الربيع الاميركي

آراء وتحليلات

أميركا: معارك استعادة الصورة

12/01/2021

أميركا: معارك استعادة الصورة

ايهاب شوقي

المراقب لتداعيات الأحداث في أمريكا بعد السوابق التاريخية المتمثلة في انهيار صنم الديمقراطية الامريكية عبر مشهد تعاطي ترامب مع نتيجة الانتخابات واقتحام جماهيره لمبنى الكابيتول، وهو مشهد لا يقل في دلالاته عن مشهد انهيار سور برلين والذي ارخ لنهاية الحرب الباردة وولادة نظام عالمي جديد، يرى ولادة لحقبة تاريخية جديدة يمكن رصد أهم معالمها كما يلي:

أولًا: هناك جهد أمريكي كبير سيتم بذله ووقت طويل سيمر في اطار السعي وراء استعادة الصورة الامريكية المصدرة على أنها قبلة للحريات والديمقراطية، ناهيك عن تغير مرتقب للتنافس التقليدي بين حزبين رئيسيين يتم تناوب الحكم بينهما، بعد ان نجح ترامب في شق صفوف الحزب الجمهوري، وربما تتشكل حركة أو حزب جديد يتسم بالفاشية بقيادة ترامب وبومبيو، وهو ما سيقلب موازين السياسة الداخلية والخارجية الامريكية ويكشف سوءاتها التي حاول كلا الحزبين مداراتها عبر عقود من التجاوز والتمرير لبعضمها البعض باعتبارهما شريكين في عصابة اجرامية كبرى تشكل قوة عظمى تسمى الولايات المتحدة الامريكية.

وكلا الجهد والوقت المبذولين لترميم الصنم الامريكي، وبقاعدة عدم وجود فراغ في السياسة، سيسمح لقوى أخرى بالوثوب لمسرح الحكم العالمي، سواء من حلفاء أمريكا أو خصومها.

وهذا السد للفراغ الأمريكي يجعل العالم مرشحًا للتوتر، حيث يتوقع أن تبذل جهود للتعطيل والالهاء عبر نشر حروب صغيرة متناثرة على حدود من يخشى احتلالهم للمكانة الامريكية او القفز الى درجة متقدمة في سلم التوازن الدولي، أو توريط القوى المرشحة للتقدم في حروب مباشرة لاستهلاكهم واستنزاف قوتهم وامكاناتهم ريثما تستفيق أمريكا من كبوتها وتحاول استعادة توازنها.

ثانيًا: النموذج الأمريكي الذي استخدمته أمريكا لابتزاز الدول وسلّطته سيفًا على خصومها، لم يعد ناجحًا أو ذا مصداقية رغم المليارات التي أنفقت لترويجه عبر منظمات ومؤسسات دولية كبرى تعمل في مجال الديمقراطية والحريات، وبالتالي هناك حاجة لولادة نموذج بديل يعمل كذراع استعمارية. وبالعودة للوراء تاريخيًا، فإننا نرى ان نموذج الليبرالية الغربية استحدث للهيمنة بديلا عن الاستعمار التقليدي توفيرًا لكلفته، والى حين ابداع نموذج جديد، ربما تحدث ردة لأدبيات الاستعمار التقليدي، وهو احتمال للتصعيد يضاف الى الاحتمال السابق!

ثالثًا: مخلفات الحرب الأمريكية بنسختها الأكثر فجاجة والمتمثلة في ترامب، وأنظمة تابعة فقدت مصداقيتها الكاملة وفرطت في جميع أوراق قوتها، وأريق ماء وجهها كاملًا، تعيش مأزقًا حقيقيًا، حيث اضطرت للمضي في اجراءات تعرف بداياتها، ولا تعرف نهاياتها، مثل التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني، والعلاقات العضوية مع التكفيريين، ووجدت نفسها مطالبة باستحقاقات غير مستندة الى أصول أو استعدادات، وحملت نفسها أعباء وعداوات دون مبرر وألقت بجميع أوراقها في سلة ترامب وربطت مصائرها بمصيره الملتبس، وهو ما يدفع الى ارتباكات اقليمية من جهة، وداخلية مع شعوبها من جهة أخرى، وخاصة مع تردي الأوضاع الاقتصادية المتفاقم بفعل جائحة عالمية، حيث شكل الرفاه الاقتصادي بعض الضمانات لصمت الشعوب وهو في طريقه الى التدهور، حتى ما قبل الجائحة، بسبب الفشل في التنمية والاعتماد الوحيد على الريع.

هنا نحن أمام مشهد تصعيدي بامتياز، ربما يتم اللجوء فيه لقلاقل داخل الدول على نمط (الربيع العربي)، كمحاولة للالهاء وفرصة لالتقاط الانفاس الامريكية، وهو ما نرى محاولات له في العراق ولبنان، ومحاولات لاحياء "داعش" وتنشيطها، ومحاولات لخلق حروب متناثرة في المغرب العربي وافريقيا مثل الاوضاع على الحدود السودانية الاثيوبية، وربما تخلق في الايام القادمة قلاقل على حدود روسيا والصين او في الداخل مثل تايوان وهونج كونج والقرم.

وربما نشهد محاولات لتوتير الحدود الايرانية أو محاولات جديدة لفتن داخلية مثل تصريحات تبث الفتنة في الداخل الايراني أو اللبناني أو العراقي.

باختصار هناك قنابل دخانية متوقعة يشارك العدو الاسرائيلي وأصدقاؤه من المطبعين العرب في تفجيرها بغرض معاونة أمريكا على استعادة توازنها، وربما تصل الأمور بهؤلاء الى التورط في مواجهات شاملة بسبب ربط مصيرهم بالمصير الامريكي، واهدار جميع فرص الاستقلال الوطني والتخلص من عبء الهيمنة والاستعباد الامريكي.

أما الشعوب، فهي فاقدة للقيادة والقاطرة، حيث تم تجريف الحياة السياسية وما يمكن أن تشكله من ضمانة للتماسك والمواجهة، فقد انهارت الاحزاب بفعل ارتهانها لقوى خارجية، وانهارت الحركات الوطنية، ولم يتبق في وطننا سوى فصائل المقاومة والتي تحمل مشروعا ومنهجا للمواجهة والحماية من الاندثار والسقوط التاريخي.
هو مشهد انتقالي بامتياز للتوازنات الدولية وتشكيل نظام عالمي جديد، وانتقالي بامتياز في الداخل العربي لاعادة تشكيل الحياة السياسية وعودة الاعتبار للقوى الشعبية والسياسية لمواجهة استعمار عائد بشكله التقليدي العنيف.

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامبجو بايدن

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة
مقابل الخراب الأميركي.. حزب الله يحمي ويبني
مقابل الخراب الأميركي.. حزب الله يحمي ويبني
حركة المتمرّدين وتغلغلها الى النظام الأمريكي.. خطرٌ فعليّ يهدّد الولايات المتحدة
حركة المتمرّدين وتغلغلها الى النظام الأمريكي.. خطرٌ فعليّ يهدّد الولايات المتحدة
لجنة ميثاق الحوزات العلمية في لبنان تدين انتهاك حرمة العتبة الرضوية
لجنة ميثاق الحوزات العلمية في لبنان تدين انتهاك حرمة العتبة الرضوية
اليمن: الفعاليات الشعبية والرسمية تواصل التنديد بقرار أمريكا بحقّ أنصار الله
اليمن: الفعاليات الشعبية والرسمية تواصل التنديد بقرار أمريكا بحقّ أنصار الله
قطر تزيد حيازتها لسندات الخزانة الأمريكية
قطر تزيد حيازتها لسندات الخزانة الأمريكية
بيلوسي تكشف عن معلومات "صادمة" بشأن تعامل ترامب مع جائحة كورونا
بيلوسي تكشف عن معلومات "صادمة" بشأن تعامل ترامب مع جائحة كورونا
حزب الشعب الفلسطيني يحذّر من تطبيق صفقة ترامب - نتنياهو بأشكال أخرى عبر إدارة بايدن
حزب الشعب الفلسطيني يحذّر من تطبيق صفقة ترامب - نتنياهو بأشكال أخرى عبر إدارة بايدن
قيادي في الجهاد الإسلامي لـ "العهد": تصريحات بلينكين صفعة للمراهنين على الإدارات الأمريكية
قيادي في الجهاد الإسلامي لـ "العهد": تصريحات بلينكين صفعة للمراهنين على الإدارات الأمريكية
خارطة طريق بايدن.. هل تتجاوز ألغام ترامب؟
خارطة طريق بايدن.. هل تتجاوز ألغام ترامب؟
كيف علّقت إيران على رحيل ترامب؟
كيف علّقت إيران على رحيل ترامب؟
وزير حرب أمريكي: انهيار أخلاقي تشهده الولايات المتحدة
وزير حرب أمريكي: انهيار أخلاقي تشهده الولايات المتحدة
ما هي تحديات جو بايدن؟
ما هي تحديات جو بايدن؟
بعد ساعات من تنصيبه.. بايدن يشن هجوما لاذعًا على ارث ترامب
بعد ساعات من تنصيبه.. بايدن يشن هجوما لاذعًا على ارث ترامب
بعد تنصيبه.. بايدن يسعى لإنهاء الحرب بين الأميركيين وإصلاح التحالفات
بعد تنصيبه.. بايدن يسعى لإنهاء الحرب بين الأميركيين وإصلاح التحالفات