alamana

آراء وتحليلات

المبادرة الفرنسية ولادة متعجلة ومسيرة متعثرة

10/04/2021

المبادرة الفرنسية ولادة متعجلة ومسيرة متعثرة

إبراهيم صالح
المبادرة الفرنسية إلى أين؟ وهل هي في طور "الاحتضار" وفق استنتاج الصحافي الفرنسي الضليع بملف العلاقات الفرنسية ـ اللبنانية جورج مالبرنو؟ ام انها وجدت لتبقى ولن تطوى مهما جرى واستجد؟ واستطراداً ما سر استمراريتها وحضورها في الوسط السياسي والاعلامي على هذا النحو؟

اسئلة تفرض نفسها بقوة مع إعادة الاعتبار أخيراً الى هذه المبادرة ومع استردادها الى دائرة الضوء انطلاقاً من واقعين اثنين:

الأول: تهديد باريس الصريح بانفاذ الجانب الخفي لهذه المبادرة وهو سيف العقوبات على الجهات والشخصيات اللبنانية التي ستدرجها باريس قريبا (ربما الأسبوع المقبل) في خانة المعرقلين للمبادرة عبر إعاقتهم لعملية إستيلاد الحكومة والمتواكب مع كلام فحواه أن العاصمة الفرنسية قد وضعت لائحة بالشخصيات المستهدفة بالعقوبات وربما تكون فاتحة الأمر التشهير بها وفضحها.

ـ الثاني أن الكلام الذي لازم المبادرة منذ لحظة إبصارها النور قبل ثمانية أشهر هي الصيغة الوحيدة والإطار السياسي ـ الإقتصادي الحصري الجاهز لإخراج لبنان من الأزمة البنيوية التي يراوح بها منذ أكثر من عام. لذا فان الكل يدور في فلكها ولا يستطيع الإفلات من جاذبية تأثيرها سواءً إرتضاها ورفعها إلى مقام الفرصة الوحيدة للإنقاذ أم ذمها وإنزالها منزلة مغايرة وإعتبارها أنها تتجاهل الوقائع والمعادلات العنيدة التي فرضت نفسها بعد الإنتخابات الأخيرة، وتعمل لفرض وقائع ومعادلات مختلفة تلغي نتائج تلك الانتخابات وما أفرزته من أكثرية برلمانية.

ربما البعض يعتبر الأمر تكراراً لعرض سردية لظروف نشأة هذه المبادرة وصيرورتها واقعاً لإسترهان اللعبة السياسية اللبنانية. لكن الثابت أنه لا يمكن الإحاطة بهذه المبادرة ومكامن مواطن القوة فيها ومعرفة الحبل السري الذي أمّن لها هذه الاستمرارية من دون اللجوء الى تلك السردية.

معلوم أنه في الرابع من آب/ أغسطس من العام الماضي دّوى ذلك   الإنفجار الرهيب في مرفأ بيروت، لتنجلي بعدها سحابة الغبار السوداء الكثيفة عن ذاك المشهد الكارثي الذي ما زالت الأذهان تحتفظ بصورته المأسوية. وليس جديداً أن ذاك الحدث الجلل قد زاد في منسوب التأزم الحاصل أصلا ً وما نجم عنه من تداعيات

إذا كان   للأمر الكارثي مقدمات ونذر سوداوية تجلت بالإنهيار النقدي والإقتصادي التدريجي وذلك إثر أزمة ندرة الدولار في الأسواق وما أعقبه من رفض المصارف لإعطاء المودعين ودائعهم بالعملة الصعبة، مضافاً إلى الأمر أزمة سياسية كان من فصولها سعي جهات لبنانية وخارجية لإحكام الحصار على حكومة حسان دياب التي ولدت ولادة قيصرية بعد إقدام الرئيس سعد الحريري على إستقالته تهرباً من مواجهة حركة إعتراض وإحتجاج نزلت إلى الشارع فجأة.

على خط ذلك المشهد المثقل بالمآسي والحافل بالخيبات دخلت باريس بقوة، فجأة حضر رئيسها ايمانويل ماكرون إلى بيروت حاملاً معه "جزرة" هي مبادرة متكاملة لـ "الإنقاذ" لا ترد ولا تستبدل وعصاً هي التهديد بعقوبات تنزل على رؤوس النخبة السياسية.

ثلاثة أبوابٍ ولج منها الفرنسي بمبادرته إلى عمق اللوحة اللبنانية المتشابكة والمتعثرة:
 
ـ الأول: ما خلفه إنفجار المرفأ من مآس ٍوويلات وأضاف الى الإنهيارات السابقة إنهيارات مضاعفة.

ـ الثاني: مشهد الوهن في صورة النخبة الحاكمة في بيروت وتفاقم عجزها السابق لاسيما بعد "تقهقرها "أمام هجوم "حراك 17 تشرين".

ـ الثالث: لم يقدم ممثلو القوى الثمانية الممسكة بزمام القرار والسلطة في البلاد الذين  اجتمع  بهم ماكرون على عجل في مقر السفير الفرنسي التاريخي في بيروت (بمحاذاة ميدان سبق الخيل) لم يقدموا دفاعاً قوياً عن أنفسهم وتجربتهم في الحكم، فمارس بحقهم عملية تأنيب تجافي الديبلوماسية وذلك عندما اتهمهم بالعجز والضلوع بشبهة الفساد، مهدداً أياهم بالكشف عن ما جنته أيديهم من نعيم تمرسهم بالحكم طوال أعوام ٍخلت، وملوحاً بفضحها إذما دعت الحاجة ومستثنياً من تلك العملية ممثل حزب الله الذي أقعده مقاماً مختلفاً ومميزاً، وفق ما تشهد وقائع  تلك الجلسة الشهيرة.  

ولم يعد جديداً أنه في مقابل اليد التي حمل فيها ماكرون مبادرته الواعدة حينها تلك حمل معه أيضا رؤية اقتصادية ـ مالية مفصلة تتمثل في ورقة مؤتمر "سيدر" الذي استضافته ونظمته باريس مع الرئيس سعد الحريري سابقاً وانتهى الى نتائج اعتبرت واعدة ومحفزة.

والى هذا وذاك حمل ماكرون ايضا تصوراً للإنقاذ (أربع صفحات) أعد ليكون البيان الوزاري للحكومة المنتظر ولادتها وعنوانها حكومة اختصاصيين مستقلة تماماً عن المكونات السياسية.

ووفق القراءات كانت باريس في حينه تبني منظومة حساباتها على أساس أن الساحة اللبنانية "يتيمة" تفتقد للأب الراعي والولي الوصي بعدما جلا اولئك الذين أدوا ذلك الدور واحداً تلو آخر وآخرهم السعودي، وعلى خلفية ان الطبقة السياسية قسمين الأول لا حول له ولا قوة على الإعتراض والثاني يمكن إستيعابه اذا ما روعيت هواجسه.

بالإختصار كانت باريس على يقين أن بإمكانها ملء الفراغ الحاصل في لبنان بسلاسة ويسر وأريحية، لذا حملت إلى كل ما حملته تركيبة سياسية تضم رئيس حكومة تعرفه وأسماء وزيرين (وقيل ثلاثة) أعدوا ليتولوا وزارات حساسة بينها الطاقة والمال.

لكن أول "ضربة" ذات دوي تلقتها تلك المبادرة وهي في ذروة إندفاعها تمثلت بتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بوزارة المال على أساس أنها مكتوبة على إسم الطائفة الشيعية بموجب ما نصت عليه مضامين إتفاق الطائف غير المكتوبة وسرعان ما تلقت المبادرة صفعة أخرى أتت هذه المرة من الرئيس سعد الحريري الذي ما لبث أن تطوع ليؤيد مطلب بري. وقد اتضح لاحقاً لباريس أن خطوة الحريري ما كانت إلا لضرب روحية المبادرة القائمة على أساس طرح إسم لرئاسة الحكومة السفير مصطفى أديب الذي هو عملياً من خارج "الحريرية السياسية "ومن شأن نجاحه في تشكيل الحكومة بعد حكومة دياب أن يكرس عرفاً وتجربة تخالف تماماً توجهات الحريري.
أما الضربة الثالثة فقد تجلت في تداعي دفاعات أديب وإعلانه العزوف وتفضيله العودة الى مركز عمله كسفير لبلاده في برلين.

على الأثر خرج ماكرون على الملء ليطلق عاصفة إتهامات ضد قوى لبنانية متهماً إياها بتشويه متعمد لجوهر مبادرته وبالتحلل من أبرز مضامينها بعدما وعدوا بالإذعان لها والتجاوب مع مندرجاتها.
 
بعدها انكفأت باريس نسبياً ولم تعد بالهمة اوالدينامية العالية التي بدت فيها استهلالاً لكنها كانت حريصة على إرسال إشاراتٍ تفيد بانها ما زالت على الخط مكررة مطالبة الجميع بالعودة الى تعهداتهم خصوصاً ان وزير خارجيتها حذر صراحةً من ان لبنان ككيان يواجه خطر الزوال ما لم يعد الى جادة الصواب.

ولاحقاً بدت باريس متخلية عن الآمال العراض التي مضت اليها عندما أتت بمبادرتها وبأسم رئيس الحكومة وأسماء معظم الوزراء. بين عشية وضحاها أبدت باريس قبولها بـ "صفقة" عنوانها الحريري رئيساً مكلفاً ليتولى رئاسة حكومة اختصاصيين مستقلين.

الأمر بداية نال استحسان جزء كبير من النخبة الحاكمة ما عدا رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر باعتبار الآتي ضمانة البقاء على الخط وعدم إفلات زمام الأمور من يدها، لكن الثابت أن باريس قد قبلت بأمر واقع عنوانه العريض خلطة بين الماضي أي رئيس حكومة من النخبة الحاكمة والحاضر أي وزراء لاينتمون الى هذه الطبقة.

رأت باريس أن هذا الحل استرضائي لها لكنها حاولت أن تتجاهل أن "هجمتها " فقدت زخمها ومعناها. وبدا جلياً أنها بدأت تعيد النظر بجوهر حساباتها ورهاناتها إنطلاقاً من الآتي:

ـ لقد ثبت لديها أن الطبقة السياسية التي خالتها مستسلمة تملك ارادة المواجهة والدفاع عن مكاسبها ومغانمها وأنها لم تقتنع بعد بخطأ تجربتها وعقم مسيرتها.

ـ ان حكومة تكنوقراط ومستقلين يسميهم الرئيس المكلف حصراً أمر دونه عقباتٍ وأهوالٍ وأزماتٍ مديدة تفتح على صراعات ومخاطر.

ـ أن باريس لم تأت كما ظنت على أرض خالية تبحث عن" أب راع يتعهد ضبط تناقضت مكوناتها، بل أن لبنان قيمة مضافة بالنسبة لحسابات عواصم إقليمية عدة وحسابات واشنطن التي تبين أنها ترفض إعطاء العاصمة الفرنسية تفويضاً بإدارة الملف اللبناني واستغلاله ورقة في حسابات رئيسها الداخلية والخارجية على حد سواء وهو الباحث بدأب عن أوراق قوة تعزز وضعه.

ـ أن فرنسا لا يمكن لها أن تمسك زمام الأمور في لبنان إن هي نجحت باسترضاء هذا الفريق أو إعطاء وعود لذاك الفريق.

قد يبدو استنتاجاً صحيحاً أن المبادرة الفرنسية تبدو فرس الرهان الوحيد الذي يعدو وحيداً في مضمار الساحة اللبنانية من دون منافسة منافس، لكن القوى اللبنانية نجحت بشكل أو بآخر في "تجويف" هذه المبادرة من جوهرها وروحيتها من جهة وساهمت في فرملة إندفاعتها وجعلتها تبدو أحياناً كثيرة كعصفٍ مأكول.

وعليه وإذا كانت باريس قد أبدت علانية إنزعاجها من رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وصنفته على أساس أنه معرقل أول لمبادرتها فإنها استشعرت اخيراً أن الرئيس الحريري نفسه قد بدا في مناخات وحسابات أخرى تجعله يدير الأذن الصماء لمطالب معينة لها.

في كل الاحوال فإذا كانت باريس جادة في الكشف عن لائحة الاسماء اللبنانية التي ستجعلها في دائرة العقوبات التي تتوعد بها فمعنى ذلك أنها أقرت بعجزٍ موصوفٍ عن "تطويع "النخبة السياسية الحاكمة خصوصاً إذما صحت التوقعات بإن شخصيات تنتمي إلى كل الطيف السياسي اللبناني مدرجة على تلك اللائحة.

فرنساايمانويل ماكرون

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة