لبنان

جمود على مستوى التأليف.. معيار 2016 أو لا حكومة

23/02/2021

جمود على مستوى التأليف.. معيار 2016 أو لا حكومة

بقي الشأن الحكومي في رأس الاهتمامات، واستمرت المناوشات على أكثر من صعيد على الساحة الداخلية، دون حدوث خروقات أو ظهور بصيص نور في هذا النفق المظلم.
وفي كل يوم تزداد الأزمات التي تضع احمالها على رأس المواطنينن، من الأزمة المعيشية وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، مرورا بسعر الدولار المتصاعد ولحاق الأسعار به، وغيرها من مشكلة الطلاب في الخراج إلى أهالي ضحايا انفجار المرفأ.. وملفات لا تكاد تنتهي.


"الأخبار": الحريري - باسيل: معيار 2016 أو لا حكومة

بعد السجال المتبادل بينه ورئيس الجمهورية ميشال عون قبل أسبوعين، أتى السجال الأحدث مع النائب جبران باسيل، مباشرة وبالواسطة، كي ينبئ بتعذّر تمكّن الرئيس المكلف سعد الحريري من تأليف حكومته في مدى قريب.

على التوالي أبرزت مواقف الرئيس المكلف سعد الحريري في 14 شباط، ثم رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في 21 شباط، أن من الصعوبة بمكان توقّع إبصار حكومة على النحو الذي يتصوّره كل منهما لها. ليس اشتباكهما الاخير الا صورة مكمّلة لذاك الدائر في قصر بعبدا بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري على المادتين 53 و64 من الدستور، والنطاق المحدد لكليهما في مراحل تأليف الحكومة. الواضح ان الاشتباكين المتوازيين، الدستوري والسياسي، لا يقتصران على تأليف حكومة اختصاصيين لمهمة محددة في ستة اشهر كما يقول الرئيس المكلف، بل يتجاوزانها الى سبل ادارة السنتين الاخيرتين من العهد، بل على النحو ادق، الى المرحلة التالية لانتهاء الولاية كي يكونا الحاضرين الفعليين على ارضها. وقد يحمل هذا التوقّع البعض على القول ان الاشتباك الدستوري واجهة للاشتباك السياسي ليس الا.
الاهم المعلوم في ذلك، الذي لا يقتصر على عون وباسيل، ان لا يسمح للحريري بأن يكون «السياسي» الوحيد في حكومة اختصاصيين في الحقبة الغامضة المقبلة.

ليس خافياً أن كلاً من الحريري وباسيل يعوّل على ظهير داخلي حديدي يدعمه في المواجهة قبالة الآخر. المفارقة الاولى ان هذا الظهير هو الثنائي الشيعي: الرئيس نبيه برّي ظهير الرئيس المكلف، وحزب الله ظهير رئيس التيار الوطني الحر. بذلك تنشأ مفارقة ثانية هي ان الثنائي يدير توازن الصراع القائم ما بين الرجلين دونما تغليب احدهما على الآخر، ودونما ان يتسبب هذا «التواطؤ» الشيعي، الايجابي في ظاهره، في خلاف ما بين برّي والحزب. وفّرا المساكنة ما بين الطرفين، وتركا للاشتباك الدستوري إمرار الوقت. فيما عُدّت مبادرة رئيس البرلمان أنها تضمر تأييداً للحريري، بَانَ وقوف الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله في كلمته الاخيرة الى جانب رئيس الجمهورية.
مع أنه مصر على تأليف حكومته كما يتصوّرها هو وبشروطه، لا يُحسد الرئيس المكلف على ما هو عليه الآن، من غير أن يُعدّ مهزوماً بعد في معركة قد تكون طويلة. منذ تكليفه يكون انقضى حتى أمس اربعة اشهر. مدة اعتاد الحريري أرقاماً مشابهة لها. حكومته الاولى (2009) احتاجت الى 135 يوماً، والثانية (2016) الى 45 يوماً، والثالثة (2019) الى ثمانية اشهر وستة ايام. ومن غير المستبعد ان تسجل رابعة حكوماته الرقم القياسي في ظل العناد المتبادل على شروطه، كما شروط رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر.

في ظاهر ما يحدث الآن أن الخلاف الناشب هو على التوزير المسيحي، مع ما يتفرّع منه، المرتبط بحصتي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف ومَن يسمّي الوزراء المسيحيين ومَن يوافق او لا يوافق، وتوزّعهما الحقائب. أفصح رئيس الجمهورية عن المشكلة بداية، ثم جهر بها ضمناً الحريري في خطاب 14 شباط، قبل أن ينضم الى الحملة باسيل في 21 شباط تحت عنوان عريض، ربما لم يكن يحتاج الى مثل هذا الاتساع، هو حقوق المسيحيين.
منذ مطلع العهد، في الحكومتين الاوليين اللتين ترأسهما الحريري، كان هذا الموضوع في صلب خلافه مع باسيل من غير ان يطفو الى السطح، بعدما حجبته التسوية الرئاسية التي أبرماها.

في حكومة 2016، لم يسع الحريري الحصول على وزير مسيحي ثان (غطاس خوري بعد جان اوغاسبيان) الا بعد تخليه عن مقعد سنّي انتقل الى التيار الوطني الحر (طارق الخطيب). حينذاك توزّعت المقاعد المسيحية الـ13 الاخرى على التيار الوطني الحر (9 وزراء) وحزب القوات اللبنانية (3 وزراء) والمردة (وزير واحد). في الحكومة الثانية عام 2019 حصل التيار على الحصة الكبرى (9 وزراء) وتقاسم الافرقاء المسيحيون التوزير المسيحي المتبقي (4 وزراء لحزب القوات اللبنانية ووزير للمردة). اما المقعد الاخير، وكان ارثوذكسياً حلت فيه فيوليت خير الله، فكانت له قصة: طلب الحريري مقعداً مسيحياً في مقابل تنازله عن مقعد سنّي ذهب الى حسن مراد ممثل اللقاء التشاوري السنّي المناوئ لرئيس تيار المستقبل. على صورة ما حدث في مقايضة 2016، دار التفاوض: مقعد في مقابل آخر. إصرار الحريري على خير الله وزيرة مسيحية يعوّض ما خسره - وكان هذا الذي خسره حتمياً تحت وطأة ضغوط حزب الله الداعم للقاء التشاوري - حتّم عقد اجتماع بينه وباسيل في حضور المرشحة للتوزير وزوجها الوزير السابق محمد الصفدي انتهى الى اتفاق مفاده الآتي: توزَّر خير الله في حصة الرئيس المكلف في مقعد ارثوذكسي على ان تُحسَب في الوقت نفسه في حصة التيار الوطني الحر، بما يعني انها تمثل تقاطعاً ما بين الاثنين. في حال نشوء خلاف في مجلس الوزراء ما بين كتلتي المستقبل والتيار الوطني الحر - وتعهد الحريري وباسيل أن لا يختلفا - تصوِّت الى جانب الثاني. لذا قيل حينذاك إن كتلة باسيل في حكومة الحريري ضمّت اكثر من الثلث+1. عُدّت مؤلفة من 11 وزيراً و1/2: 9 وزراء مسيحيين لباسيل + مراد + صالح غريب + خير الله. أما المقاعد المسيحية الخمسة الاخرى فذهبت الى حزب القوات اللبنانية (4 وزراء) والمردة (وزير واحد).
في ما جرى ابان تأليف حكومة 2019، تساءل الحريري في مفاوضاته مع حليفه اللدود وقتذاك باسيل: أنا رئيس حكومة لبنان، ألا يسعني تسمية وزير مسيحي واحد؟ كان والدي يسمّي اكثر من وزير مسيحي.
أجيب: بلى، في مقابل التخلي عن مقعد سنّي.
احتج ايضاً على حصول حزب القوات اللبنانية على اربعة وزراء، فيما يُحرَم هو من وزير مسيحي مجاناً.

صحّت الوقائع تلك في خلال تأليف حكومة وحدة وطنية، تشارك فيها الكتل النيابية تبعاً لأحجامها. وهو ما حدث مع حكومتي 2016 و2019. على ان ما يستعيدها الآن، اعتقاد رئيس الجمهورية، كما رئيس التيار الوطني الحر، أن ثمة قاعدة ثُبّتت في مطلع العهد، متجاوزة سلفاً أحجام الحكومات التالية في العهد الذي سيرافقه طوال مدته الحريري كما أرست التسوية الرئاسية. قالت القاعدة تلك، وطُبّقت بانتظام في الحكومتين الاوليين بموافقة الحريري رئيسهما ورضاه بدليل إبصارهما النور تبعاً للمتفق عليه: يُسمّي المسيحيون وزراءهم مثلما يُسمّي الافرقاء الآخرون وزراءهم وفق الاحجام السياسية القائمة، مع تأكيد حصة رئيس الجمهورية.

حكومة ما تبقى من العهد لا حكومة اختصاصيين

في ظل حكومة اختصاصيين على نحو ما يدور الآن، لم يتغيّر سوى القليل مع ثبات القاعدة في حسبان رئيس الجمهورية على الاقل: ما دام حزبا الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والمسيحيون المستقلون لن يتمثلوا في حكومة اختصاصيين، لرئيس الجمهورية - صاحب التوقيع الدستوري الاخير - أن يسمّي وزراء الطائفة، الى الحصة المعروفة المحددة للمردة. في اجتماعاته مع عون، حمل الحريري لوائح في الحصة المسيحية التي يريدها لنفسه كونه هو الذي يؤلف حكومة اختصاصيين لا مكان فيها لوزراء حزبيين او سياسيين: مرة يريد خمسة وزراء - اكثر من نصف الحصة - ومرة يريد الوزراء التسعة جميعهم، ومرة هو الذي يسمّي لرئيس الجمهورية وزراءه.

يحدث ذلك كله بعد حصول الخلل الاول والاهم والأفظع في المبادرة الفرنسية، اذ يجرّدها من مغزاها الفعلي: حكومة اختصاصيين يترأسها غير اختصاصي بشهادة التدهور المريع في شركاته ونجاحاته الاقتصادية والمالية، ورئيس حزب هو ايضاً رئيس كتلة نيابية كبيرة وأحد الذين اشترط الرئيس ايمانويل ماكرون إبعادهم عنها، ومسؤول كبير هو ونظراؤه - وماضي المدرسة التي يتسلح بها - في مقاعد الصف الاول المتهمون بانهيار الدولة وتفشّي الفساد فيها وتخريبها وإفلاسها.

 

"الجمهورية": الحريري عاد نافياً حكومة الـ 20

يبدو انّ لبنان سيبقى لفترة غير محددة بسقف زمني، مضبوطاً على إيقاع التوترات السياسية والتجاذبات المانعة لتأليف ما اصطلح على تسميتها «حكومة العهد الاخيرة»، والتي تَشي جولات الاشتباك السياسي الدائر حولها بأنّ كل طرف معني بها يحاول ان يجعل منها فرصة لتعزيز عناصر القوة سواء المتصلة بالعمل الحكومي في المرحلة المقبلة، او ما يتصل بالاستحقاقات المقبلة، النيابية والبلدية والرئاسية.

على أنّ صورة المشهد الداخلي في هذه المرحلة تَشي بجمود ملف التأليف ضمن دائرة السلبية الشديدة، المقفلة على اي ابواب او نوافذ للمخارج والحلول، خصوصاً انّ لغة التراشق من خلف المتاريس السياسية بين بعبدا و»بيت الوسط» توحي بوجود ما يشبه قراراً نهائياً وحاسماً بين أطراف الاشتباك الحكومي بعدم التراجع امام الآخر، وكذلك التمسّك بما تعتبرها هذه الاطراف شروطاً مُلزمة للطرف الآخر، من دون الركون اليها وتلبيتها لانطلاقة للحكومة الجديدة، وبالتالي الاستمرار في هذا النزاع مهما كانت أكلافه على البلد.

وفي معلومات «الجمهورية» من مصادر موثوقة عاملة على الخط الحكومي، فإنّ إشارات وردت في الساعات الاخيرة من باريس تحديداً تعكس تلقّفاً سلبياً للاخبار الواردة من بيروت واحتدام السجال السياسي بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه، والرئيس المكلف سعد الحريري وفريقه، وهو أمر يُضفي على الأزمة اللبنانية مزيداً من التعقيد ويجعل من الصعب ان تحتويها اذا ما دخلت مرحلة التفاقم الذي تتجه اليه بسرعة، ومع الأسف بدفع متعمّد من قبل بعض القيادات اللبنانية، التي تؤكد بالمنحى الذي تسلكه انتهاجها سلوكاً مناقضاً بالكامل لِما تهدف إليه المبادرة الفرنسية، وتعطّل فرصة وضع لبنان على سكة الانفراج.

على أنّ اللافت للانتباه في تلك الاشارات، هو استغراب ما يلجأ اليه بعض القادة في لبنان الى رَمي مسؤولية تعطيل تأليف حكومة المبادرة الفرنسية على جهات خارجية، وهو أمر مُجاف للحقيقة، ويعكس بشكل لا يرقى إليه الشك محاولة من قبل هؤلاء للهروب الى الامام، والتغطية على مسؤوليتهم في منع حصول انفراج على خط الحكومة وتشكيل حكومة برئاسة الحريري تُسارِع الى المباشرة في برنامج الانقاذ المحدد في المبادرة الفرنسية، الذي يلحظ بشكل واضح وصريح تشكيل حكومة اختصاصيين من غير السياسيين او الحزبيين، ومتوازنة ومتفاهَم عليها بين القادة اللبنانيين، ولا غلبة فيها لطرف على طرف. (هنا اشارة واضحة الى عدم حصول أي طرف على الثلث المعطّل في هذه الحكومة).

الّا انّ أهم ما في تلك الاشارات، على ما تقول المصادر الموثوقة، هو ان لا وجود لأيّ مانع، او عقدة من خارج من شأنها أن تعطّل تشكيل الحكومة، بل على العكس، خصوصاً انّ الحراك الأخير الذي قام به الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، سواء في اتجاه الولايات المتحدة الاميركية وكذلك في اتجاه عدد من الدول العربية، والخليجية على وجه الخصوص، عكسَ تأييداً كاملاً للمسعى الفرنسي، ورغبة لدى كل هذه الدول في ان ينعم لبنان بالاستقرار السياسي والحكومي.

وتزامنت تلك الاشارات مع تحذيرات متجددة للبنان نقلها مسؤولون في بعض المؤسسات المالية الدولية، وتحديداً البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، عن حاجة لبنان الى الاستقرار السياسي في هذه المرحلة، بما يفتح المجال لتفرّغ لبنان لبدء مسار طويل أمامه في مواجهة تداعيات الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف به، خصوصاً انّ استمرار الوضع على ما هو عليه سيوصِل لبنان وفي وقت لم يعد بعيداً الى وضع إفلاسي شديد الصعوبة ويصبح ميؤوساً منه بالكامل، بحيث تستحيل معه اي فرصة لإنقاذه، علماً انّ لبنان قد بات على مقربة لكي يُخرَج من دائرة التصنيفات السلبية التي وصل الى أدناها.

في هذه الاجواء، اكدت مصادر ديبلوماسية عربية لـ»الجمهورية» انّ حركة بعض السفراء العرب في بيروت في الفترة الاخيرة صَبّت كلها في إطار توجيه رسالة صريحة وواضحة الى الاشقاء في لبنان لكي يغلّبوا مصلحة لبنان على اي مصالح اخرى سياسية او فئوية، ورفع كل العوائق التي تعطّل حتى الآن تشكيل الحكومة، خصوصاً انّ الجو الاقليمي والدولي مؤاتٍ حالياً لكي ينطلق لبنان في هذا الاتجاه مستفيداً من دعم المجتمع الدولي له واستعداده لتقديم مساعدات له فور شروعه في الاصلاحات، وفي الوقت نفسه مستفيداً من وقوف الدول العربية مجتمعة الى جانبه، وقرارها بعدم التخلّي عنه. وهذا ما سيلمسه بالمَحسوس مع استقرار الوضع الحكومي.

وكشف مرجع مسؤول لـ»الجمهورية» انّ الديبلوماسية العربية ناشطة في اتجاه لبنان في هذه الفترة، خلافاً للفترة السابقة، مع نصيحة بأن يُسارع لبنان الى ملاقاة الايجابيات التي يجري بناؤها على المستوى الاقليمي والدولي، بتشكيل حكومة من شأنها أن تقطف ثمار هذه الايجابيات. وتعكس تلك الحركة استغراباً من حال المراوحة في السلبية في لبنان، وعدم الاقدام على بلورة حلول مشتركة تُفضي الى تفاهمات بين اللبنانيين في وقت تُنذر أزمة لبنان بسلبيات لا يمكن تقديرها اذا ما استمرت في حال التفاقم الذي يتعاظم أكثر فأكثر.


وقال المرجع لـ»الجمهورية»: «لقد سبق لي أن قلت وأكرر اليوم: مع الاسف كل دول الخارج خائفة على لبنان، الا اللبنانيين الذين يتعاطون مع هذا البلد وأزمته وكأنه عالم غريب. ومع الأسف ما زلنا خارج سكة الحلول، واكثر من ذلك، ندفع بقاطرة الحلول الى «المهوار» أكثر فأكثر».

الى ذلك، قالت مصادر عاملة على الخط الحكومي لـ»الجمهورية» انه «على رغم من الانسداد الحاصل في الافق الحكومي، فإنّ ثمة نقطة ضوء ما زالت تبدو في نهايته. ذلك أنّ جميع الاطراف أعطوا كل ما عندهم، وذهبوا الى آخر سقوفهم وبالتالي لم يعد لديهم ما يصعّدون به أكثر، وبالتالي هم وصلوا الى نقطة لن يكون امامهم سوى ان يتراجعوا، إن لم يكن عاجلاً فآجلاً إنما ليس في وقت بعيد».

ولفتت هذه المصادر الى «انّ الامور في ملف التأليف صعبة جداً، الّا انها ليست مقفلة، فهناك جهود تُبذل لفتح ثغرات ونوافذ على حلول وسطية، إنما ليس في الامكان القول الآن انها حققت تقدماً». وجزمت في «انّ جميع أطراف تعطيل الحكومة محشورون، وثبت بالملموس ان لا قدرة لأيّ منهم على أن يُملي موقفه على الآخر، او أن يغلب الطرف الآخر. وبالتالي، فإنّ السجالات السياسية القائمة في ما بينهم ما هي سوى لعب في الوقت الضائع، و»فشّة خلق» وتسجيل مواقف سياسية وشعبوية أشبَه بشيكات بلا رصيد وغير قابلة للصرف في الملف الحكومي، خصوصاً انّ كل ما يَحوط بهذا الاشتباك يؤكد انّ هؤلاء الاطراف سيصلون في نهاية الامر الى مرحلة التراجع المتبادل وتخفيض سقف الشروط، إذ انهم على رغم سقوفهم العالية سيجدون أنفسهم ملزمين أمام الرغبة الداخلية والضغوط الدولية في آنٍ معاً، بالتنازل والتقدم خطوات في اتجاه بعضهم بعضاً، والإفراج في النهاية عن الحكومة المأسورة خلف متاريس السجال حتى الآن».

وبحسب معلومات «الجمهورية» فإنّ تسمية الوزراء في الحكومة الجديدة لم تعد هي المشكلة القائمة في وجه التأليف، حيث تم تجاوزها، وثمّة ليونة في هذا المجال عَبّر عنها الرئيس المكلّف، الّا انّ العقدة الاساس ما زالت في الاصرار على الثلث المعطّل، والذي ما يزال الرئيس المكلف يؤكد رفضه القاطع مَنحه لأيّ طرف في الحكومة، وخصوصاً لفريق رئيس الجمهورية. ويُشاركه في ذلك سائر المعنيين بملف التأليف، وفي مقدّم هؤلاء الرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط ورئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية. وكذلك الامر بالنسبة الى «حزب الله» الذي يؤيّد هذا المنحى. وهنا، فإنّ رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل قد ألزمَ نفسه بالقبول بما يقبل به «حزب الله»، فهل سيقبل بما يقبل به الحزب لناحية عدم إعطاء الثلث المعطّل لأيّ طرف؟

وتشير المعلومات الى انّ صيغة حكومة الـ«18» قد اصبحت احتمالاً ضعيفاً، وقالت مصادر موثوقة لـ«الجمهورية» انّ لدى جهات سياسية بارزة توجّهاً لمحاولة إقناع الرئيس المكلف بالقبول بتجاوز تمسكه بحكومة الـ«18»، والقبول بحكومة من 22 او 24 وزيراً، بما يتيح لكل وزير ان تسند اليه حقيبة وزارية واحدة يتفرّغ لمتابعة شؤونها، وفي الوقت نفسه لا أحد من الاطراف المشاركة فيها (بتسمية الوزراء الاختصاصيين وفق المواصفات التي حدّدها رئيس مجلس النواب نبيه بري في مبادرته الأخيرة)، ينال الثلث المعطّل او المقرر فيها.

الحريري عاد من أبو ظبي

وفي غضون ذلك، عاد الحريري ليلاً أمس مُنهياً زيارة لدولة الإمارات حيث التقى خلالها ‏ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وتزامناً مع عودته بثّت قناة «أو. تي. في» معلومات نسبتها الى مصادر قصر بعبدا أفادت عن موافقة الحريري على حكومة من 22 وزيراً على ان ينال عون حصة من 6 وزراء، ويحظى النائب طلال ارسلان بالمقعد الدرزي الثاني ما يحول دون حصول احد على الثلث المعطّل.

لكنّ مصادر الحريري نفت لـ»الجمهورية» هذه المعلومات، وقالت: ‎»انّ ما ينشَر عن موافقة الرئيس سعد الحريري على حكومة ‏من 22 وزيراً هو مجرّد تمنيات او تحليلات بعيدة كلياً عن الواقع».

وكانت مصادر بيت الوسط قالت لـ»الجمهورية» قبل عودة الحريري انه سواء كان في بيروت او ابو ظبي فإنّ الأمر سيّان، «فليس هناك اي استعداد لتوليد الحكومة التي قالت بها المبادرة الفرنسية، بدليل انّ البحث فيها لم يتعدّ العنوان الحكومي وغاصَت في كل شيء ما عدا تلك المتصلة بالحكومة المنتظرة».

سقوط مبادرة باسيل

تزامناً، كشفت مراجع سياسية، ومراجع أخرى من بين الوسطاء الساعين لتشكيل الحكومة العتيدة لـ»الجمهورية»، انّ ما سمّي «مبادرة» باسيل انتهى فور انتهاء مؤتمره الصحافي، ولم تَلق هذه المبادرة أيّ تجاوب خارج نطاق الدوائر السياسية والحزبية التي اضطرّت الى تكرار مجموعة من النظريات التي استهلكت في وقت سابق، خصوصاً انّ جزءاً منها بقي في عهدة رئيس مجلس النواب نبيه بري و»حزب الله» اللذان لم يعلّقا حتى الأمس على ما جاء فيها من اقتراحات تعني العمل التشريعي قبل الحكومي، معتبرة انها من الخطوات الضرورية في توقيتها الذي يَلي تشكيل حكومة ترعى هذه المرحلة القانونية والتشريعية، وانّ الحديث عنها يُلزم الحكومة الجديدة بآليّة عمل ليس من السهل توفيرها من الآن، على حَد مصادر نيابية.

 

"اللواء": عودة حركة الاتصالات والمشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة
وحلَّت مواجهة السلطة القابضة على مقدرات الدولة، مكان البحث عن حلول للأزمات، مفتاحها تأليف حكومة جديدة، بالرغم من كل النوائب والمصائب التي جلبتها للبلاد والعباد، وللمواطنين، الذين قرروا الخروج اليومي إلى الشارع، من أجل تطبيق القوانين، المتعلقة بمصالح أبنائهم، سواء أهالي الطلاب الذين يدرسون في الخارج، ومهددين بسبب امتناع المصارف عن تطبيق القانون 193، المعروف باسم الدولار الطالبي، أو للمطالبة بالافراج عن الموقوفين في احداث طرابلس، بعد الادعاء عليهم بتهم «الإرهاب وإثارة الشغب»، وصولاً إلى تحرك أهالي شهداء انفجار المرفأ، الذين تسنى لهم الاجتماع مع المحقق العدلي طارق بيطار، بعد تسلمه لمهامه رسمياً، ثم وزيرة العدل في حكومة تصريف الأعمال ماري كلود نجم، لحثهما على عدم الرضوخ للضغوط، والسير بإنهاء التحقيقات، التي بدأت مع المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان..

وعلى طريقة «كتر النق بيولد النقار» أمضت السلطة في اعتبار التجاذب أو الانتظار هو البديل، فكل يغني على ليلاه.. ويمضي رئيس الجمهورية في إدارة الدولة، واستقبال رؤساء المؤسسات العامة والوزراء، ومتابعة الملفات على اختلافها، بانتظار ان يأتي الرئيس المكلف، أو تنجح المساعي البعيدة عن الأنظار في فتح كوة في «الجدار السميك» الذي يضرب العلاقات الرئاسية، لا سيما الأولى والثالثة، وربما الثانية أيضاً.

وتوقعت مصادر سياسية ان تعاود حركة الاتصالات والمشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة بعد عودة الرئيس المكلف سعد الحريري إلى بيروت أمس آتياً من الإمارات، لافتة الى ان هذه التحركات تنطلق من ثلاثة جوانب. الاول من خلال المبادرة التي طرحها رئيس المجلس النيابي نبيه بري التي أعتبرها معظم الاطراف مقبولة لتذليل الخلافات القائمة امام تشكيل الحكومة العتيدة باستثناء الفريق الرئاسي الذي لم يبد حماسا تجاهها لانه اعتبر انها لا تطابق مع مطالبه التعجيزية، بينما ادى تفاعل الخلاف المتفاقم بين بري وباسيل الى تجاهل الفريق الرئاسي لهذه المبادرة وعدم إجراء أي اتصال بخصوصها، في حين فاقم الموقف الاخير لرئيس التيار الوطني الحر تجاه مجلس النواب من اتساع حدة الخلافات بين الطرفين والى استياء واضح لدى رئيس المجلس من هذا التهجم على المجلس. 

اما الجانب الثاني لهذه التحركات، فهو متواصل وبزخم من قبل بكركي ولن يتوقف عند حدود تجاهله او عدم التعاون الايجابي مع منطلقه لتسريع عملية تشكيل الحكومة الجديدة أو الاعتراض عليه من هذا الطرف أو ذاك. ولعل المواقف الانتقادية الحادة التي يطلقها البطريرك الماروني بشارة الراعي في كل مناسبة ويصوب فيها بوضوح على الذين يعرقلون عملية تشكيل الحكومة، تعتبر اقوى دليل على انه لن يتراجع عن مواقفه هذه حتى إنجاز تشكيل الحكومة العتيدة. 

أما الجانب الثالث، فتوقعت المصادر ان يكون من خلال تحرك يقوم به حزب الله باتجاه كل الاطراف، ويجمع فيه بين مبادرة الرئيس بري واقتراح الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بزيادة عدد اعضاء الحكومة الى عشرين او إثنين وعشرين وزيرا، في حين ان هذا الاقتراح لم يلق ردودا مرحبة او موافقة عليه من قبل رئيس الحكومة المكلف واطراف مؤثرين. 

والاهم في رأي المصادر ان تنطلق كل هذه التحركات من وجود نوايا ايجابية لتسريع عملية التشكيل، اما اذا بقيت هذه العملية رهينة نتائج صفقة الملف النووي بين ايران والولايات المتحدة الأميركية، فهذا يعني ان كل هذه الحركة ستبقى بلا بركة، وولادة الحكومة الجديدة مؤجلة الى حين جلاء مصير الصفقة الإقليمية على حساب لبنان واللبنانيين.

وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ«اللواء» أن لا دلائل مؤكدة أن حكومة تصريف الأعمال ستنصرف إلى توسيع مهامها لتتخذ إجراءات أو قرارات من صلب مهام الحكومة الجديدة لكن المصادر سألت ماذا لو قامت الحاجة إلى قرار من السلطة التنفيذية في ظل عرقلة ملف تأليف الحكومة. 
وأوضحت المصادر أن المسألة مبتوتة بالنسبة لرئيس حكومة تصريف الأعمال لجهة أن المتابعة تتم عبر اجتماعات تعقد حول كل الملفات.
 

جبران باسيلسعد الحريريالحكومة اللبنانية

إقرأ المزيد في: لبنان

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة