الربيع الاميركي

نقاط على الحروف

اغتيال الدكتور فخري زاده وطعم التروّي المرّ

30/11/2020

اغتيال الدكتور فخري زاده وطعم التروّي المرّ

ايهاب زكي

لو كانت "إسرائيل" تعرف أنّ هذا الاغتيال سيؤدي للحرب لما تجرأت عليه، ولو كانت أمريكا تعرف أنّ ضوءها الأخضر، سيؤدي لتوريطها في حربٍ لما منحته، هذه القاعدة الذهبية إن غابت عن أيّ تحليلٍ سيصيبها العوار قطعًا. فعملية اغتيال العالم النووي البارز ورئيس منظمة الأبحاث والابداعات بوزارة الدفاع الايرانية، الدكتور الشهيد محسن فخري زاده تدلل بالقطع على صوابية تلك القاعدة لا العكس، حيث تدركان أنّ الردع العسكري لإيران لا يزال قائمًا، والردع العسكري لمحور المقاومة لا يزال في ذروته، لذلك تتجنبان المنازلة في هذا المضمار، وتتهربان إلى الإرهاب الأمني والاقتصادي وغيرهما، لقابلية انطباق سياسة التروّي التي تمارسها إيران ويمارسها محور المقاومة على ذلك الإرهاب. لذلك فإنّ "إسرائيل" حين أقدمت على تلك الجريمة الإرهابية، كانت تهدف إلى التخلص من رجلٍ قدير في برامج إيران الدفاعية، فالرجل بموقعه بحد ذاته هدف ثمين بعيدًا عن أيّ هوامش، ثم تسجيل نقطة قوة مقابل إثبات هشاشة أمنية إيرانية، تتماشى مع الحرب النفسية التي تشنها بالتعاون مع إعلام ومؤسسات ومثقفي النفط، التي تحاول ترسيخ مفهوم أنّ إيران نمرٌ من ورق، وتشجيع المترددين في دخول حظيرة التطبيع.

وحظيرة التطبيع هذه بحاجة لنشر الكثير من اليأس والإحباط في العالمين العربي والإسلامي، كما أنّها بحاجة إلى الكثير من مظاهر القوة "الإسرائيلية"، حتى تتحول الحظيرة إلى حلفٍ عربيٍ - "إسرائيلي" معلن في وجه محور المقاومة، ويعتقد العدو أنّ هذا هو السبيل الوحيد لإطالة أمدّ وجوده. أمّا الدخول في مواجهة عسكريةٍ فهو أكثر من يدرك أنّها النهاية، وأذكر حين قال السيد حسن نصر الله "إنّ الكثير من أعداء المحور في لبنان مع استمرار ذات السياسات المعادية إقليمياً ودولياً سيصبحون أصدقاءً"، بينما سياسة التروّي المنتهجة قد تؤدي لتسرب أصدقاء المحور، وهذا أيضاً من الأهداف التي تعمل عليها "إسرائيل"، حيث استهداف البيئة الحاضنة كما استهداف فكرة المقاومة ذاتها، إن كان من خلال إثبات عدم جدواها، أو إثبات عدم كفاءة القائمين عليها، أو إعادة ترسيخ صورة قدرة العدو الذي لا يُقهر، خصوصاً أنّ العقل الجمعي عادةً ليس عقلاً سياسياً بارداً، بل تغلب عليه الحماسة، والرغبة الدائمة في تلمس جدران الاستناد الصلبة، خصوصاً إذا ما أُخذ بعين الاعتبار تعرضه لحربٍ إعلامية شرسة وبلا ضوابط مهنية أو أخلاقية.

ويبدو أنّ التصريحات الإيرانية التي تحدثت عن ردٍّ ذكي، قد لحظت هذا الأمر كما لحظت أمورًا أخرى تتعلق بتوقيت الجريمة. ومن المعروف عن السياسة الإيرانية أنها سياسة ذكية بالسليقة حتى دون تعمد استخدام الذكاء، كما أنّها تمتاز بالنفس الطويل، ولا تخضع لردات الفعل، فيختلط عليها التكتيكي بالاستراتيجي، فالتلويح مثلًا برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20%، ومنع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التفتيش المفاجئ لمنشآتها النووية، هما أول قطاف استراتيجي لخطوة "إسرائيل" التكتيكية، لكنها في ذات الوقت وفي المفهوم الأمني، ليست ردًا على جريمة الاغتيال، وهذا ما أدركه أحد المحللين "الإسرائيليين" حين قال "أنّ إيران تلعب معنا الشطرنج لا التنس".

 لذلك فإنّ الردّ الإيرانيّ لا جدال فيه، وهو آتٍ كقدرٍ محتّم، ولكن شكله وتوقيته ومكانه، فهذا ما على "إسرائيل" أن تجهد في استنتاجه، وتشقى في انتظاره، كما أنّ مروحة الردّ قد تطال دافعي "الخوّة"، الذين يعتقدون أنّ دفع المال يجعل من "إسرائيل" مظلة حماية، بينما الحقيقة أنّها تتخذ منهم أكياس رمل، وتدفع بهم ليكونوا غبار معركةٍ لا يدركون وطيسها جهلًا أو انصياعًا، والأرجح كلاهما.

إنّ الأيام الخمسين المتبقية في ولاية ترامب، ستشهد تصاعدًا في الحرب الأمنية، وهو تصاعدٌ سيعتمد بالدرجة الأولى في طبيعته على طبيعة الردّ الإيراني، كما ستكون ساحة المعركة هي ساحة محور المقاومة على اتساعها لا الساحة الإيرانية حصرًا، فطبيعة الردّ الإيراني ستتقرر على إثره في "تل أبيب"، إغلاق هذه الثغرة مرة واحد وإلى مدى عمر الصراع أو بشكلٍ مؤقت، وإذا غُلّت يد "إسرائيل" أمنيًا على إثر هذا الردّ كما غُلّت عسكريًا، على إثر موازين القوة، سيكون التآكل مسارًا طبيعيًا لقدراتها ووجودها، وأعتقد أنّ الردّ الإيراني لن يكون على قاعدة "رأسٌ برأس" فقط، بل سيكون في إطار تغيير قواعد الحرب الأمنية المشتعلة منذ زمن، وأن يجعل "إسرائيل" تفكر كثيرًا قبل الضغط على الزناد، قبل أن تحيل فرق الاغتيالات لديها للتقاعد القسري في الساحة الإيرانية، خصوصًا إذا وصلت رسالة إيرانية لـ"إسرائيل" مفادها أن كل عمليةٍ أمنية داخل إيران، حتى لو بتوقيع جماعات إرهابية محلية، ستتحمل "إسرائيل" مسؤوليتها وتبعاتها، وهذا حتى يدرك العدو أنّ الوقوف على "إجر ونص" لا يأتي فرادى، وستتذوق طعم التروي الإيراني المرّ.

 

الجمهورية الاسلامية في إيرانمحسن فخري زادة

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة