آراء وتحليلات

العلاقات التركية ـ الأوروبية: أزمات متصاعدة

26/12/2020

العلاقات التركية ـ الأوروبية: أزمات متصاعدة

سركيس ابوزيد

عقد الاتحاد الاوروبي قمته في بروكسل هذا الشهر حيث اعتمد مبدأ "الضغوط المتدرجة" ضد تركيا. وأدت باريس دورًا رئيسيًا في إحداث تغيير جدي في المواقف الاوروبية التي كانت منقسمة بين داعم إلى التشدد مع أنقرة وفرض عقوبات عليها بسبب سياساتها وتصرفاتها الاستفزازية، وآخر يميل إلى غض الطرف. ونجح القادة الاوروبيون في التوصل إلى موقف موحّد لاقرار مبدأ فرض العقوبات، وكان لافتًا أن ألمانيا، التي فرملت في السابق أي اندفاعة نحو فرض عقوبات على تركيا، أدت دور صلة الوصل بين المجموعتين، المتشددة والرافضة، فسارت نصف الطريق مع محور "الصقور"، وقبلت البدء بفرض عقوبات شرط أن تبقى في حدها الأدنى، مع ترك الأبواب مفتوحة إزاء تركيا، وإعطائها مهلة إضافية حتى شهر آذار المقبل، حيث سيعيد القادة الاوروبيون النظر في العلاقة معها.

العقوبات جاءت ضعيفة و"مبدئية" مع وقف التنفيذ. وقمة بروكسل أبرزت عمق الانقسامات الأوروبية. فما زالت ألمانيا تطرح رؤية أكثر مرونة من تلك الفرنسية، عبر إعطاء أولوية للحوار، رغم موافقتها على العقوبات التي ترقى الى المستوى الذي أراده ماكرون. هذه العقوبات لن تؤذي تركيا، لأنها تستهدف حصرًا شخصيات مقربة من نظامها، ومنعهم من السفر نحو البلدان الاوروبية التي لا يزورونها أصلًا. لو تم اعتماد عقوبات اقتصادية لكان وقعها على أنقرة أكبر. النموذج الروسي ما زال ماثلًا أمام أوروبا، بعدما أدت العقوبات الى نتائج سلبية. فهي لم تؤد الى إنفتاح روسيا تجاه القارة، بل عززت موقع الرئيس فلاديمير بوتين.

في الواقع، الخلاف كبير بين أنقرة وشركائها في الاتحاد الاوروبي. إضافة الى تدخلها في ليبيا عسكريًا منتهكة حظر الأمم المتحدة على تسليم أسلحة لهذا البلد، وقتالها القوات الكردية في سوريا، وتدخلها في النزاع الأرمني ـ الاذربيجاني، فإن أبرز وأهم نقاط الخلاف والصراع بين الطرفين، تتمحور حول:

- صراع النفط والغاز في شرق المتوسط

يعتبر الاتحاد الاوروبي أن تنقيب تركيا عن النفط في شرق المتوسط، في المنطقة الاقتصادية البحرية التابعة لقبرص واليونان، غير شرعي، رغم تحذيرها من الاستمرار في نشاطاتها الأحادية الجانب في شرق المتوسط وفي انتهاك القانون الدولي، واتبعت سلوكًا تحريضيًا وعدوانيًا باستمرارها في انتهاك سيادة اليونان وقبرص، اللتين حذرتا من أن تركيا تحاول فرض سيادتها على مساحة واسعة من المياه الممتدة من البحر الاسود إلى شرق المتوسط، وهذا يعني، في حال نجاحه، بسط نفوذها إلى المنطقة الممتدة من البحر الاسود إلى قناة السويس.

تركيا بدورها تتمسك بالتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط رغم موقف اليونان وقبرص والاتحاد الاوروبي من أنشطتها، مؤكدة  أنها ستواصل أعمالها من أجل التوصل إلى تقاسم عادل لموارد المنطقة. مشيرة الى أن أبواب تركيا مفتوحة على مصراعيها من أجل الحوار، وهناك مخرج هو مؤتمر شرق المتوسط الذي يشكل فرصة لخلق بيئة مؤاتية للتعاون، داعية الاتحاد إلى التخلص مما سماه "العمى الاستراتيجي".

- المسألة القبرصية

تربط تركيا بقبرص التركية علاقة استراتيجية، نمت مع إنهيار محادثات السلام القبرصية عام 2017 برعاية الأمم المتحدة، واكتشاف قبرص للغاز، ما دفع تركيا إلى تكثيف حضورها في المنطقة، سعيًا منها إلى وضع يدها على جزء من مصادر الطاقة في شرق المتوسط. وزادت هذه العلاقة رسوخًا مع فوز أرسين تتار في انتخابات شمال قبرص التركية.

تركيا غزت شمال جزيرة قبرص في العام 1974، وبسطت سيطرتها على 36 في المئة من مساحتها. تلا ذلك إعلان جمهورية شمال قبرص إستقلالها رسميًا من جانب واحد في العام 1983، ولم تحصل سوى على إعتراف تركيا التي تنشر نحو 15 ألف عسكري تركي.

ويُعّد أرسين تتار مقربًا من أنقرة ويشاركها رؤيتها للحل حول مستقبل الجزيرة والعلاقة التي تربط البلدين، إذ يؤيد إقامة "دولتين ذات سيادة"، معتبرا أن المساواة في السيادة بين الشعبين اللذين يسكنان الجزيرة، وتعاونهما على أساس دولتين أمر ضروري. ورأى أن أعظم قوة للقبارصة الاتراك كانت دولتهم ووطنهم الام: جمهورية تركيا، واعدًا بالعمل بانسجام مع أنقرة، ومشددًا على أن إنهاء عزلة جمهورية شمال قبرص سيكون أحد أهدافه الرئيسة.

فوز تتار قلب المعادلة في الجزيرة ومنح إردوغان ورقة قوة إضافية في نزاعه مع اليونان وقبرص، ومن خلفهما فرنسا وسائر الدول الاوروبية، إذ إن أنقرة تخوض منذ أشهر معركة توسيع حدودها البحرية للسيطرة على جزء من مصادر الطاقة في شرق المتوسط. وجاءت نتيجة الانتخابات في قبرص التركية لتعزز من أوراقها على "موائد" الأمم المتحدة في شأن الأزمة القبرصية، وتلك التي يرعاها حلف شمال الاطلسي حول المفاوضات: المباحثات التي تنظّم الحدود البحرية بين تركيا واليونان، والمفاوضات التي تخوضها البحرية التركية في الجزء الشرقي من البحر المتوسط.

- ملف اللاجئين والهجرة

مشكلة أوروبا أنها تعاني من مكمني ضعف: الهجرة واللاجئون من جهة، ومقاتلو "داعش" المعتقلين من جهة ثانية، وتركيا تستغل ورقة اللاجئين والمهاجرين لابتزازها، وتهددها بفتح الحدود أمام مئات آلالاف من المهاجرين واللاجئين، وأكثريتهم من سوريا، وإعادة المئات من مقاتلي تنظيم "داعش" إلى البلدان الاوروبية التي يتحدرون منها.

والاتحاد الاوروبي يتهمها باستخدام اللاجئين كورقة ضغط سياسي عليه، بعد أن رفض حلف شمال الاطلسي مساعدتها في أزمتها مع روسيا وسوريا وإيران، إن كان في موضوع "المنطقة الامنة" أو فرض حظر جوي شمال سوريا. ويرغب إردوغان في إعادة التفاوض على إتفاق الهجرة الموقع عام 2016 مع الاتحاد الاوروبي للحصول على دفعة جديدة من المساعدات الانسانية، معتبرًا أن إتفاقية الهجرة الموقعة مع الاتحاد عام 2016 بحاجة إلى التحديث في ضوء الأزمة في شمال سوريا مع إستمرار تصاعد حدة الموقف على الحدود التركية - اليونانية بعد أن أعلنت أنقرة أنها ستكف عن منع المهاجرين من العبور. كما تطالب بتطبيق تحرير تأشيرة السفر للاتحاد الاوروبي بالنسبة للمواطنين الأتراك وتحديث الاتحاد الجمركي بين تركيا والاتحاد للمساعدة في حل مسألة الهجرة، معتبرة أن حدود الاتحاد الاوروبي تبدأ من حدود تركيا الجنوبية والشرقية وليس من الحدود التركية - اليونانية، مشيرة الى أن عهد المماطلة انتهى، وسيتم رسم خريطة طريق مع الاتحاد الاوروبي بشأن اللاجئين، ويجب أن يتعامل الاتحاد الاوروبي بصدق مع تركيا لحل هذه المسألة. فيما يعبّر الاتحاد عن إستيائه وانزعاجه من محاولات أنقرة الاستفزازية بالسماح للمهاجرين بالاحتشاد على حدود دوله، ويرفض الخضوع لابتزازها.

-  عضوية الاتحاد الاوروبي

المعروف أن تركيا تقدمت بطلب رسمي للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي في العام 1987، لكن ظل الاوروبيون يماطلون مع الأتراك حتى العام 1999. ولم تبدأ المفاوضات الا في العام 2005، لكن إلى اليوم لم تستطع تركيا الانضمام للاتحاد بصفة عضو دائم وكامل. ويبدو أنه لا أمل في إنضمام تركيا للاتحاد، وهو ما ترجمته المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل في تشرين الأول الماضي بقولها إنها ما زالت عند موقفها المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي، وأن الرئيس أردوغان على علم بموقفها.  

عدة أسباب ظهرت في الفترة الأخيرة أعاقت مفاوضات انضمام تركيا بشكل كامل ودائم للاتحاد الأوروبي وجعلت الوضع الأخير للعلاقات بين الاتحاد وتركيا سيئًا:

وسط كل ذلك، يمكن القول إن إنضمام تركيا إلى الاتحاد الاوروبي أمر صعب جدًا إن لم يكن مستحيلًا، ولعل هذه الاستحالة مردها إلى الانهيارات المتتالية داخل الاتحاد الاوروبي الذي بات مهددًا في أمنه وتماسكه واقتصاده ونسيجه الاجتماعي، مما يزيد من تفاقم الأزمات بين تركيا والقارة العجوز.

 

 

تركياالاتحاد الاوروبي

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة