آراء وتحليلات

الديمقراطية الأميركية..التآكل من الداخل

15/01/2021

الديمقراطية الأميركية..التآكل من الداخل

د. علي مطر

يقول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في مقال له "أولاً وقبل كل شيء، يجب أن نصلح وننشط ديمقراطيتنا، حتى عندما نعزز تحالف الديمقراطيات التي تقف معنا في جميع أنحاء العالم". ويضيف لكن الديمقراطية ليست مجرد أساس المجتمع الأمريكي. كما أنها منبع قوتنا. إنها تقوي وتضخم قيادتنا للحفاظ على سلامتنا في العالم".

يأتي حديث الرئيس الأميركي المنتخب، في ظل تراجع الديمقراطية الأميركية بل وتزعزع أساساتها خاصةً في السنوات الأربعة الأخيرة، لتعمق الانقسامات وتضعضع أسس هذه الديمقراطية بعد خسارة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية. لقد خفّض مؤشر الديمقراطية التابع لوحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) منذ عام 2017 من مستوى الديمقراطية في الولايات المتحدة من "الديمقراطية الكاملة" إلى "الديمقراطية المعيبة".

مؤشرات تراجع الديمقراطية الأمريكية

الانتخابات الأميركية الأخيرة تؤكد تراجع هذه الديمقراطية، وهذا ما يظهر من الواقع اليومي للسياسة الأمريكية حيث بات يسيطر عليها الاستقطاب السياسي والثقافي المتطرف، تنامي تأثير الجماعات المسلحة وعنف الشرطة، إساءة معاملة المهاجرين غير الشرعيين، بمن فيهم الأطفال، وأخيرا تهميش الأقليات فى البلاد فى مجال السياسة وما إلى ذلك. لقد كشف مؤشر الديمقراطية في EIU عن تدهور حالة الديمقراطية فى الولايات المتحدة مستندا إلى 60 مؤشرًا مختلفًا، بالإضافة إلى المؤشرات التقليدية ــ أي مهام الحكومة ــ كما اشتمل أيضًا على مؤشرات أخرى مثل المساواة بين الجنسين والحريات المدنية، والثقافة السياسية.

صحيح أن نتائج الانتخابات الأمريكية لم يكن لها تأثير فوري على حالة الديمقراطية الأمريكية، لكنها ستؤدي إلى زيادة تفتيت المجتمع المنقسم بالفعل والاستمرار في تحويل المؤسسات التي تديرها الدولة في البلاد إلى ساحة قتال للتحالفات السياسية والأيديولوجية، وهذ ما سيرجح أن تسوء حالة الديمقراطية في الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

توجد حاليًا مؤشرات عدة تظهر تراجع الديمقراطية الأميركية قبل تمزقها، ومنها عدم المساواة في الدخل، الذي يؤدي إلى الصراع الاجتماعى السياسي، وهو ما يتفاقم مع جائحة كورونا. وبحسب بعض الدراسات فإن عدم المساواة في الدخل في الولايات المتحدة هو الأعلى بين جميع دول مجموعة السبع، وهو ما يشكل قلقا كبيرا للحزبين السياسيين.

كذلك يشكل الاستقطاب السياسي فجوة كبيرة بين الحزبين السياسيين، ورغم نجاح كل من الجمهوريين والديمقراطيين فى إيصال قضيتهم للحصول على دعم طبقات معينة من المجتمع الأمريكي، إلا أنهم لم يفعلوا الكثير للوفاء بالوعود العديدة التى غالبًا ما تقدمها مؤسساتهم الحاكمة خلال الحملات الانتخابية. ويستخدم الجمهوريون خطابًا سياسيًا شعبويًا للوصول إلى الأمريكيين البيض من الطبقة العاملة، ويعدونهم بالازدهار الاقتصادي؛ ومع ذلك، لا يوجد دليل على أن الكثير من عائلات الأمريكيين البيض من الطبقة العاملة قد تحسنت أوضاعهم فى ظل إدارة ترامب. وينطبق الأمر نفسه على الديمقراطيين، الذين نصبوا أنفسهم، زورًا، منذ فترة طويلة كأبطال لتحقيق العدالة العرقية والمعاملة العادلة للمهاجرين غير المسجلين.

وقد ظهر عامل خطير في السنوات الأربع الاخيرة، وهو عسكرة المجتمع مع عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والاستقطاب السياسي وهما في أسوأ حالاتهما، حيث يعد المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات تسليحا فى العالم. فوفقًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ثلثا الإرهاب المحلي في الولايات المتحدة تقوم به الجماعات المسلحة اليمينية، التي أصبحت الآن أكثر جرأة وغضبًا من أي وقت مضى. ولأول مرة منذ سنوات عديدة، أصبح الحديث عن حرب أهلية أمريكية أخرى نقاشًا يوميًا في وسائل الإعلام الرئيسية.

أحداث الكونغرس تعمق الشرخ

ومن مظاهر ذلك، ما حدث في الكونغرس، حيث لم يكن أحد يتصور أن تجرؤ جماعات يمينية متطرفة، ترفض نتيجة الانتخابات ولا تريد غير الرئيس ترامب رئيسا لولاية ثانية، على اقتحام مقر الكونغرس الأمريكي. لم يكن أحد يعتقد بانهيار الإدراك السياسي لمجموعات يمينية من الأمريكيين الى هذا المستوى المتدني، والتخلي عن احترامهم للديمقراطية ومراعاتهم لشرعية العملية الانتخابية. وقد صُدم العالم وهو يتابع اقتحام عشرات الآلاف من أنصار ترامب قاعة الاجتماعات في مقر الكونغرس عصر ذلك اليوم ويعبثون ببعض مقتنياتها. وسيبقى محفورًا في ذاكرة الأميركيين والعالم، حيث سيبقى هذا الحدث محل نقاش دائم، شبيه بما حصل في أحداث ايلول 2001.

لقد اهتزت صورة أمريكا الراعية للديمقراطية المدافعة عن الحريات وحقوق الانسان حول العالم في مخيلة مواطنيها ومواطني العالم بعد السادس من يناير/ كانون الثاني الحالي، وذلك لأن هذه الصورة كانت مجرد صورة زائفة تعتريها الشوائب والجرائم والتسلط. ولربما يرى الكثير من دول العالم أن واشنطن فقدت اليوم أحقيتها في إصدار بيانات التنديد بعمليات التلاعب بنتائج الانتخابات واغتصاب الحكم في دول العالم الثالث.

لقد لحقت أضرار كبرى بصورة أمريكا وبتماسك وانسجام مجتمعها وبسمعتها بين الدول خلال فترة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. ويعتقد كثيرون أيضا أن تجاوز التركة السياسية والاجتماعية لهذا الرئيس سيكون في غاية الصعوبة وسيستغرق وقتا طويلا بحكم الانقسام العرقي والعنصري الذي ترسخ بين مكونات مجتمع فسيفسائي، وبذلك فقد تقوضت صورة النموذج الأمريكي الديمقراطي في الداخل والخارج، وبات من الصعوبة استخدام النموذج الأمريكي كمثال، بل وأصبحت هناك حاجة ماسة وفق ما يقر به الرئيس جون بايدن إلى إعادة ترميم صورته في الوعي العالمي.

وفق ما تقدم، فإن الاستنتاج الطبيعي للأحداث الأميركية، يشير إلى أنه من غير الواقعي تخيل استعادة الديمقراطية في الولايات المتحدة، بدون تحول جذري في السياسة الأمريكية لمواجهة المشاكل الكامنة وراء عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية والاستقطاب السياسي، وهذا إذا لم يحصل سيحمل مزيدًا من الانقسام، وربما العنف، لأن المجتمع الأميركي هو مجتمع هجين ومفكك وليس مجتمع الأمة الواحدة كما يظهر لنا الإعلام العالمي.

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامبجو بايدن

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة