آراء وتحليلات

ليبيا تدخل مرحلة جديدة في الحسابات الإقليمية والدولية

07/05/2021

ليبيا تدخل مرحلة جديدة في الحسابات الإقليمية والدولية

سركيس ابوزيد

 

دخلت ليبيا مرحلة جديدة على طريق الانتخابات الرئاسية والتشريعية في كانون الأول 2021، بعدما نالت حكومة الوحدة الوطنية الليبية برئاسة رجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة ثقة البرلمان الليبي، بهدف إخراج البلاد من نفق الحرب الأهلية والأزمة السياسية التي تعصف بها منذ عقد من الزمن وتغيير موازين القوى فيها.

أهم المكتسبات الدبلوماسية التي حققتها حكومة الدبيبة، إعادة الدول الأوروبية الكبرى المؤثرة في الشأن الليبي: إيطاليا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، إضافة الى الاتحاد الأوروبي، فتح سفاراتها التي أغلقت قبل ستة أعوام بسبب المخاطر الامنية. وتحظى حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا بدعم إدارة الرئيس جو بايدن والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها، وفي مقدمتها تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بمغادرة المرتزقة والقوات الأجنبية.
 
يبدو أن إدارة بايدن تنحو إلى انخراط  قوي في الازمة الليبية في المرحلة المقبلة والمحادثات المتعلقة بها. في هذا الإطار، دعت كلّا من روسيا وتركيا والامارات إلى الوقف الفوري لتدخلاتها العسكرية في ليبيا بمقتضى اتفاق وقف إطلاق النار، وقبول السيادة الليبية مع توجه البلد لتوحيد حكومته، وعقد الانتخابات، وإنهاء سنوات من الصراع.

واشنطن ستواجه طموحات أنقرة وموسكو في ليبيا عبر الضغط المباشر عليهما، وحشد الشركاء الأوروبيين ضدهما، وتضييق مساحة تقسيم العمل بين القوى المتنافسة في ليبيا، وإعادة تموضع ليبيا في بنية أمن حوض البحر المتوسط واقتصاده، وكذلك ضبط الادوار الاقليمية التي طالما استفادت من فجوات الدور الاميركي. وتنتهز واشنطن الازمة الليبية كفرصة كي تُظهر لحلفائها الغربيين عزمها، في عهد بايدن، على استعادة الموقع القيادي العالمي للولايات المتحدة، والوقوف ضد مشاريع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ليبيا، ومن ثم في الشرق الاوسط وأفريقيا
ككل.

التدخل التركي كان الأوضح بين التدخلات الاقليمية والدولية في ليبيا. تركيا "العقدة والحل" تتحرك في ليبيا انطلاقا من أولويات نابعة من شرعية الدفاع عن مقدرات أمنها وحدودها البحرية والبرية، وتسعى الى استثمار الصراع الليبي كورقة متعددة الاستخدامات، سواء في ما يتعلق بطموح التوسع جنوبا أو في سياق السعي لتصدير أزمات الداخل عبر خطاب شعبوي استعماري، وقبل ذلك كله إعادة المحاصصة فيما يخص غاز شرق المتوسط، واستخدام ليبيا كمساحة للضغط.  

تشي مجريات الأحداث الأخيرة في ليبيا بأن محاولة إعادة إنتاج شكل الدولة الليبية يمر عبر رحى نزاع داخلي بين مختلف المكونات، وسلّم أولويات خارجي يتنوع بين ما تريده أطراف إقليمية على رأسها مصر وتركيا، ورغبة أوروبية وأميركية في سد الثغرة التي تم تجاهلها لنحو عشرة أعوام ونتيجتها مفاقمة قضية اللاجئين والتنظيمات الارهابية واحتمال تواجد روسي مستدام في جنوب المتوسط.

 تواجه الحكومة الليبية تحديات إعمار البلاد، وأبرزها:

* توفير مناخ مصالحة وطنية وتسوية ملفات حقوق الإنسان، ووضع إطار دستوري وقانوني متوافق عليه للانتخابات المقبلة.

* تأمين مصادر الطاقة وتأمين السواحل الليبية المترامية الأطراف، بدءا بقضايا الهجرة التي تؤرق دول الجوار الشمالي، ووصولا إلى ملف إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة الشائك. وبموازاة الحوار الصعب الجاري أميركيا وأوروبيا مع الروس حول سحب المرتزقة.

* إعادة هيكلة القوات الأمنية وبناء جيش وطني موحد، ويتطلب إنجاز ذلك عمليا تفكيك الميليشيات في غرب البلاد وقوات الجنرال حفتر في الشرق. ولا يرجح أن تنجز هذه المهمة قريبا.

* عرقلة وتسويف لمراحل خارطة الطريق الليبية التي من المفترض إتمامها في أواخر العام الحالي، والتي قد ترقى إلى ما يمكن اعتباره ألغاما موقوتة، ومن بينها مخاوف بعض أطراف النزاع الليبي من الإطاحة بها أو أن تكون هذه التسوية على حسابها، والأهم مصير مكونات وقادة الميليشيات في الغرب الليبي.

* غموض موقف قطبي المشهد الليبي المتأزم، زعماء التيار الاسلامي في الغرب المدعوم من تركيا وقطر، ومعسكر الجنرال حفتر المدعوم من الامارات ومصر وروسيا. فالجنرال حفتر الذي أعلن دعمه للعملية السياسية والسلمية في البلاد، يتفادى الحديث عن مخرجاتها بالنسبة إلى مستقبله الشخصي، فيما يشهد معسكره الداخلي في بنغازي تصفيات غامضة راح ضحيتها مساعده العسكري محمود الورفلي المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية. أما إسلاميو الغرب فهم يحتفظون بأوراقهم للجولات المقبلة وأهمها الانتخابات العامة، كما يسود الصمت حول مصير الميليشيات الداعمة لهم سواء في طرابلس أو مصراتة.

* تسابق الدول والمستثمرين على نيل قطعة من كعكة إعادة إعمار ليبيا، وفي مقدمتها العواصم الغربية التي تدرك أن كسب حصة الاسد من الكعكة الليبية لن يكون سهل المنال، في ظل التنافس الشرس مع الروس والأتراك والصينيين ودول عربية في مقدمتها دول الخليج، وخصوصا مصر التي تطمح في إستعادة مكانتها في السوق الليبية التي كانت تستقبل قبل أحداث 2011، مليوني مصري. كما أن دول الجوار المغاربي بدورها تسارع الخطى لكسب ود طرابلس.

* انحياز رئيس الحكومة الانتقالية عبد الحميد الدبيبة الى تركيا وإعلانه أن العلاقات معها تسير بشكل جيّد وبما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

في ليبيا ثمة جدلية ومراوغة جديدة أضافتها جماعة "الاخوان" ومن هم في دائرتها، وذلك للفصل بين خروج المرتزقة والقوات الاجنبية، في محاولة منها لحماية وشرعنة المرتزقة السوريين الذين جلبتهم القوات التركية، تحت غطاء "قوات أجنبية شرعية"، وهذا ما وصف بـ"مراوغة" من رئيس مجلس الدولة، الذي أصر على التفرقة بين القوات التركية وغيرها من القوات الاجنبية. ولكن تبقى الحقيقة أن إخراج المرتزقة والقوات الاجنبية ليس رهن إرادة ليبية مطلقة، بل إن إخراجهم مرتبط بحجم التفاهمات الدولية، خصوصا روسيا وتركيا، الدولتين اللتين تتنازعان وتتبادلان النفوذ في المنطقة، وتستخدمان الملف الليبي ورقة ابتزاز وضغط بينهما.

روسياتركياليبيا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة