انتصار ايار

خاص العهد

حكومة العهد الأولى..مهام كبيرة على "لائحة" الانتظار

14/02/2019

حكومة العهد الأولى..مهام كبيرة على "لائحة" الانتظار

فاطمة سلامة

يُصر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على إطلاق تسمية "حكومة العهد الأولى" على حكومة  العام 2019. فعندما شُكّلت حكومة الرئيس سعد الحريري في كانون الأول/ ديسمبر 2016، قيل وقتها بأنها لن تحمل عصا سحرية لحل المشكلات، على اعتبار أنها حكومة انتخابات. بمعنى آخر، لن يعوّل عليها لمعالجة الأزمات والملفات الكبرى. المهمة الأساس المطلوبة منها تتمثّل في إقرار قانون انتخابي جديد، والعبور بالاستحقاق الانتخابي. أما اليوم، وفيما تقف الحكومة العتيدة على بعد أيام من نيلها الثقة. يكثر الحديث عن مهام وتحديات جمّة تنتظر انطلاقة قطار الحكومة التي اتخذت "الى العمل" شعاراً. والتي افتتحت بيانها الوزراي بعبارة "نريدها حكومة أفعال لا حكومة أقوال". وهي عبارة جميلة جداً في الشكل، تُرفع لها القبعة في بلد كلبنان، مع أنها أمر بديهي، وواجب في أي دولة. وستكون بطبيعة الحال أجمل إذا ما اقترنت الأقوال بالأفعال.

وإذا كانت النوايا قد عُقدت فعلاً لوضع وتنفيذ خارطة عمل تُسهم قدر المستطاع في تغيير واقع اللبنانيين الذي لامس حد الدرك الأسفل، فإنّ ثمّة مهام واسعة تنتظر هذه الحكومة، في بلد يعيش قاطنوه من "قلة الموت". مهام متشعّبة جلها اقتصادي، وبعضها إصلاحي انطلاقاً من المناشدات المتكررة لوضع حد لواقع معيشي يحتضر. فما أبرز المهام التي تنتظر الحكومة؟

لدى مقاربة هذه القضية، ثمّة من يرى أنّ الحديث سابق لأوانه. وزير الاقتصاد الجديد منصور بطيش يُفضّل عدم الخوض بأي بحث من هذا النوع قبل حصول الحكومة على الثقة. فالحديث في هذا الجانب متشعب وسيطول. وثمّة نوع آخر أوصلته التجربة المريرة مع الحكومات السابقة الى حقيقة واحدة: "الحكومة العتيدة ليست بوارد معالجة قضايا جوهرية وبشكل فعال لهذا البلد". الكلام المذكور للوزير السابق جورج قرم الذي ملّ شعارات رنانة، وهو الذي يملك مقاربة خاصة تقوم على استحالة التغيير في الوضع الحالي الصعب، طالما لا تزال المحاصصة والزبائنية والطائفية تأسر النظام اللبناني. برأيه، فإنّ "فلسفة المقاربة الاقتصادية للقضايا في لبنان ليست صحيحة بل يجري علاجها بعقلية "مغلوطة". والمؤسف أنّ هناك وضعاً صعباً وصل اليه اللبنانيون، فيما يكمل المسؤولون حياتهم بشكل طبيعي وكأن شيئاً لم يكن".

لا يرى قرم باباً لنجاح الحكومة في تنفيذ مهامها سوى "بقلع النظام الطائفي "المجنون" من جذوره، واستبدال طاقم الحكم بآخر لا مصالح لديه في البلد. فلبنان منذ اتفاق الطائف تقريباً لطالما نبّه الى مخاطر نظام المحاصصة، إذ إن المسؤول في الدولة هو نفسه من الشخصيات النافذة مالياً واقتصادياً في البلد، وهذه مشكلة المشكلات".   

شمس الدين: ملفات كبيرة وضخمة

الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين يُسهب في الحديث عن أبرز المهام التي تنتظر الحكومة، فيلفت الى وجود ملفات كبيرة وضخمة وهي ليست وليدة عام وعامين، بل تراكمت على مدى عقود منذ عام 1990 تاريخ إنهاء الحرب وحتى اليوم. ويوجز شمس الدين أبرز الملفات بالآتي:

أولاً: خدمة الدين العام

يُشدّد شمس الدين على أنّ تنامي الدين العام يُشكّل تحدياً مهماً للحكومة الجديدة، بعد أن وصل الى 86 مليار دولار، وتترتب عليه فوائد سنوية تقارب الـ6 مليارات ليرة، وهذا الأمر أحدث عجزاً في موازنة الدولة. فمثلاً عام 2018 بلغ العجز 21 بالمئة، ومع انتهاء العام وتنفيذ الموازنة وصل الى 35 بالمئة. بالنسبة لشمس الدين، فإنّ إيرادات الدولة تكاد لا تكفي لدفع فوائد الدين ورواتب وتعويضات الموظفين والعاملين والمتقاعدين. فكل ما تريد الدولة القيام به من مشاريع كهرباء ومدارس واستشفاء، عليها أن تستدين لتأمين التمويل. ومن هنا يرى المتحدّث أن على الدولة فعل شيء ما لخفض هامش الدين العام عبر مسارعتها لاتخاذ قرار جريء مع المصارف.

ثانياً: توفير فرص عمل

يعتبر شمس الدين أنّ توفير فرص عمل للبنانيين يجب أن يكون الشغل الشاغل للحكومة الجديدة بموازاة نسبة البطالة العالية التي نشهدها في مختلف المناطق. برأيه، فإنّ القطاع الخاص عاجز عن تأمين فرص عمل كافية، وهناك ما يقارب الـ25 بالمئة من القوى عاطلة عن العمل.

ثالثاً: توفير الكهرباء والمياه وتأمين بنى تحتية سليمة

يشير شمس الدين الى أن الهدف الذي وضعته الحكومة بتأمين الكهرباء 24/24 في متن بيانها الوزراي يشكل هدفاً صعباً، ويحتاج تنفيذه الى وقت، فالحكومة لا تملك عصا سحرية لحل الأزمات وإنهاء المشاكل الكبيرة. تماماً كما أنّ أزمة النفايات تحتاج الى سنوات لحلها.

وفيما يتعلّق بمشاريع البنى التحتية، يُنبّه شمس الدين الى أنّ مبلغ الـ17 مليار دولار  القروض التي سيأخذها لبنان من "سيدر" لن يؤمل عليها إذا لم تصرف على البنى التحتية بطريقة منطقية وتلزّم المشاريع الى الجهات الصحيحة، خصوصاً بعد أن صرف 20 مليار دولار على البنى التحتية التي "عرّتها" العواصف وكشفت هشاشتها.

رابعاً: تقليص النفقات ومواجهة الهدر

يؤكّد شمس الدين أنّ هذه النقطة بالذات يجب أن تُشكل "أولوية الأولويات". فمع السعي لتنفيذها نكون قد بدأنا مهامنا بطريقة صحيحة. لشمس الدين مقاربته الخاصة في هذا الملف. من وجهة نظره، لا بد أن تبدأ معالجة الهدر من شكل الحكومة، وذلك بأن لا تكون "فضفاضة" مُطلقاً. بدل أن يكون هناك 30 وزيراً، لا ضرر إذا ما شكلت من 14 وزيراً. بالنسبة اليه، لا حاجة مطلقاً لكل وزراء الدولة، فهناك 126 وزيراً للدولة منذ الاستقلال حتى اليوم كلفوا خزينة الدولة 20 مليار ليرة، باستطاعتنا استثمارهم بما يفيد لبنان. يسأل: ماذا أنجز وزراء الدولة في الحكومة الأخيرة مثلاً؟!. وفق حساباته، فإنّ وزراء الدولة الجديدة سيكلفون خزينة الدولة أموالاً باستطاعتنا استخدامها لحل أزمات معينة، ولو كانت بسيطة.

يلفت المتحدّث الى أنّ وزير الدولة مثله مثل الوزير الذي يمتلك حقيبة معينة لجهة المكتب الخاص الذي يملكه والذي تتحمّل نفقاته الدولة، ولجهة الرواتب وغيرها.

كما يضيئ شمس الدين على نقطة مهمة تتمثل في البدلات المرتفعة التي تتكبدها خزينة الدولة إزاء الأبنية الحكومية التي تستأجرها. بعضها باستطاعتنا الاستغناء عنه بكل سهولة. فمبنى "الاسكوا" مثلاً يُكلّف استئجاره 15 مليار ليرة سنوياً، في وقت بات فيه عدد موظفيه محدوداً ولا حاجة الى مبنى بهذا الحجم، لكن لا إمكانية للتخلي عنه لأنه يفيد شركة "سوليدير".  

يُشدّد شمس الدين على أنّ الحديث يطول لدى تناول الملفات التي تنتظر الحكومة، لكنّه يوضح في المقابل أننا لا نستطيع أن نتوقّع شيئاً كبيراً ونوعياً من هذه الحكومة، خصوصاً أن التجارب أثبتت أنّ البيانات الوزارية السابقة لم تكن سوى حبرا على ورق، ووعودا وإنشاءات لم تفلح في حل المشكلات المزمنة، خصوصاً أن الأكثرية النيابية هي التي اختارت الحكومات، وبالتالي لا مجال لطرح الثقة بها في حال لم تنجز المهام المطلوبة منها.

حبيقة: لإصلاح المدارس الرسمية

الخبير الاقتصادي لويس حبيقة يوجز المهام التي تنتظر الحكومة بقطاعين أساسيين:

- قضايا ذات صلة بقطاع البنى التحتية والطرقات، والكهرباء، فضلاً عن ضرورة إصلاح وضع المطار الكارثي.

- قضايا ذات صلة بالمواضيع الاجتماعية، وضرورة إصلاح وضع المدارس الرسمية والمستشفيات الحكومية، وتأمين الاستشفاء للمواطنين.

مما لا شكّ فيه أنّ الملفات تزدحم على طاولة الحكومة الجديدة. ملفات عمرها عقود، وازدادت تعقيداً مع الإهمال الذي عصف بمؤسسات الدولة، فيما قنوات الهدر والفساد فُتحت بلا مساءلة أو محاسبة. ملفات تستدعي حالة طوارئ حكومية لانتشال البلد من واقع مرير، عسى ولعلّ الحكومة تفلح في ذلك، وإنّ غداً لناظره قريب.

إقرأ المزيد في: خاص العهد