الأول لمعظم الاقتصادات الرئيسية، وأيضًا المحرك الأول لنمو الاقتصاد العالمي منذ الازمة المالية في عام 2008.

** استخدامها لـ"مبادرة الحزام والطريق" التي تغطي 66 دولة في ثلاث قارات وهي آسيا وأوروبا وأفريقيا، من أجل تسريع وصول المنتجات الصينية إلى الاسواق العالمية لتلك البلدان، لتوسيع نفوذها في مختلف أرجاء العالم. وفي هذا الاطار:

- توسيع نفوذها في منطقة الشرق الاوسط، ليس فقط اقتصاديًا ولكن أيضًا عسكريًا ودبلوماسيًا وسياسيًا، متحدية الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في المنطقة. ووقعت وثائق بشأن التعاون ضمن الحزام والطريق مع 19 دولة في الشرق الأوسط، وحققت تعاونًا مميّزًا مع كل منها، والهدف هو بناء شبكة اقتصادية وهياكل أساسية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا وما وراء ذلك، وإسقاط الهيمنة الغربية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط سلميًا. فالعلاقة بين مبادرة الحزام والطريق والشراكات الإستراتيجية التي توجدها في المنطقة، تسمح لها بالسيطرة تدريجيًا على المنطقة من دون خلق توترات مع الولايات المتحدة أو الغرب.

- توقيعها اتفاقًا استراتيجيًا شاملًا مع إيران لمدة 25 عامًا حول التعاون الاقتصادي والامني. وقد نصت مسودة الاتفاقية على استثمار 400 مليار دولار في عدد من المجالات. وشملت المسودة دعوة للتعاون العسكري.  

** وضع يدها على بحر جنوب الصين الذي تدعي أنه ضمن مياهها الاقليمية، وهو ما يمنحها السيطرة على احتياطيات النفط والغاز التي يزخر بها البحر، ويمنحها كذلك السيطرة على 40 في المئة من التجارة العالمية التي تمر عبر هذا البحر الاستراتيجي. في حين تعتبر الولايات المتحدة ومعظم دول العالم أن تلك المياه دولية يحق للكل الإبحار فيها. ويتوقع أن يكون بحر جنوب الصين البؤرة التي تنطلق منها شرارة الحرب بين البلدين بسبب قيام الولايات المتحدة بدوريات متكررة تطلق عليها اسم "حرية الملاحة"، وتبحر سفنها الحربية في المياه المتنازع عليها، وغالبًا ما تكون قريبة جدًا من الساحل الصيني.

** تزايد تصلب النظام السياسي وتركز السلطة في بكين، ضيّق حيّز السياسات المحلية. وهو ما يُترجم بتوجيه القرارات من أعلى الهرم إلى أسفله، الأمر الذي جعل من الصعب على المسؤولين مراجعة السياسات أو الابلاغ عن الخطأ.  

** ارتفاع مستويات الديون سيزيد من تعقيد مسار نموها. وهي معرضة للخطر في مجالي أمن الغذاء والطاقة، إذ إنها تفتقر إلى الأراضي الصالحة للزراعة لإطعام سكانها، وتستورد نصف نفطها تقريبًا من الشرق الأوسط.  

في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة باستقلالية تامة في توفير الطاقة والأمن الغذائي.

** الصين تواجه محيطًا جغرافيًا صعبًا، ومزاجًا دوليًا تصاعدت حدته بعد كارثة جائحة كورونا. فقد وصلت وجهات النظر السلبية في الصين إلى مستويات تاريخية، ضمن مجموعة متنوعة من البلدان. ومقابل استفادة الولايات المتحدة من محيط جغرافي وحدود سلمية ملائمة، تحيط بالصين 14 دولة، 4 منها مسلحة نوويا هي الهند وروسيا وباكستان وكوريا الشمالية. كما أن 5 دول جارة لديها نزاعات إقليمية لم تحل معها، هي الهند واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية، وفيتنام، ولدى غالبية هذه الدول طموحات سياسية وقومية وهويات وطنية لا تستسيغ التبعية لبكين أو لمصالحها. ثم إن للولايات المتحدة وجودًا عسكريًا دائم الانتشار في المنطقة، مدعومًا باتفاقيات وقواعد عسكرية تمكنها من الوصول إلى البلدان الواقعة على أطراف الصين.

يمثل صعود الصين التحدي العالمي الاكثر تعقيدا الذي يواجه صناع القرار في واشنطن، فهي الخصم الاكثر شراسة الذي يواجه الولايات المتحدة، كما أنها دولة سوف يتعين على أميركا أن تجد سبلا للتعايش معها، بدلا من الدمار المتبادل. وفي هذا الاطار، دعت أصوات أميركية وازنة إلى إعادة نظر عقلانية بطبيعة العلاقة التي يجب أن تصوغها واشنطن مع بكين، وذلك عبر تحديد نقاط القوة والضعف وكيفية استثمارها، إذا ما أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها الريادي. ويقول الدكتور هنري كيسنجر أحد كبار صانعي السياسة الخارجية الاميركية: "إن على الولايات المتحدة والغرب عموما، التوصل إلى تفاهم مع الصين حول نظام عالمي جديد لضمان الاستقرار، وإلا سيواجه العالم فترة خطيرة، كالتي سبقت الحرب العالمية الاولى". ويضيف: "على الغرب أن يؤمن بنفسه، فالقوة الاقتصادية للصين لا تعني أنها ستتفوق تلقائيا في كل المجالات التكنولوجية خلال هذا القرن".

الولايات المتحدة الأميركيةالصين

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة