يوم القدس

 

آراء وتحليلات

لعبة الثلاث ورقات.. بين موكب الفراعنة وسد إثيوبيا

10/04/2021

لعبة الثلاث ورقات.. بين موكب الفراعنة وسد إثيوبيا

أحمد فؤاد

في الاحتفالات والموالد الشعبية القديمة، في القرى المصرية، كانت الفرصة سانحة للنصابين ومن على شاكلتهم لاستغلال لحظات البهجة في مواسم اليأس الطويل، وسرقة قروش صغيرة من جيوب بسطاء الناس وعامتهم، خلال موجات السعادة الزائفة.

انتشرت لعبة تسمى "الثلاث ورقات"، وهي باختصار تحدٍّ لقدرة اللاعب على استخراج ورقة تحمل صورة "سيدة" من بين 3 ورقات لعب "كوتشينة"، بعد أن يكرر النصاب اللعبة مرتين أو ثلاثًا، لشرح سهولتها.. بالطبع قبل أن ينخرط الجميع في الرهان يكون قد استبدل ورقة السيدة بورقة أخرى، ويظل الجميع يدفعون ما بحوزتهم من أموال بسيطة، وفي النهاية يخسر الكل ويربح اللص وحده.

مشهد مماثل جرى، للأسف، أمام أعين العالم، خلال حديث رأس النظام المصري عن أزمة سد النهضة، أعاد التاريخ ربط أخطر صفحات المستقبل كله، بواحدة من اللحظات الهزلية، مسخرة كاملة حدثت على الهواء، في بلد تواجه أزمة حياة.

أراد النظام المصري تجميل الوجه القبيح بالتزامن مع موكب نقل مومياوات فرعونية، فأفرغ شوارع العاصمة المزدحمة دومًا بأهلها، وخرج بحفل مبهر، وكأنها الواقع اليومي الوحيد في البلد، أوركسترا وغناء أوبرالي فخم، في بلد فقد حتى أصواته الجميلة وفنه الرائع، فجاء المشهد سيرياليًا، ثم نزلت ضربة فشل المفاوضات مع إثيوبيا على الجميع كصاعقة، بعد ساعات من الوهم، حانت لحظة الحقيقة، فأذهلت الكل.

بداية، فإن مصر، صاحبة الوزن السكاني الهائل، ما يزيد عن 100 مليون نسمة، تعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل، والتي تبلغ إيرادتها وفقًا للاتفاقيات الدولية السابقة 55.5 مليار متر مكعب، ورغم ذلك، تعاني البلاد من عجز مزمن في موارد المياه يبلغ طبقًا لأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) نحو 25 مليار متر مكعب.

لا يتوافر في مصر من موارد سوى مياه الأمطار، والتي لا تمثل أكثر من 1.3 مليار متر مكعب، والمياه الجوفية الناضبة بسرعة مع كثافة سحبها، وتقدر الموارد من باقي الموارد من صرف زراعي ومنزلي معاد معالجتهما، ومياه جوفية، ومياه بحر محلاة، بنحو 24 مليار متر مكعب فقط.

كان من الرائع أن يقرأ رأس النظام الأرقام، قبل أن يطالب الناس بالترشيد في استهلاك المياه. في مصر لا تستهلك المدن قدرًا ضخمًا من المياه، نحو 77% من المياه تذهب إلى القطاع الزراعي، و12% فقط للاستهلاك المنزلي، ونسبة أخرى 9.9% تذهب إلى حيث يقول تقرير حكومي "استخدامات متنوعة"، وهي بالطبع ملاعب جولف وحدائق الطبقة الجديدة، التي تحصل على ما تريد، ولو خصمًا من حساب الأغلبية الساحقة من السكان.

لم يتوجه الجنرال إلى طبقته بوقف الاستهلاك العبثي من موارد المياه الشحيحة، وبالطبع لن يفكر في التوجه لها مستقبلًا، هؤلاء طبقة الحكام فوق الحكام، لا يُسألون عما يفعلون.

هذا بالنسبة لشكل الخطاب، وجوهر انحيازه الطبقي، في وقت أزمة لا تترك كثير رفاهية للجميع.

أما بالنسبة لجوهر الخطاب السياسي، فقد جاء ضبابيًا، ضعيفًا ومهتزًا، ففي الوقت الذي تحتاج مصر فيه كلها للمصارحة، واستكشاف طريقها لخطوة ثانية حتمية، كان الحديث هشًا، قد تعتبر التهديد والتلويح بالحرب موجهًا لإثيوبيا، أو قد تتيقن من خلال متابعة لخطابات الجنرال أن حديثه التهديدي عن حرب 1962 (التدخل المصري في اليمن)، وحرب حزيران 1967، تهديدًا للمصريين، خاصة وقد استعان بما يعتبرهما هزيمتين عسكريتين.

والحقيقة الوحيدة التي تلح على الذهن والقلب، أن الجيش المهزوم في 1967 كانت أحذية أفراده أشرف من جيش كامب دافيد، ومن جنرالات السلام الدافئ مع العدو الصهيوني، كانوا مهزومين عسكريًا بالفعل، لكنهم على الأقل وقفوا في خندق حق وصدق، ودفعوا بالدم عن بلدهم وأمتهم ضريبة الشرف في ساحات القتال، ولم يتلوثوا باليد الصهيونية المتحكمة، أو الدولار الأميركي صانع حكام اليوم وإلههم الأوحد.

حمّل رأس النظام، والذي وقع منفردًا اتفاقية منحت السد الإثيوبي الشرعية في 2015، الكل مسؤولية الموقف الحالي عدا نفسه، ثورة 2011 على مبارك دائمًا في قفص الاتهام، وسنة وحيدة حكم فيها الراحل محمد مرسي شكليًا دون سلطات فعلية، كلها مسؤولة عن أزمة النيل، لكن الجنرال الذي كان يشغل في 2011 منصب مدير المخابرات العسكرية، ثم وزيرًا للدفاع منذ 2012، فنائب لرئيس الوزراء وحاكم فعلي في يوليو 2013، ثم رئيس بصلاحيات لا محدودة ولا منقوصة في يونيو 2014، لا يتحمل منها شيئاً.
هل سمع أحد عن جيش أو وطن انتصر بهكذا قائد!

مصرأثيوبياسد النهضة

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة

خبر عاجل