خاص العهد

وزارة الصحة: ملفات فساد "مكدّسة".. وورشة عمل ضخمة بانتظار جبق

18/02/2019

وزارة الصحة: ملفات فساد "مكدّسة".. وورشة عمل ضخمة بانتظار جبق

ياسمين مصطفى

لا يختلف اثنان على أن الصحة هي ألف باء حياة الإنسان من المهد إلى اللحد، وعلى أن الاستشفاء حق إنساني لكل مواطن، ومن واجب الدولة وتحديدًا وزارة الصحة أن تكون حاضرة في هذا المجال لخدمة المواطنين، كل المواطنين، بمعزل عن أهوائهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية.

لكن مقاربة دقيقة ونظرة عن قرب إلى الواقع الصحي في لبنان تجعل من حق المواطن في الطبابة والاستشفاء أمرا أقرب إلى الطوباوية، فالكثير من اللبنانيين غير مشمولين بأيَّة تغطية صحيّة أو ضمان صحي، فضلاً عن الأسعار المرتفعة للأدوية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية، التي تكوي جيب المواطن محدود الدخل، فضلاً عن الخلل البنيوي والفساد المستشري في القطاع الصحي العام، أي المشافي الحكومية.

"لا يليق بنا ولا يحق لنا أن نتعاطى بصحة الناس كما نتعاطى مع زفت وزارة الأشغال"، عبارة يكرّرها على مسامعنا رئيس الهيئة الوطنية الصحية الاجتماعية النائب السابق اسماعيل سكرية. وخلال مقابلة مع موقع "العهد" الإخباري، يحدثنا سكرية عن الفساد المتراكم في وزارات الصحة المتعاقبة "وعمره يقرب الخمسين عامًا".

* الأمن الدوائي في لبنان مفقود

يشدد سكرية على أن "الأمن الدوائي" في السوق اللبناني مفقود منذ سنين، مدعّماً  كلامه بأمثلة: "اكتشفنا أن دواء "بلافيكس" قتل شابًا في طليا، وحقنة كان من المفترض أن تحوي علاجا للسرطان، لكنها قتلت مريضة لكونها تحوي، بدل الدواء، مياهاً"!

وفي حين يلفت سكرية إلى أن "خلفيَّة سوق الدواء في لبنان هي خلفية تجارية أكثر منها علمية"، يشدد من هذا المنطلق على أهمية "المختبر المركزي، الذي كان في الزمن الغابر يتبع لوصاية وزارة الصحة، وكان من مهامه إجراء فحوصات مخبرية للأدوية المستوردة، والغذاء، والماء". وحول الفساد الذي كان سائدا في هذا المختبر حين كان قائما، يؤكد سكرية أن الموظفين فيه يمارسون "بطالة مقنعة"، وأن "مئة دولار (كرشوة) تكفي لإعطاء تقرير إيجابي عن منتج أو دواء جديد مستورد".

* قانون مزاولة مهنة الصيدلية غير مفعّل

وفي سياق شرحه لموقع "العهد" عن الآلية التي من المفترض اعتمادها في استيراد الأدوية إلى لبنان، يقول سكرية "يتضمن قانون مزاولة مهنة الصيدلة ـ الذي يحكم في مسألة تصدير واستيراد الأدوية ـ مادة تقول إن على التاجر حين استيراد دواء ما أن يؤمن شهادتين، الأولى تسمى شهادة نوعية بلد المنشأ، والثانية تسمى سعر بلد المنشأ. لو اعتبرنا أن دواء ما يباع في فرنسا بسعر 20 يورو، نضيف عليه بعض المصاريف الشرعية مثل ربح الصيدلي والشحن، لا بد أن يرتفع سعره قليلا، لكن في لبنان كثر هم التجار الذين يتلاعبون بالأسعار، يسجل التاجر أضعاف سعر الدواء في بلد المنشأ، ولأن التواطؤ سهل، تحصل صفقات وسمسرة مع الوزارة لزيادة الأرباح بشكل غير شرعي"، ويخلص سكرية إلى القول إن "عدم الأخذ بعين الاعتبار تسجيل سعر الدواء عبر شهادة بلد المنشأ هو أساس الفساد في هذا القطاع".

* التخفيض في الأسعار لحق بالأدوية الرخيصة وغير المتداولة والفاقدة للقدرة العلاجية

وفي ما يتعلق بعهد وزير الصحة السّابق غسان حاصباني، يتحدث سكرية بإسهاب، مؤكدًا ما كان ذكره سابقًا عن أن تخفيض حاصباني لأسعار الأدوية قبل تسليمه الوزارة لخلفه بأيام ما كان سوى "تجليط"، إذ تضمنت الخطوة ـ بحسب النائب السابق ـ تخفيض أسعار أدوية رخيصة الثمن أصلاً، لافتًا إلى أن "نسبة التخفيض في الأسعار كانت بسيطة، أما الأدوية باهظة الثمن التي تم تخفيض سعرها"، فشدد سكرية على أنها "ليست ذات قيمة علاجية، فيما بقيت أسعار أدوية السرطان، السكري، السيلان وغيرها من الأمراض الكثيرة الحدوث باهظة الثمن، مقارنة بأسعارها في الدول المجاورة مثل تركيا".

ويضيف سكرية ""غلوكوفاج" على سبيل المثال هو دواء يعطى لمرضى السكري، كان سعره مقبولا وكان متداولا حتى جاء حاصباني وأقر صفقة واستورد دواء بديلا جديدا سعره 80 ألف ل.ل"، ويتابع ""تيكسيديرا" هو دواء لعلاج مرضى السرطان، لا يزال سعره 3 مليون و117 ألف ل.ل، وكذلك الحال بالنسبة لدواء "ريفيليميد" لعلاج السرطان، والذي لم يشمله التخفيض، وسعره 9 مليون و916 ألف ل.ل، وقِس على ذلك من أدوية السيلان والسكري والأعصاب وغيرها".

حتى الأدوية التي تم تخفيض سعرها، يتناولها سكرية بالقول "إن دواء متل "الإيميورال" والذي كان سعره 240 ألف ل.ل.، وصل بعد التخفيض إلى 25 ألف ل.ل.، وهذا يطرح علامة استفهام كبيرة، فكم كان ربح وزارة الصحة والمستفيدين من التجار من هذا الدواء حين كان سعره باهظا؟".

البطاقة الصحية لكل المواطنين.. "شيك بلا رصيد"

وفي رده على سؤال حول البند الذي تضمنه البيان الوزاري الجديد والمتعلق باستحداث بطاقة صحية شاملة تغطي كل المواطنين اللبنانيين، يبتسم سكرية بسخرية، معبراً عن عدم ثقته بإقرارها وتفعيلها، موضحاً "البطاقة الصحية مصيرها سوف يكون مثل بطاقة المعوقين من عام 2008، آنذاك أجريتُ مداخلة في مجلس النواب وأسميتها شيك بلا رصيد، وحتى اليوم لا أحد يعترف بهذه البطاقة، ومعاناة المعوقين تشهد".

يدعم سكرية موقفه السلبي من إقرار بطاقة ضمان صحي لكل المواطنين بالقول "عندما يكون الحديث عن بطاقة صحية تغطي اللبنانيين، فإن الكلام يرتكز على نقطتين، النقطة الأولى هي التمويل، تمويل هذه البطاقة لمدة خمس سنوات قادمة مفقود، والنقطة الثانية تتعلق بقاعدة انطلاق هذه البطاقة وهي المستشفيات الحكومية، وهذه تعاني من تدهور مستمر على مختلف الصعد، موظفوها لا يتلقون رواتبهم بشكل دوري، في حين أن رؤساء مجالس الإدارة يزدادون ثراء، فضلاً عن الفساد المستشري والمتراكم، كلها عوامل تجعلني أشكك بإمكانية تفعيل بطاقة صحية تغطي كل اللبنانيين".

* تحدي دخول الدواء الإيراني إلى السوق اللبنانية

وفي رده على موضوع دخول الدواء الإيراني السوق اللبنانية، يوضح سكرية أن من حق إيران أن تستثمر في لبنان فيما يخص سوق الدواء، إذ إن "إيران دولة ناهضة أثبتت قدرات عالية في مجالات الصناعة والطب"، لافتا إلى أنه "لا بد من تفعيل المختبر المركزي لإنصاف الدواء الإيراني، إذ إنه سيواجه تحديا في لبنان لجهة وجود جهات سياسية لا ترغب بالتعاون مع إيران في أي من المجالات".

* آلية للنهوض بوزارة الصحة

ومع تسلم وزير الصحة الجديد جميل جبق منصبه، لا يخفي سكرية قلقه من المطبات التي تنتظر الوزير على الطريق، موضحاً أن القضية ليست بطولة شخصية، وأن الوزير لا يحارب الفساد وحده وإنما بتكاتف أعضاء اللجنة الوزارية وتعاون مجلسي النواب والوزراء ككل.

وفي حين يرى سكرية أن الوزير جبق هو ثقة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والذي وعد مراراً بمحاربة الفساد في وزارات الدولة، يلفت النائب السابق إلى أن الأمر أشبه بـ"القبض على الجمر"، معتبراً أن "وزارة الصحة هي من أخطر الوزارات كونها تختصر تركيبة النظام السياسي في لبنان، بطوائفه ومذاهبه"، مؤكدا أن ثمة مطبات في السياسة تشكل تحديات حقيقية أمام الوزير الجديد.

إقرأ المزيد في: خاص العهد