خاص العهد

الحكومة وآليات العمل الاقتصادي.. لا ثقة بوجود أصحاب المصارف في السلطة

378 قراءة | 08:59

العهد

توالي الحديث عن أزمات مالية واقتصادية جعل الكثيرين يتطلعون إلى الحكومة كعصا سحرية أو على أقل تقدير كحكومة إنقاذ . إلا أن العارف بالتجارب الحكومية السابقة قد لا يملك مستوى التفاؤل ذاته أو حتى الأدنى منه. وإذا ما كان مجرد وجود الحكومة أشاع نوعا من الاستقرارالسياسي والطمأنينة الاجتماعية، فإن اعلان تشكيلة معالي الوزراء انعكس إيجابا على أسعار السندات بارتفاعها بقيمة 4.3 نقاط.

ومع العلم أن أمام الحكومة استحقاقات اقتصادية مصيرية، إلا أن أبرزها يتمثل بالمحافظة على نظام تثبيت سعر الصرف السائد منذ أواخر التسعينيات واستحصال أموال سيدر والالتزام بما يتوافق معها من شروط، إضافة إلى العمل على انتاج النفط والاستفادة من عودة الهدوء إلى الساحة السورية.

وبلمحة أولية للاقتصاد اللبناني، تجتاح الأسواق حالة من الركود. وهذا أهم ما يعانيه لبنان من السياسات المنتهجة من قبل الحكومات السابقة.

فنظام سعر الصرف الثابت يعكس قيمة أعلى لليرة اللبنانية مما هي عليه الأمر الذي يجعل ثمن الاستيراد أعلى على اللبنانيين وثمن الصادرات اللبنانية مرتفعة بالنسبة للأجانب. وبالمحصلة، تتوازى إيجابية استقرار الليرة وما تعكسه من حالة ثبات مع مساوئ العجز في الميزان التجاري والحاجة الدائمة إلى العملات الأجنبية لتدخل المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف وما يتماشى معها من فوائد مرتفعة.

أما ما نتج عن سياسات الاستدانة المتبعة من الحكومات السابقة فهو دين عام بارتفاع مستمر. فالحكومات لجأت إلى الحصول على ديون لم تظهر خطط لسدادها،  فكانت نتيجتها عجزاً في الميزانية لصالح خدمة الدين بفائدة محصورة بإعمار بيروت وإنشاء سلسلة من الطرقات. كان الهدف بحسب الخطة ضخ الأموال على البنى التحتية وبيروت لجذب السياح وتفعيل الحركة الاقتصادية نظرا لما توفره البنى التحتية من سهولة في نقل البضائع وخفض في التكاليف. الهدف لم يتحقق، فالمرافئ متواضعة والطرقات مقتصرة على المدن الأساسية والنمو في الناتج المحلي محدود. وعودا على بدء، انحسرت الاستدانة بمساوئها من خدمة الدين العام والعجز في الميزانية.

كذلك شهد لبنان 12 عاما من الميزانية المغيبة لإخفاء فساد استنزف الأموال العامة فبات الإنفاق بحسب القاعدة الاثني عشرية. ملخص الميزانيات المفترضة السابقة هو عجز دائم في ظل نظام ضريبي أنهك الطبقة المتوسطة لتنحسر الأموال لدى فئة معينة. فالنفقات كانت تصرف بشكل أساسي في خدمة الدين العام والكهرباء، ورواتب وأجور القطاع العام. وما زال المواطنون يعانون من غياب في الكهرباء وانخفاض في إنتاجية القطاع العام. أما إيرادات الدولة فتتكون بشكل أساسي من الضرائب وخصوصا غير المباشرة والتي تنهش الطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل.

تستمر حجج الطبقة الحاكمة لضرورة فرض الضرائب المنخفضة على المصارف للحفاظ على الاستثمارات كونها القطاع الأنشط في لبنان. كذلك الأمر يعمد المصرف المركزي إلى الفوائد المرتفعة للحفاظ على السياسة المتبعة من تثبيت سعر الصرف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية. كما يعمد إلى الهندسات المالية بتبريرات مختلفة. ولكن وفي ظل حقيقة وجود أصحاب المصارف في السلطة لا يمكن الوثوق بالسياسات المنتهجة. فالمصالح الشخصية لأصحاب السلطة تجعل الشعب وأمواله في خدمتهم.

أخيرا، إن دعم الدولة ينحسر إلى حد كبير بدعم قطاع العقارات. وهذا ما جعل أزمة قروض الإسكان مفصلية بالحديث عن انهيار اقتصادي. من هنا يجب أن تنطلق سياسات الدعم المستقبلية، بحسب النظرية الاقتصادية لتقليص المخاطر، عبر تنويع القطاعات المدعومة.

إن ما عاناه لبنان من مشاكل يعود إلى انتهاج الخطوات بعيدا عن وضع خطط في ظل استراتيجية واضحة الهدف. اللجوء إلى سيدر للحصول على الأموال بغير خطط واضحة للتسديد هو خطوة إضافية على خطى الحكومات السابقة.

علاوة على ذلك، إن صرف الحكومة للأموال بلا ميزانية هو فساد وهدر يجب أن يتوقف ويحاسب من انتهجه سابقا. كما أن تصحيح النظام الضريبي بات استحقاقا ضروريا. تشير التصريحات إلى رغبة الحكومة القادمة برفع الضريبة غير المباشرة وبالتالي الضغط على حركة السوق البطيئة أصلا. لا بد من نظام ضريبي يبرز الضريبة التصاعدية على حساب الضريبة غير المباشرة. كما تجب الإشارة الى أن الضرائب يقدمها المواطنون لقاء خدمات وبالتالي تجب معالجة أزمة الكهرباء وتفعيل القطاع العام وإعادة إحياء المرافئ كبديل للضرائب.

إن ما تقدمه الحكومة يجب أن ينطلق من واقع هذه الأزمات والمعاناة التي يعايشها اللبنانيون. يحتاج لبنان إلى نمو في القطاعات الإنتاجية ليتحقق نمو فعّال في الناتج المحلي. إن فرصة سيدر وإنتاج النفط وعودة العلاقات التجارية مع سوريا يجب أن تترجم لصالح اللبنانيين وليس كما ترجمت الفرص السابقة لصالح الطبقة الحاكمة.