آراء وتحليلات

تدويل الأزمة: بين الدور المريب وأخذ لبنان إلى المجهول

11/03/2021

تدويل الأزمة: بين الدور المريب وأخذ لبنان إلى المجهول

د. علي مطر

لا شك أن لبنان عصيٌ على محاصرته وكسر أهله، ولا شك أيضًا أن أي محاولة للتدويل تعني إحتلاله من قبل قوات متعددة الجنسيات، ولا يزال تاريخ دخول القوات الدولية في ذاكرة اللبنانيين، بعد أن دخلت إلى بيروت عقب الاجتياح الإسرائيلي قوات أميركية وبريطانية وفرنسية تحت مسمى "قوات حفظ السلام الدولية" وكان هدفها دون مواربة هو تمهيد الطريق لإسرائيل لتثبيت قواتها في بيروت، لكن اللبنانيين كانت لهم كلمة أخرى من خلال مواجهة هذه القوات، التي تعرضت إلى انفجار هائل ما أدى إلى انسحابها في بداية 1984 من لبنان، بعد أن بقيت فيه 18 شهرًا، وهنا قد يسأل البعض لما هذا التمهيد، لكن هذه المقدمة ضرورية للتذكير بمخاطر المطالبة بتدويل الملف اللبناني، وكشف لبنان أمام قوات محتلة تحت مسميات مختلفة.

اليوم يعود البعض إلى طرح فكرة التدويل على اعتبار أن لبنان إعتاد التعايش معها منذ العام 1978، إذ أن الأمم المتحدة تحركت وأرسلت قوات الطوارىء الدولية (اليونيفل) إلى جنوب لبنان رداً على الاجتياح الإسرائيلي له آنذاك، في مهمة حفظ سلام لا تزال مستمرة حتى اليوم،p/ وبصيغة معززة بموجب القرار 1701، الذي أقره مجلس الأمن في نهاية عدوان تموز 2006، إلا أن هذه الدعوة مختلفة تماماً عن فكرة فض الاشتباك او مراقبة الحدود كما هو دور اليونيفيل.

فالتدويل الذي تدخل فيه مصطلحات الشرعية الدولية والمرجعية الدولية والبعد الدولي، يعني بشكل عام أن تصبح الأزمة السياسية الراهنة في لبنان محل اهتمام واختصاص وتدخل الأمم المتحدة ومنظماتها وهيئاتها المتخصصة، أو تحت رعاية دول محددة كالولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، علمًا أن معظم الأزمات التي تم تدويلها أدت إلى خراب البلدان التي كانت تعاني منها، ولا تزال سوريا كبلد تحولت أزمته إلى أزمة دولية شاخصة أمامنا نتيجة تدخل الغرب فيه ودعمه للمعارضة المسلحة تحت حجج متعددة، ومثله العراق وأفغانستان، وبالتالي فإن هذا التدويل يعني طرح الأزمة اللبنانية أمام مجلس الأمن الدولي، ومحاولة استصدار قرار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على اتخاذ "إجراءات قسرية" في حال كان السلام مهددًا، وتتراوح بين العقوبات الاقتصادية واللجوء إلى القوة.

ما هو الفصل السابع؟

بحسب المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة يعني الفصل السابع أن مجلس الأمن يقرر ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقًا لأحكام المادتين 41 و 42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

ووفق المادة 41 فإن لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء "الأمم المتحدة" تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية.

ويحق للمجلس وفق المادة 42 إذا رأى أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء "الأمم المتحدة".

المسوغات والأهداف للتدويل

كما يبين ميثاق الأمم المتحدة فإنه يسمح تحت بند الفصل السابع بممارسة الضغوط على بلد لإجباره على الإلتزام بالأهداف التي حددها مجلس الأمن، قبل أن يتم تطبيق إجراءات قسرية. كما ينص على هذه الإجراءات في "حال تهديد للسلام أو فسخ لمعاهدة سلام أو شن هجوم". وتتراوح الإجراءات بين "العقوبات الإقتصادية والعقوبات الأخرى التي لا تشمل اللجوء إلى القوة المسلحة من جهة والتدخل العسكري الدولي"، وذلك يؤدي إلى أدخال قوات متعددة الجنسيات إلى لبنان.

ومع أنه لا يوجد مسوغات لهذه الدعاوى بإدخال لبنان تحت الفصل السابع، حيث أن الأزمة اللبنانية الراهنة، تدخل في إطار الأزمة الداخلية، ويمكن حلّ الأمور داخلياً، فلا يستقيمُ قانونياً طلب تطبيق الفصل السّابع من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن هناك أصوات شاذة تدعو إلى جعل لبنان تحت الفصل السابع من أجل مصالح خاصة، أو تدويل الأزمة عبر طلب تدّخل من الولايات المتحدة من خارج سياق الأمم المتحدة، والهدف من ذلك بات معروفًا هو محاصرة فريق من اللبنانيين، ومنذ بداية الأزمة اللبنانية نرى أن هناك فريق يقوم بتعقيد هذه الأزمة من أجل الوصول إلى هذه اللحظة الخطرة بتاريخ لبنان.

ومن المؤسف أن تصدر هذه الدعوات من شخصيات لها ثقلها الديني والسياسي، مثل البطريرك الماروني بشارة الراعي أو شخصيات أخرى دعت إلى تدويل القضية اللبنانية، والتي بدأ لبنان ينقسم نتيجتها بين مؤيد لها، ومعارض، كونها دعوة للخراب والحرب واستدراج الخارج للاعتداء على لبنان.

ومن المؤسف أيضًا والمستغرب أن تلعب وسائل إعلامية لبنانية، دورًا معاكسًا للمصلحة الوطنية من خلال إبراز هذه الدعوات، وتركز بشكل دائم عليها بشكل يكشف لبنان أمام الخارج، وللأسف فقد تحولت مهنة الصحافة والإعلام لدى البعض من مهنة الصدق وإبانة الحقيقة إلى مهنة تشويه لحقائق والكذب على الناس واستخدام البروباغندا لجذب المشاهد وزرع الأفكار المغلوطة في عقول المتلقين، حيث تشارك هذه الوسائل بشكل أو بآخر لمصلحة دول خارجية ببث الفتنة بين اللبنانيين، وتشويه الصورة لشريحة كبيرة من الشعب اللبناني، والمشاركة في محاولات تدويل الأزمة رغم احتمالات تخريب لبنان لمصلحة العدو الإسرائيلي أو لشن حرب بالوكالة عن العدو الإسرائيلي تحت شعار قوات دولية، وبالتالي أخذ لبنان نحو المجهول وإدخاله في اتون الفتنة.

 

النظام اللبنانيالتدويل

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات