آراء وتحليلات

سوريا ولبنان على رقعة الشطرنج الدولية لاميركا

11/05/2021

سوريا ولبنان على رقعة الشطرنج الدولية لاميركا

صوفيا ـ جورج حداد

بين 4 و11 شباط 1945 (عشية نهاية الحرب العالمية الثانية) عقد مؤتمر يالطا الشهير بين روزفلت وتشرشل وستالين، ووقع ستالين ما يسمى "اتفاقية يالطا" لتنظيم العالم بعد الحرب، وهي الاتفاقية التي منحت أميركا وبريطانيا التفويض، ومنحت أميركا الامكانية، للهيمنة على العالم الغربي وتوابعه الشرقية.

وفي نهاية المؤتمر، وقبل عودته الى أميركا، حط روزفلت في مصر، واجتمع في 14 شباط بالملك السعودي عبد العزيز، على متن السفينة الحربية الأميركية "كوينسي"، وعقد معه ما يسمى "اتفاق كوينسي"، الذي ضمن به السيطرة الاميركية على النفط السعودي والخليجي، وذلك عملا بروحية "اتفاقية يالطا".

وفي سنة 1946، وعملا باتفاقية يالطا، سحب ستالين القوات السوفياتية من اذربيجان الايرانية، فسقطت "جمهورية اذربيجان (الايرانية) الديمقراطية الشعبية" و"جمهورية مهاباد" (الكردية الايرانية) في كانون الاول 1946، وسقطت ايران في قبضة الشاه محمد رضا بهلوي والانكليز والاميركيين. وبذلك ضمنت اميركا السيطرة على النفط الايراني ايضًا، بالاضافة الى السيطرة البريطانية ـ الاميركية على النفط العراقي.  

وفي 29 تشرين الثاني 1947، وبموجب اتفاقية يالطا ايضا (وعلى الضد من الفكر الاشتراكي العلمي المعادي لايديولوجية الطغمة المالية الاحتكارية اليهودية والحركة الصهيونية العنصرية والفاشية)، صوت المندوب الستاليني في الامم المتحدة لصالح قرار تقسيم فلسطين واقامة "الوطن القومي اليهودي". و بموجب أكذوبة امكانية تحويل الدولة اليهودية الاغتصابية الى دولة اشتراكية، فرض ستالين على قطاع واسع من المواطنين اليهود (بمن فيهم الشيوعيون اليهود) الاوكرانيين والروس والاوروبيين الشرقيين السفر الى فلسطين، والقتال الى جانب الهاغاناه والمنظمات الارهابية الصهيونية، والمساهمة في بناء الكيبوتزات الاستيطانية اليهودية التي قامت على انقاض القرى الفلسطينية المغتصبة.  
وفي اواسط شباط 1952 تم ضم تركيا الى حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، وأقيمت القواعد العسكرية الاميركية على مقربة من الحدود السوفياتية.

ومع قيام وانتصار الانقلابات وثورات التحرر الوطني، ضد الاستعمار الانكليزي والفرنسي في مصر والجزائر وشمال افريقيا والعراق والاردن، وفشل العدوان الثلاثي على مصر، في خمسينيات القرن الماضي، طرح الرئيس الاميركي ايزنهاور في 1957 نظرية "ملء الفراغ"، اي إحلال النفوذ الاميركي محل النفوذ الانكليزي والفرنسي المنهار والوقوف ضد النفوذ السوفياتي.

ومنذ تلك المرحلة المفصلية تحولت أميركا الى القوة الامبريالية الرئيسية المهيمنة على مقدرات شعوب وبلدان "الشرق الاوسط الكبير" وشمالي افريقيا.

وتولت الادارات الاميركية المتعاقبة رعاية ودعم وتقوية الكيان الاسرائيلي، سياسيًا وماليًا واقتصاديًا وعسكريًا. ولم تترك تلك الادارات مناسبة إلا وأكدت فيها أن أولوياتها الإستراتيجية في المنطقة تتلخص في نقطتين:

-1- السيطرة على الطاقة (النفط) كمدخل رئيسي للسيطرة الاقتصادية العالمية لاميركا.

-2- ضمان أمن وتفوق "اسرائيل"، التي تم تزويدها بالسلاح النووي، والتي تحولت الى قاعدة مركزية للامبريالية الاميركية والغربية في الشرق، ضد جميع الشعوب العربية والاسلامية والشرقية، في اسيا وافريقيا، وضد الاتحاد السوفياتي ذاته وعلى رأسه روسيا، الذي سبق أن جاء منه الشيوعيون اليهود (وكانت قد ماتت الى الابد اكذوبة ستالين بامكانية تحويل "اسرائيل" الى "دولة اشتراكية").

وبالنظر الى الموقع الجيوستراتيجي لسوريا ولبنان (بالاضافة الى الاردن)، كممر ومصب لأنابيب النفط من السعودية والعراق، وكدول تقع في خط المواجهة الاول مع الكيان الاسرائيلي، وتُؤوي ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يواصلون مع شعبهم الشقيق المظلوم الكفاح البطولي، بكل اشكاله الثقافية والحقوقية والسياسية والمسلحة، لاجل استعادة بيوتهم وارضهم ووطنهم المغتصب، ــ بالنظر الى كل ذلك، ندرك الاهمية الاستثنائية لسوريا ولبنان في الصراع التاريخي القائم بين الامبريالية الاميركية والغربية واليهودية العالمية، من جهة، وبين الشعوب العربية والاسلامية والقوى التقدمية والتحررية في العالم بأسره، من جهة اخرى.

وفي تلك المرحلة اصيبت "اتفاقية يالطا" واستراتيجية الهيمنة العالمية لأميركا بنكستين كبيرتين هما:

الأولى ــ انتصار الثورة الصينية بقيادة الحزب الشيوعي في 1949، وهو ما كان من شأنه لاحقًا قلب موازين القوى العالمية جذريًا (ولا بد من التذكير هنا بأن الثورة الصينية بزعامة ماو تسي تونغ كانت قد بدأت في 1927 ضد ارادة ستالين الذي كان يؤيد حكم الكيومنتونغ وأيد طرد جناح ماو تسي تونغ من الحزب الشيوعي الصيني بتهمة "التطرف اليساري"، ولكن الحزب اعاد ماوتسي تونغ الى صفوفه وسلمه القيادة في 1931).
وقد ردت الامبريالية الأميركية على انتصار الثورة الصينية بشن الحرب العدوانية الدولية ضد جمهورية "كوريا (الشمالية) الدمقراطية الشعبية" في 1950، كمقدمة لمهاجمة "جمهورية الصين الشعبية" الفتية قبل أن يشتد عودها. وقد نجحت أميركا، في 25 حزيران 1950، في انتزاع قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتشكيل قوات دولية لمحاربة كوريا الشمالية (وحتى الحكومة اللبنانية حينذاك دعمت الحملة العدوانية الاميركية ضد الشعب الكوري بمساهمة مالية قدرها 50 الف دولار). ويذكر ان المندوب الستاليني، الذي كان بامكانه تعطيل ذلك القرار باستخدام حق النقض (الفيتو)، تغيّب بصورة مشبوهة، وبأمر شخصي مباشر من الخائن ستالين، عن حضور اجتماع مجلس الامن الذي اتخذ ذلك القرار. وقد شارك ملايين المتطوعين الشعبيين الصينيين في مقاومة وتحطيم العدوان الاميركي ــ الدولي على كوريا الشمالية.

والنكسة الثانية لاتفاقية يالطا ــ هي انتصار الثورة الاسلامية الايرانية وسقوط حكم الشاه، في مطلع عام 1979، وتحول ايران من قاعدة رئيسية للامبريالية الاميركية والغربية، الى قاعدة أساسية لمقاومة الامبريالية والصهيونية على النطاق الاقليمي والعالمي. وشكل هذا الانتصار صدمة زلزالية للامبريالية الاميركية والصهيونية والرجعية العربية والاسلامية.  

وسرعان ما شُنّت في 1980، بتخطيط اميركي، حرب نظام البعث الصدّامي ضد الثورة الايرانية، بدعم سياسي ومالي كبير، من قبل اميركا ودول الخليج النفطية الموالية للغرب الامبريالي. ودامت تلك الحرب الظالمة 8 سنوات كاملة، تكبد فيها الشعبان الشقيقان خسائر فادحة بشرية ومادية. وكانت أطول حرب دموية منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن هذه الحرب فشلت في تحقيق هدف الامبريالية الاميركية، كما فشلت قبلها الحرب الكورية.

وفي النصف الثاني من القرن الماضي، وبوجود الأسطول الأميركي السادس وغيره من أساطيل الدول الغربية في البحر الابيض المتوسط، وبما تمتلكه من تقنيات عالية، استطاعت تلك الدول وعلى رأسها اميركا أن تكتشف أن شرقي المتوسط هو عبارة عن خزان هائل للنفط والغاز لا يزال خارج الاستثمار.

وبحكم قربه من اوروبا خاصة، ومن غربي اسيا وافريقيا، فإن الشروع في استثمار الخزان الطاقوي الشرق ــ متوسطي سيمثل انقلابًا فعليًا ضخمًا في التركيبة الطاقوية والمالية والصناعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية للعالم قاطبة.
وهذا الاكتشاف ضاعف بشكل استثنائي اهمية الموقع الجغرافي لسوريا ولبنان في منتصف القوس الذي يمثله شرقي المتوسط، وتحديدًا بين القاعدة الرئيسية للامبريالية الاميركية، المسماة "اسرائيل"، وبين تركيا ــ العضو القديم قي حلف الناتو.

ورغم التكتم الشديد، وعدم التصريح العلني بذلك، فإن الجيوستراتيجية الأميركية بأسرها، منذ أكثر من نصف قرن، أخذت تنطلق من نقطة اكتشاف الغاز والنفط في شرقي المتوسط. وبهذه النقطة الجيواقتصادية ــ جيوستراتيجية بالذات ترتبط ايضًا جميع أحداث المنطقة، منذ اشعال الفتنة في قبرص، وذبح وتشريد القبارصة اليونانيين واحتلال شمال الجزيرة من قبل الجيش التركي في 1974، الى اشعال الحرب الأهلية اللبنانية في 1975، الى الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، الى العدوان الاسرائيلي الغاشم على لبنان في 2006، الى ما يسمى "الربيع العربي"، والمؤامرة الدولية الكبرى ضد سوريا، وصولًا الى مسرحية أزمة تشكيل الوزارة في لبنان حاليًا ومحاولة كسب مزيد من الوقت من قبل أميركا للضغط على لبنان وتنفيذ المخططات الاميركية والاستعدادات الاسرائيلية ضد سوريا ولبنان.

وبعد فشل القضاء على النظام الثوري الايراني، وفشل الاحتلال الاسرائيلي في 1982 في اقامة نظام حكم موالٍ لـ"اسرائيل" في لبنان، وبعد إجبار الجيش الاسرائيلي و"قوات لحد" على الفرار العشوائي تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية، بقيادة حزب الله خصوصا، وهزيمة العدوان الاسرائيلي الغاشم في 2006، فإن الامبريالية الاميركية لم تستسلم؛ وبالتعاون الوثيق مع السعودية وزعانفها الخليجية، ومع تركيا الاردوغانية، عمدت الى تشكيل "الجيش التكفيري الارهابي العالمي"، الذي بواسطته شنت الهجوم الارهابي على العراق وسوريا (ومن ثم مصر وليبيا بالاخص)، وأعلن قيام "دولة الخلافة" الارهابية التكفيرية على الارض العراقية والسورية المغتصبة، تحت غطاء ما سمي "الربيع العربي"، الذي أعدت له ونظمته ومولته وركبت موجته المخابرات الاميركية والاسرائيلية والبريطانية والسعودية والتركية، تحت الشعارات البراقة، الكاذبة والديماغوجية، للدمقراطية وحقوق الانسان والاتنيات والاقليات والشعوب.

وكانت الأهداف القريبة ــ البعيدة، ومتسلسلة الحلقات، لمشروع اقامة "دولة الخلافة الداعشية ــ العثمانية الجديدة الكبرى" هي:

-1- وضع قبضة حديدية (بمخالب اميركية ـ اسرائيلية ـ تركية ـ سعودية ـ داعشية) على شرقي وجنوبي المتوسط، والاستفراد بعملية استثمار النفط والغاز في شرقي المتوسط، وتوزيع حصص لصوصية من العملية، لكل من تركيا و"اسرائيل" والسعودية وزعانفها، على حساب لبنان وسوريا وقبرص واليونان ومصر وليبيا، مع الاحتفاظ بالحصة الأكبر طبعًا لأميركا، واستبعاد روسيا والصين واوروبا عن عملية الاستثمار لصالح شعوب المنطقة.

-2- استخدام الشعارات الاسلامية المزيفة لضرب الجناح العربي في محور المقاومة، في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وجميع تيارات المقاومة في كافة البلدان العربية.

-3- عزل وتطويق ايران الثورة وخنقها، ومن ثم ضربها واسقاطها، كهدف رئيسي بحد ذاته، ولكي يسقط معها كامل التيار الثوري، المعادي للامبريالية والصهيونية، في القطاع الدمغرافي للانتشار الاسلامي العالمي.

-4- تحريك واثارة النعرات الدينية ــ العنصرية، الاسلاموية ــ الطورانية، في الجمهوريات الاسلامية السوفياتية السابقة، واسقاط انظمة الحكم العلمانية فيها، واستقطابها نحو "دولة الخلافة الجديدة الكبرى".
 
-5- شن حرب عالمية جديدة، اسلاموية "مقدسة"، تدعمها وتشارك فيها اميركا والصهيونية العالمية وحلف الناتو، ضد روسيا، بشعبها الشرقي العظيم المتفاني لاجل الحرية له ولجميع شعوب العالم، وذات الثروات الطبيعية اللامتناهية ــ المطمع القديم والدائم لجميع الدول الاستعمارية الغربية منذ ايام الامبراطورية الرومانية القديمة وحتى الامبريالية الاميركية في العصر الراهن.  

-6- محاولة تحييد الصين في تلك الحرب، بإغرائها بانتزاع الشرق الاقصى الروسي (اي منشوريا الروسية، التي هي موضع خلاف ارضي قديم بين الصين وروسيا) من روسيا، ومنحه للصين، بالاضافة الى منحها جزيرة تايوان، وكامل شبه الجزيرة الكورية.

-7- واخيرا لا آخرا، اجبار العملاق الصيني، القوي اقتصاديًا والضعيف نسبيًا عسكريًا بالمقارنة مع اميركا، على الخضوع التام لرباعي الشر الاميركي ــ الصهيوني ــ الناتوي ــ الداعشي الجديد.

ولا بد من التذكير انه من أراضي "دولة الخلافة التكفيرية الارهابية" في سوريا كانت تنطلق موجة العمليات الارهابية (السيارات المفخخة، والاحزمة الناسفة وغيرها) ضد جميع المناطق اللبنانية، لضرب المقاومة ومحاولة اركاع لبنان بأسره لهذا المخطط الجهنمي، وذلك بالتعاون الوثيق، الامني والسياسي، مع الطابور الخامس الاسرائيلي والسعودي في لبنان.

ولكن بفضل وعي وكفاح الجماهير الشعبية، والجيش الوطني، وقوات الحشد الشعبي، في العراق؛ وبفضل تضحيات الجيش العربي السوري، ومشاركة أبطال المقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله اللبناني، والمستشارين العسكريين المتطوعين الايرانيين، ودعم الطيران الروسي بطلب من الحكومة السورية الشرعية، تم دفن مؤامرة اقامة "الخلافة الداعشية ــ العثمانية الجديدة" في مهدها. وفي لبنان، اشترك الجيش الوطني اللبناني مع المقاومة في دحر الارهابيين في جرود السلسلة الشرقية لجبال لبنان.

ولكن لعدم خسارة كل شيء عمدت الآلية الامبريالية الاميركية لقلب اسطوانة بروباغندا الكذب الديماغوجي: فبعد أن كانت تصف التكفيريين الارهابيين، الذين جندتهم واستقدمتهم من كافة البلدان، بـ"المناضلين من اجل الدمقراطية والحرية"، أخذت  تلطم الصدور وتنادي بالويل والثبور ضد الارهاب والارهابيين. وتحت الشعارات الكاذبة لـ"مكافحة الارهاب"، مثل شعاراتها الكاذبة لـ"الدفاع عن الدمقراطية"، قامت القوات المسلحة الاميركية بالتدخل العسكري في سوريا، رغما عن ارادة الشعب السوري والدولة السورية، بالاضافة الى تدخلها العدواني في العراق. وتحت الشعار الكاذب بمكافحة الارهاب، قامت وتقوم القوات الاميركية عمليا بحماية فلول الارهابيين التكفيريين، وتمنع الجيش العربي السوري من تصفية الحساب النهائي معهم.

وتحت الشعارات الكاذبة حول "مكافحة الارهاب" و"حماية حقوق الشعب الكردي" تقوم القوات الاميركية الان بعملية تقسيم سوريا، وهي تحمي عملية انشاء كيان انفصالي كردي في شرقي وشمال شرقي  سوريا، على غرار الكيان الانفصالي الكردي في شمال العراق، ومرتبط به. وبحماية ومشاركة قوات الاحتلال الاميركية، تتولى القوات الانفصالية الكردية نهب البترول في تلك المنطقة، ونقله عبر الاقليم الكردي العراقي وبيعه بابخس الأسعار الى تركيا. وهكذا تضع أميركا سوريا بين ثلاثة مخاطر: "اسرائيل" في الجنوب، وتركيا في الشمال، والانفصالية الكردية في الشرق، التي يتم تغطيتها مرحليا بشعارات "الدمقراطية" و"اللامركزية" و"الفدرالية".

وتحت هذه الشعارات ذاتها، بالاضافة الى شعارات "الحياد" و"الامن" و"الاستقرار" و"عدم التفرد بقرار الحرب والسلام"، تستند أميركا الى وجودها العسكري في سوريا لتشجيع الطابور الخامس والخونة والعملاء والطائفيين الواعين والاغبياء واللصوص ومجوعي الشعب في لبنان لاجل العمل على تقسيم لبنان. وكل الحصار والضغط المالي والاقتصادي والمعيشي والسياسي والاعلامي والنفسي الجماهيري، الذي يجري الان ضد الشعب اللبناني المظلوم، على غرار ما جرى ويجري في الصومال واليمن، هدفه تقويض جميع البنى الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والادارية والعسكرية للدولة، لتبرير وفرض الادارات الذاتية المناطقية والطائفية والحزبية، وكنتنة لبنان، أي تحويله الى مجموعة من الكانتونات الصغيرة، المفككة والمتصارعة على أبسط وسائل العيش. وايصال الشعب اللبناني المظلوم الى هذا المستوى هو مقدمة لتبرير قيام الخونة والعملاء الذين يتشكل منهم الطابور الخامس اللبناني بطلب "تدويل" و"تعريب" لبنان، وطلب "الانقاذ" و"المساعدة" مما يسمى "المجتمع الدولي" و"الاشقاء العرب"، أي ممن هم أصل الداء: "أميركا والسعودية و"اسرائيل"".  

والنموذج اللبناني الحالي يبين بوضوح الان أن الاستغلال والاستتباع والاستعمار، أو الاذلال والتجويع والموت هو أفضل ما تقدمه "الحضارة" الامبريالية الاميركية والغربية للشعوب الطامحة الى الحرية.

والسؤال التاريخي الآن: هل يمكن للامبريالية الاميركية والصهيونية والسعودية وأتباعها أن تنجح في تقسيم سوريا واقامة "اسرائيل" جديدة كردية فيها، وفي تقسيم لبنان الى كانتونات طائفية ومناطقية مستسلمة لأميركا و"اسرائيل "والسعودية؟

إن الانتفاضة الشعبية العظيمة القائمة الآن في القدس، بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال تؤكد أن الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية والاسلامية هي أعجز بكثير من أن تستطيع خنق روح المقاومة لدى الجماهير الشعبية الفلسطينية واللبنانية والعربية والاسلامية قاطبة، على اختلاف الانتماءات الدينية والمذهبية والايديولوجية والحزبية الوطنية. ومثلما انتصرت المقاومة على الاحتلال الاسرائيلي للبنان، وعلى الدولة الداعشية في سوريا والعراق، فهي لن تسمح بتقسيم سوريا وكنتنة وتدويل لبنان. والمقاومة التي استطاعت تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، ستستطيع انقاذه من الحصار والتجويع الاميركي ــ السعودي. واذا لم تخرج قوات الاحتلال الاميركية من سوريا والعراق بقرار سياسي، فمن المؤكد ان جنودها وضباطها سيعودون الى عائلاتهم اشلاءً بالتوابيت، كما عاد زملاؤهم المارينز من بيروت في تشرين الاول 1983.  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

سوريالبنان

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة