آراء وتحليلات

حرب العقوبات ضد روسيا.. نتائج عكسية

23/12/2020

حرب العقوبات ضد روسيا.. نتائج عكسية

صوفيا ـ جورج حداد

في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية السابقين، بفعل خيانة القسم الأعظم من الشريحة البيروقراطية النيوستالينية، وفي عهد العميل بوريس يلتسين وبطانته الاوليغارشية اليهودية، تعرضت روسيا لهجمة شرسة من قبل الاحتكارات الامبريالية الاميركية والغربية، وخصوصًا اليهودية، بهدف نهب الثروات الطبيعية اللامتناهية لروسيا، وتجويع وتشريد واذلال شعبها الشرقي العظيم، والقضاء على الصناعة والانجازات الاجتماعية والحضارية لروسيا، وتقليص عدد سكانها الى اقل من 50 مليون نسمة (حسب الوصفة التي قدمها آكل اللحم البشري سبيغنيو بريجينسكي، مستشار الامن القومي السابق لاميركا)، وتحويل روسيا الى مجرد بلد زراعي متخلف والى مصدّر للخامات والثروات الطبيعية فقط. ولكن روسيا، ذات التقاليد القومية ـ الاورثوذوكسية العريقة، سرعان ما انتفضت وأسقطت الحكم المشؤوم ليلتسين والاوليغارشية اليهودية الموالية للغرب، في اليوم الاخير من عام 1999، ونفضت الغبار عن الصواريخ وجميع الاسلحة الستراتيجية النووية، وأعادت تصويبها نحو جميع بلدان حلف الناتو الامبريالي العدواني وعلى رأسه اميركا، لقطع الطريق نهائيًا على أي تفكير بالاعتداء على روسيا ومحاولة السيطرة عليها. وحينما تأكدت الدوائر الامبريالية العليا، الغربية عمومًا والاميركية ـ اليهودية خصوصًا، من استحالة المواجهة العسكرية مع روسيا، اتجهت نحو:

ـ1ـ تحريك المعارضة الروسية العميلة الموالية للغرب، تحريكها بالتعاون مع الموساد والمنظمات الصهيونية، ومحاولة تنظيم "انتفاضة" أو "ثورة ملونة" تحت شعارات "الديمقراطية" المزيفة ومعارضة "معاداة السامية" المزعومة.

ـ2ـ وبالتعاون مع تركيا الاردوغانية والسعودية وشيوخ النفط العرب، عمدت المخابرات الأميركية والموساد الى تحريك العصيان المسلح في الشيشان والعصابات الارهابية الاسلاموية، التي ارتكبت مجازر فظيعة ضد المدنيين والأطفال والمرضى في مختلف الأراضي الروسية، في المستشفيات والمجمعات السكنية والمدارس ودور العجزة ومحطات القطارات والمطارات الخ.

ولكن السلطة القومية الروسية، بزعامة فلاديمير بوتين، وبالدعم الواسع من قبل جماهير الشعب الروسي، استطاعت أن تضع حدًا لتلك المؤامرة العالمية الكبرى ضد روسيا.

وأمام هذا الفشل التاريخي، اتجهت الامبريالية الاميركية ـ اليهودية نحو شن الحرب الاقتصادية ضد روسيا، عن طريق العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها وعلى جميع الدول والشركات التي تتعامل معها. وكانت هذه الحرب تهدف الى: تقويض الاقتصاد الروسي، واضعاف القدرات العسكرية لروسيا، وتخفيض مستوى المعيشة وتشجيع الاضطرابات الاجتماعية في روسيا، وتقويض العلاقات بين روسيا واوروبا الغربية وخصوصًا منع تزويد روسيا لاوروبا بالغاز الروسي ولا سيما منع مد خط انابيب الغاز المسمى "السيل الشمالي 2" من روسيا الى المانيا ومنها الى كافة البلدان الاوروبية الغربية والشمالية.

ولكن هذه الحرب الاقتصادية للامبريالية الاميركية ـ اليهودية ضد روسيا فشلت تماما في تحقيق اهدافها، بالرغم من جميع التضييقات والاضرار التي لحقت بالاقتصاد الروسي. ويكفي أن نشير الى المعطيات التالية:

ـ1ـ بالرغم من كل الآثار السلبية للعقوبات الأميركية، فإن الاقتصاد الروسي تابع نموه واستطاع تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 ـ 2009 أفضل بكثير من أميركا وجميع الدول الاوروبية.

ـ2ـ وبالرغم من جميع الصعوبات استطاعت روسيا تنفيذ البرنامج الطموح والجريء لتطوير القوات المسلحة الروسية (المسمى برنامج 2020) والذي هدف الى تجديد الجيش الروسي وتحديث اسلحته بالكامل، وتحقيق التفوق النوعي على الكتلة الغربية، مما يعفي روسيا من تبعات خوض سباق تسلح تقليدي عالي التكاليف مع اميركا والكتلة الغربية. وفي الايام القليلة الماضية صرح الرئيس الروسي بوتين بأنه تم تحديث الجيش بنسبة 86%، مما لا مثيل له في اي جيش في العالم، بما في ذلك اميركا التي تبلغ ميزانيتها الحربية 770 مليار دولار، في حين ان الميزانية الحربية الروسية هي اقل من 50 مليار دولار. ويكفي ان نذكر:

ـ أ ـ الصاروخ المجنح عالي الدقة (والذي استخدم في المعركة ضد تجمعات داعش في سوريا) الذي يطير بسرعة اضعاف سرعة الصوت، وبطريقة التفافية للالتفاف حول الموجات الرادارية المعادية واختراقها، واصابة الاهداف بسرعة خارقة ودقة متناهية، هو قابل للتحميل برأس نووية. والآن ترابض الغواصات النووية الروسية بمحاذاة المياه الاقليمية الاميركية، وكل منها يحمل العشرات من هذه الصواريخ القادرة علىى الدخول من احدى النوافذ لتفجير الغرفة البيضاوية داخل البيت الابيض الاميركي، او تفجير الشحنة النووية في اي مدينة اميركية "محظوظة".

ـ ب ـ الصاروخ النووي المذهل الذي يطير بسرعة تتجاوز 27 مرة سرعة الصوت قادر على اختراق جميع الموجات الرادارية والانظمة الصاروخية والمضادة للصواريخ، والدوران حول الكرة الارضية في ساعة واحدة، وقادر بالتالي على الانطلاق من روسيا وضرب اميركا بالنووي في اقل من نصف ساعة، مما يتجاوز جميع اجهزة الانذار في العالم. ويقول الخبراء ان هذه التكنولوجيا الصاروخية الروسية الجديدة تتقدم على التكنولوجيا الاميركية بخمسين سنة على الاقل.    

ـ ج ـ قبل عدة سنوات انتج العلماء الروس والمجمع الصناعي ـ الحربي الروسي الصاروخ المسمى "توبول ـ M" الذي يزن 100 طن، العابر للقارات والذي يطير باضعاف سرعة الصوت وهو مجهز باجهزة استشعار وبث للتشويش على جميع الموجات الرادارية والصواريخ المضادة المعادية، والقادر على حمل عشر رؤوس نووية كل منها تبلغ قوته اضعاف اضعاف  قوة القنبلة التي القاها الاميركيون على هيروشيما في 1945، ويمكن توجيه كل رأس نووي نحو هدف مختلف، او توجيهها كلها نحو هدف واحد فتحدث دمارا جهنميا لا يمكن تصوره. وقد اطلق حلف الناتو على هذا الصاروخ تسمية "الشيطان". ومؤخرا انتج المجمع الصناعي ـ الحربي الروسي نسخة مطورة عن هذا الصاروخ "الشيطان". ويبلغ وزن الصاروخ النووي  العملاق الجديد  200 طن (فقط!!!)، وتحدث قوته الانفجارية لدى ارتطامه بالارض زلزالا رهيبا في دائرة قطرها الاف الكيلومترات. وقد دخل هذا الصاروخ في الخدمة في الاشهر القليلة الماضية، وتكفي منه "هدية" او اثنتان لاميركا كي تمحى تماما  عن الخريطة.

واستنادا الى ما تقدم نقول باختصار: ان المواجهة العسكرية الشاملة بين روسيا واميركا قد انتقلت نهائيا من المستوى الاستراتيجي العسكري (اي مسالة القدرة على الانتصار) الى المستوى الوجودي الانساني (اي مستوى الشفقة على الشعب الاميركي المضلل من خطر الابادة الكاملة له بسبب النظام الامبريالي ـ اليهودي لاميركا).

ـ3ـ في السنوات المنصرمة استطاعت روسيا رفع مستوى معيشة السكان بزيادة الأجور والمعاشات التقاعدية والتقدمات للعائلات متعددة الاولاد والخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية. وقد تجلى ذلك بشكل بارز في مواجهة أزمة وباء كورونا بشكل أفضل بما لا يقاس من أميركا وجميع الدول الاوروبية.

ـ4ـ وفي النطاق الاوروبي أدت حرب العقوبات ضد روسيا الى خسارة دول الاتحاد الاوروبي لمئات الوف وظائف العمل، والى خسارة عشرات ملايين اليوروهات سنويا. وهذا ما دفع مختلف الدول والشركات الاوروبية الى التباعد أكثر فأكثر عن أميركا والتقارب مع روسيا. وتبدى ذلك بالاخص في مشروع انبوب الغاز القاري الضخم المسمى "السيل الشمالي 2" الذي يشق طريقه نحو التطبيق عبر بحر البلطيق من روسيا الى المانيا، برغم جميع التهديدات والقرارات العقوباتية لاميركا التي عجزت عن تقديم بديل منافس للغاز الروسي. والآن تعمل المانيا وغيرها من الدول الاوروبية والمئات من الشركات الاوروبية للالتفاف حول العقوبات الاميركية المنافية للقوانين الدولية، ولزيادة التعاون مع روسيا في شتى القطاعات التجارية والاقتصادية.

ـ5ـ ان العنجهية الامبريالية ـ اليهودية لاميركا دفعتها لارتكاب حماقة كبرى على المستوى الجيوستراتيجي العالمي، وهي أنها أقدمت على شن الحرب الاقتصادية والتجارية وفرض العقوبات ضد الصين وايران، جنبا الى جنب روسيا. وهذا أحد العوامل الرئيسية التي دفعت هذه الدول الشرقية العظيمة الثلاث الى تجاوز جميع الاختلافات السياسية والايديولوجية والدينية فيما بينها، والتشكّل موضوعيا في "محور شرقي جديد"، وتعميق التعاون فيما بينها على مختلف الأصعدة، ولا سيما على المستوى المالي والتجاري والاقتصادي والعسكري. ومن أهم انجازات التعاون بين هذه الدول الشرقية العظيمة هو انشاء نظام تبادل تجاري ومدفوعات مالية، خارج نطاق النظام المالي العالمي المرتبط بالدولار. وقد بدأ النظام المالي العالمي اللادولاري الجديد يفرض نفسه في الأسواق العالمية برمتها. وسيؤدي ذلك الى تصفير أضرار حرب العقوبات الاميركية حاليًا، والى تقليص النظام المالي الدولاري وتفجيره من داخله في المدى الزمني القريب. ويحمل ذلك في طياته خطر انهيار الولايات المتحدة الاميركية كدولة وتفككها الى مجموعة دول متناحرة.

وان غدا لناظره قريب!


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل  

روسياالولايات المتحدة الأميركية

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة