الربيع الاميركي

خاص العهد

 2020.. عام الأزمات والاقتصاد اللبناني بلا دور ولا هوية 

31/12/2020

 2020.. عام الأزمات والاقتصاد اللبناني بلا دور ولا هوية 

فاطمة سلامة

ليس من السهولة بمكان أن نختار عبارة جامعة شاملة تصف عام 2020 اقتصادياً ومالياً. في حضرة هذا العام الصعب تتنوّع المفردات حتى يتحير الفرد من أين يبدأ. تشعُّب الأزمات وتنوعها جعل منها السنة الأصعب في تاريخ لبنان. سنة أثقلت المواطنين وأتعبتهم حتى بات حلم البعض الفوز بكفاف يومه. ولعلّ أزمة سعر صرف الدولار شكّلت المحرّض الأساس للعديد من الأزمات المتلاحقة. أزمة بات بموجبها الدولار عملة نادرة ليسجّل سعر صرفه أرقاماً قياسية لامست في مرحلة من المراحل حد العشرة آلاف ليرة. وبالموازاة، عمل مصرف لبنان -وفي إجراء غير حكيم- على طباعة كميات كبيرة من الليرة اللبنانية ما أدى الى وجود كتلة نقدية كبيرة ازدادت معها نسبة التضخم. وعليه، باتت أسعار السلع فالتة من عقالها، ولامست معها القدرة الشرائية للمواطنين الدرك الأسفل. ولم يسلم الجانب التعليمي من أزمة الدولار فنال نصيبه كبقية القطاعات، حيث وجد طلاب الخارج صعوبة في إكمال مسارهم التعليمي وسط تمرد المصارف على تطبيق قانون "الدولار" الطالبي، وفي الداخل أيضاً فتحت شهية بعض الجامعات على رفع الأقساط ليصبح العلم حكراً على الأثرياء. 

واذا أراد الفرد منا أن يستذكر مشهداً من المشاهد القاسية لعلّه يستذكر مشهد زحمة المودعين أمام المصارف التي بدأت في أواخر عام 2019 واشتدت عام 2020. ذاق المواطنون الأمرين مع القطاع المصرفي الذي أظهر هشاشة لم تكن متوقعة، فبقيت ودائعهم حبيسة البنوك يحصلون على بعضها بالقطارة، ويصطفون أمام أبوابها في مشهد "سوريالي" لم يحصل في أي بلد بالعالم. وبالموازاة، تفاجأ المودعون بين فترة وأخرى بتعاميم جائرة من مصرف لبنان تحاكي السياسة المستمرة منذ التسعينيات حتى اليوم منها -على سبيل المثال لا الحصر- تحديد سعر صرف المنصة (3900 ليرة) لأي عملية سحب نقدي بالليرة اللبنانية من الودائع بالدولار، ما يُفقد الودائع نحو 60 بالمئة من قيمتها، فضلاً عن وضع سقوفات زمنية للسحوبات.  

ولا ننسى حادثة انفجار المرفأ في 4 آب والتي أرخت بتداعيات كارثية لا سيما على الصعيدين المالي والاقتصادي، حيث قُدّرت الخسائر بما يفوق الستة مليارات دولار. وفي هذا العام أيضاً، ازدادت البطالة تفشياً وارتفعت أرقامها الى ما يفوق النصف مليون عاطل عن العمل جراء إقفال مئات المؤسسات وتفاقم ظاهرة الصرف التعسفي وسط جائحة "كورونا" التي أرهقت الحجر والبشر. 

هذا الواقع انسحب حكما ًعلى الطبقات الاجتماعية حيث بات ما يزيد عن نصف سكان لبنان فقراء. وكل ذلك وسط اقتصاد "مدولر" ريعي تغيب فيه الحركة الانتاجية الا ما ندر، ما جعل من ساحة لبنان الاقتصادية والمالية ساحة أزمات بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. 

ناصر الدين: وصول الدولار الى أرقام قياسية لم يشهدها في تاريخ لبنان

الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين يعرض في حديث لموقع "العهد" الإخباري بانوراما اقتصادية يصف فيها عام 2020 بعام الاقتصاد الذي فقد دوره وهويته والثقة به. وفق حساباته، فإنّ النظام الاقتصادي الريعي أوصلنا الى نتائج كارثية يتحمل مسؤوليتها من يدير هذه المنظومة. برأيه، اجتمعت الأزمات في عام 2020 فكان لدينا أزمة مالية، نقدية، اقتصادية، مصرفية، بطالة، فقدان النمو، أزمة فساد، وكل ذلك بالإضافة الى الأزمة الصحية المتمثلة بجائحة "كورونا". هذه الأزمات تراكمت فولّدت انهياراً في سعر صرف الليرة اللبنانية ووصول الدولار الى أرقام قياسية لم يشهدها في تاريخ لبنان. 

 2020.. عام الأزمات والاقتصاد اللبناني بلا دور ولا هوية 

التضخم 367 بالمئة.. والناتج المحلي تراجع من 54 مليار دولار الى 18 مليار دولار 

وبحسب ناصر الدين، برز لدينا في عام 2020 الكثير من المؤشرات الاقتصادية السلبية 
نتيجة تضرر كافة القطاعات الأساسية للبنان من المصرف مروراً بالمرفأ والسياحة. هذا الأمر كان له تبعات كبيرة خاصة أن لا قطاعات انتاجة لدينا فاقتصادنا مدولر استهلاكي ريعي. وفي هذا السياق، وصل التضخم الى 367 بالمئة، وتراجع الناتج المحلي من 54 مليار دولار الى 18 مليار دولار، بالتزامن مع إقفال مؤسسات في القطاع العام. 

عجز في ميزان المدفوعات والحساب الجاري بقيمة 10 مليارات دولار 

كما تراجع الاستيراد وسط ثبات التصدير، لكن الأزمة المصرفية -بحسب ناصر الدين- كانت أعمق من أن يكون هناك نتيجة لهذا التراجع، حيث بلغ العجز في ميزان المدفوعات والحساب الجاري 10 مليارات دولار وهذا أخطر بكثير من تراجع الاستيراد، ما يشير الى أنّ هناك أموالاً تخرج من لبنان أكثر من تلك التي تدخل الى البلد.

7 مليارات دولار تبخرت خلال عام دون معرفة وجهة صرفها 

واللافت -وفق ناصر الدين- أنّه في 30 تشرين الثاني 2019 كانت الاحتياطات بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان تصل الى 30 مليار دولار، أما في 30 تشرين الثاني 2020 أي بعد عام فقط أصبحت الاحتياطات 17 مليار و800 مليون دولار، فيما بلغت قيمة الدعم للمواد الأساسية 5 مليارات و270 مليون دولار، ما يعني أنّ هناك فارقاً يبلغ 7 مليارات دولار من غير المعلوم الى أين ذهب، يضيف ناصر الدين. 

عام 2020 لم يشهد أي حلول اقتصادية ومالية 

ويأسف المتحدّث لأنّ عام 2020 لم يشهد أي حلول أو طروحات تساعد على حل الأزمات المتلاحقة، ما أفقد الاقتصاد هويته بالتزامن مع فقدان لبنان هويته السياسية. برأي ناصر الدين، فإنّ قضية رفع الدعم خطيرة جداً، وتأثيراتها ستكون كبيرة خاصة أن التدقيق الجنائي لم يحصل حتى الآن. وهنا يتوجّه ناصر الدين لكل من يتحدّث عن نفاد الاحتياطي بالقول: " لا يمكنك القول ليس بإمكانك المس بالاحتياطي وإن لديك فقط 17 مليار و800 مليون دولار.. كل الأموال التي تصرّفت بها من قبل كانت احتياطات وأموال للمودعين. وعندما كانت المصارف تُقرض أكثر من 25 بالمئة من قيمة ودائع الناس كانت تمس بأموالهم، وعندما وصل الدين الى الـ90 بالمئة كان هذا الأمر مخالفاً لقانون النقد والتسليف وهذه القضية يجب أن تُسال عنها شركات التدقيق العالمية التي دققت في المصارف اللبنانية ووصفت ملاءتها بالممتازة". 

نحتاج الى تدقيق جنائي وبناء اقتصاد حقيقي 

ويشدّد ناصر الدين على ضرورة أن نحدّد خيارنا وهويتنا السياسية والاقتصادية، فنحن نتعرّض لحصار وفقدان ثقة بالاقتصاد اللبناني وضغوطات أميركية تمنع تدفق الاستثمارات. فالمطلوب -برأيه- إنهاء دور لبنان لمصلحة "اسرائيل" وموجة التطبيع. وفق ناصر الدين، فإنّ كل هذه القضايا تتراكم لتعطينا النتائج التي نعيشها اليوم حيث أصبحنا بمرحلة لا يمكن العودة فيها الى الوراء. نحن بحاجة الى واقع اقتصادي جديد وهذا يحتاج الى هدوء سياسي وقرار سياسي لأنّ السياسة والاقتصاد توأمان في لبنان، وبالتالي نحن لا نحتاج الى تحالف سياسي- اقتصادي جديد يُجهد الناس، كما حصل في السابق عندما تحالفت الأحزاب والسياسة النقدية. وفق ناصر الدين، نحن بحاجة اليوم الى بناء اقتصاد حقيقي وتدقيق جنائي حقيقي لمعرفة أين ذهبت الأموال، تماماً كما نحتاج الى إجراء جردة حقيقية لقضية الذهب، فآخر جردة كانت عام 1996 وهذا شيء معيب فلاً. 

أخشى أن نترحّم على عام 2020 

وفي سياق عرضه للأزمات، يلفت ناصر الدين الى أنّ كافة الحلول موجودة تقنياً. لكنه يخشى في عام 2021 أن نترحّم على عام 2020 لجهة سعر صرف الدولار والبطالة والقدرة الشرائية التي تراجعت بشكل كبير جداً، ونسبة الفقر التي ازدادت بشكل كبير أيضاً. وفق ناصر الدين، فإنّ كل هذه الأمور تقلقه عام 2021. تماماً كما يقلقه رفع الدعم وتأثيراته على القدرة الشرائية والمحروقات والايجارات وفاتورة الهاتف ومجموعة من المتطلبات المعيشية الخطيرة جداً. وفق قناعاته، هذا الأمر يتطلب مسؤولية بملف تشكيل الحكومة لأن اللامسؤولية تلعب دوراً خطيراً جداً. 

للتنبه لملف النفط والغاز 

وفي الختام، يلفت ناصر الدين الانتباه الى ملف مهم جداً هو ملف النفط والغاز. يشدّد على ضرورة حمايته واستثماره بطريقة صحيحة والعمل عليه بشكل دراماتيكي أكثر لتحقيق النتائج المرجوة. بتقديره، يمكن الاعتماد على هذا الملف لخلق ثقة اقتصادية جديدة للبنان، وبالتزامن علينا الاتجاه نحو بوابة الشرق لتنويع الخيارات والتعاطي مع سوريا والعراق وغيرهما بشكل جدي أكثر، يختم ناصر الدين.

لبنانالاقتصادالدولار

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة