خاص العهد

مرندي يستذكر انتصار الثورة: إيران في أحسن حال بعد أربعين عاماً

852 قراءة | 12:10

نور رضا

بعد مرور أربعين عاماً على انتصار الثورة الإسلامية، تقف إيران في موقف مختلف جداً على الصعيدين المحلي والدولي، وتعتبر لاعباً رئيسياً في النظام العالمي الحالي. ثورة غير متوقعة في ذلك الوقت أخذت العالم على حين غرة، وقد حدثت حين كانت قوة الشاه في ذروتها وكان آنذاك مدعوماً من الولايات المتحدة. مع ذلك، فإن الشعب الإيراني على مختلف مستوياته ومن مختلف الطبقات الاجتماعية سواء كانوا يعيشون في الداخل أو الخارج نهضوا جميعاً لدعم الثورة والمثل العليا لمؤسس الثورة الإسلامية آية الله روح الله الخميني الذي كانت فلسفته الرئيسية نصرة ودعم المستضعفين.

في سياق استعادة بعض أحداث الثورة وذكرياتها التقى موقع "العهد" الاخباري مع شخصية بارزة ساهمت في تثبيت أسس الثورة ودعائمها وكان لها دور كبير في ما قامت به الحكومة الايرانية من خطط عملية لتحسين الوضع في الداخل الايراني على الصعيد الصحي بالحد الأدنى. يستذكر الوزير السابق السيد علي رضا مرندي مع "العهد" بعضاً من أحداث ومجريات تلك الأيام الخالية التي لا تزال حيةً وكأنما حدثت بالأمس، وهو يسرد أحداث ووقائع من حياته في أيام الثورة سواء عندما كان مقيماً في الولايات المتحدة الأمريكية يمارس مهنة الطب أو عند عودته مع انتصار الثورة.

قبل اندلاع الثورة

يجلس الوزير السابق في مكتبه في أكاديمية العلوم الطبية في شمال طهران بهدوء ليسرد لنا بعضاً مما جرى في تلك الأيام عندما كان فرداً من أفراد الشعب الايراني وطبيباً بذل عمره لخدمة الناس ووزيراً يشعر بالمسؤولية تجاه الثورة الاسلامية ويسعى الى تحصين الجمهورية ويدفعها الى الاكتفاء الذاتي.

يسرد لنا الدكتور مرندي بعضاً من أحداث ما قبل الثورة بعقد بل وأكثر، فقد كان من المهتمين بالفكر الاسلامي وفلسفة الامام الخميني والعلماء منذ أوائل المسيرة. في العام 1963 وفي ما يطلق عليه انتفاضة 15 خرداد (الشهر الشمسي المعادل لشهر يوليو من التقويم الميلادي) قرر بعض الايرانيين التظاهر اعتراضاً على اعتقال الامام الخميني في ذلك الوقت، فقد جاء اعتقال الامام الخميني من بعد إدانته لنظام الشاه و العدو الصهيوني. كان الدكتور مرندي طالباً في كلية الطب في جامعة طهران، وكان من بين الناشطين القلائل في تلك الأيام.

يقول ميرندي: "كنا قلة ولكننا لم نخف من نظام الشاه وتعسفه. مع أن أغلبية الطلاب كانوا يعارضون نظام الشاه إلا أن الخوف كان يسيطر على قلوبهم فكانت أعداد قليلة تخرج للتظاهر. قررنا أنا وبعض الطلاب أن ننشئ جمعية متواضعة في حرم الجامعة وكنا ندعو شخصيات كالمهندس مهدي بازاركان وآية الله مرتضى مطهري وآية الله راشد ليلقوا خطاباتٍ في حرم الجامعة. كنت أيضا أقوم بتوزيع خطابات الامام الخميني سواء على شاكلة منشورات ورقية أو أشرطة صوتية مسجلة. مع أن الجيش لم يكن له حق الدخول الى حرم الجامعة الا أنه اقتحم الحرم الجامعي في إحدى الليالي مع لائحة أسماء طلابٍ ليتم اعتقالهم وكان اسمي من بين الأسماء. تم اعتقالنا ولكن لم يكن هناك مكان في السجون لاكتظاظها بالمعتقلين فأخذونا عندها الى إحدى الثكنات العسكرية المعروفة "جمشيدية" وبقينا قيد السجن لثلاثة أشهر. كانوا يمارسون الضرب والتعذيب المختلف علينا في التحقيق ولم نكن نعتقد أننا سنخرج، وكنا منقطعين تماماً عن العالم الخارجي، فلا صحف ولا راديو ولا وجود لأي وسيلة تواصل أخرى. فجأة ومن دون علم سابق تم اخلاء سبيلنا".

بعد خروج مرندي ورفاقه من السجن، حاول نظام الشاه بشتى الطرق اجبارهم على أن يصبحوا جزءًا من حركة الشاه الدعائية والترويجية لأفكاره ومن المدافعين عن النظام القائم، لكن السيد مرندي كان دائماً يجد مخرجاً مناسباً دون أن يتطرق الى الشاه وثورته البيضاء من قريب أو بعيد، وهذا أيضاً كان نوعاً من أنواع المقاومة الذكية في وجه الحكم الشاهنشاهي المستبد.

يصف الوزير السابق الوضع في ذلك الحين قائلاً: "لم يثننا السجن والتعذيب عن مواصلة الطريق. بمجرد أن أنهيت دراستي الجامعية وذلك كان بعد عام من الاعتقال، بدأت أتنقل من قرية الى أخرى لأخدم الناس وأقدم لهم النصائح والمعلومات الطبية. كان نظام الشاه يدفع لنا أموالاً طائلة لنشارك باحتفالاته ونلقي الخطابات فيها، وكانت قوة الدرك العسكرية أيضاً تطلب مني ومن رفقائي القاء الخطابات في بعض الاحتفالات هنا وهناك وتحثنا على الحديث عن ثورة الشاه البيضاء. كنت أبدأ حديثي مخاطباً الناس بارشادات صحية ونصائح طبية لينتهي الوقت قبل أن أقول كلمة واحدة عن الشاه مادحاً له ولنظامه. أما النقود، فلم أكن أصرف منها ريالاً واحداً بل كنت أشتري بها مواد طبية وأدوية للناس. بعدها تم اتهامي بالتواطؤ ضد نظام الشاه، فصدر حكم ينص على اعتقالي لكنني كنت قد سافرت الى الولايات المتحدة ولم ينفذ الحكم بحقي. حاول رجال الشاه الضغط على والدي وجاؤوا به مراراً في محاولة الضغط عليه لإجباري على العودة ليتم اعتقالي الا أن طلبهم كان كلاماً فارغاً وطبعاً لم أرجع."

نصرة الثورة حتى في الغربة

مارس الدكتور مرندي مهنة الطب في الولايات المتحدة الأمريكية وشغل مناصب عدة في الجامعات والمؤسسات الطبية. الا أن عقله وقلبه لازما الثورة وأخبار الوطن ولم يتوانَ عن نصرة الثورة التي لم تكن قد ولدت بعد. "كنت أنا وزوجتي نشتري الكتب والشرائط المسجلة بصوت الامام الخميني وكان عندنا ما يشبه المكتبة الصغيرة في بيتنا. وكان الطلاب والأطباء وأبناء الجالية الايرانية يأتون الى منزلنا لاستعارة هذه الممتلكات الثمينة. قمنا أنا وأصدقائي الأطباء أيضا بتأسيس جمعية ترأستها وهي جمعية لكل ايراني يزاول الطب في أمريكا وكندا. كانت الجمعية تصدر جريدة صغيرة وكنا دائماً نقيم نقاشات وحوارات في شتى المناطق."

إضافة الى ذلك، كل ما كان باستطاعته القيام به وهو في بلاد الغربة هو ارسال الأموال لنصرة الشعب. يقول الطبيب "كان الكثير من الناس ذوي الدخل المحدود يضربون عن العمل وينزلون الى الشوارع للمشاركة بالمظاهرات السلمية، ولم يكن بمقدوري الا ارسال المال لدعمهم ومساعدتهم." مصالح مرندي الشخصية من مال ومنصب وجاه في أمريكا لم تثنه لحظة عن العودة، فبمجرد أن علم بأن الامام عائد من منفاه في فرنسا وبأن ولادة الثورة قد حانت قرر وزوجته العودة الى أحضان الوطن.

العودة وأداء التكليف

رجع السيد مرندي الى الجمهورية الاسلامية وكان يبحث عن فرصة عمل. حاول أن يتجول بين القرى بسيارته الخاصة ليقوم بتلقيح الأطفال الا أن المشروع لم ينجح لأن مؤسسة الجهاد والبناء في ذلك الوقت أبلغته بأن هذا الأمر أصبح من صلاحيات وزارة الصحة.

كلما كانت تعرض عليه فرصة عمل كان يرفضها لأنها عمل اداري. "كنت مهتماً فقط بالعمل الأكاديمي والعلمي ولم أكن أرغب أبداً في تسلم منصبٍ اداري." الى أن شاء القدر أن جمعه بشخصيات كالشهيد الدكتور محمد باقر لواساني والدكتور علي أكبر ولايتي وغيرهما تحت سقف واحد في منزل صديق كان قد دعاه الى تناول العشاء مع بعض الزملاء. في هذا اللقاء اتصل آية الله السيد محمد حسين بهشتي يسأل المدعوّين إن كان هناك من يستطيع أن يشغل منصب وزير الصحة فقبل المنصب الدكتور زركر وكان بحاجة الى معاون من بين الحضور الا أن مرندي رفض لأنه غير مهتم بأي عمل إداري. توالت الأحداث الى أن عرض عليه وزير الصحة تولي منصب رئيس جمعية دعم الأطفال فرفض. حاول الكثيرون اقناعه ولكن من دون جدوى. إلا أنه وعند رفضه القطعي في المرة الأخيرة تلقى كلمات نزلت كالصاعقة على مسمعه.

يقول ميرندي: "قبل أن أخرج من مكتبه، قال لي الوزير "كلمة أخيرة أقولها لك: إن سألك أحد لماذا عدت الى ايران فلا تقل إنني رجعت من أجل الثورة بل من أجل اهتماماتي الشخصية!"".

أكمل الوزير السابق "فاجأني كلامه ولم يكن عندي إجابة. كان على حق، ادعيت أنني رجعت من أجل الثورة لكنني لم أكن أقبل أي عمل إداري مع أنه تكليفي. قبلت المنصب من دون تردد."

شغل الطبيب مرندي مناصب متعددة وفي خضم كل تلك الظروف الصعبة كان يحاول دائماً اتمام مهامه على أكمل وجه، وحتى عندما أصبح وزيراً كان همه أن ينصر المستضعفين ويساعد المحرومين.

خاض الوزير السابق في تفاصيل أكثر، واصفاً الفرق بين القطاع الصحي قبل وبعد الثورة قائلاً: "لم يكن هناك ما يدعى بالقطاع الصحي أيام حكم الشاه. كنت أحاول تطبيق تعاليم الإمام الخميني في نصرة وخدمة المستضعفين والمظلومين."

بعد جهد جهيد استطاع الوزير أن يبدأ بمشروع برنامج الخدمات الصحية في إيران: "بدأنا المشروع بـالقرى الصغيرة الى أن شمل البرنامج كل ايران لاحقاً. تحسن الوضع الصحي في البلاد بشكل لافت وملحوظ. تقلصت أعداد الوفيات لدى حديثي الولادة من 278 الى 51 طفلاً من بين كل 100 الف طفل وأصبح هذا العدد اليوم لا يتجاوز 18. كان الأطفال يموتون بكثرة بسبب الأمراض المنتشرة كالدفتيريا والشاهوق والتيتانوس والحصبة ومرض السل، إلا أن هذه الأعداد انخفضت كثيراً. فعلى سبيل المثال تقلصت أعداد الوفيات من 11 الف طفل بسبب الاصابة بمرض التيتانوس الى 7 أو 8 حالات فقط. كان التركيز الأكبر على المناطق المحرومة والنائية."  

أيضاً من ناحية الموارد البشرية والاكتفاء الذاتي، يقول السيد مرندي: "كان الشاه يأتي بالأطباء من العراق والهند وباكستان والفيليبين، إلا أننا استطعنا أن نصل الى اكتفائنا الذاتي. قمنا بإنشاء جامعة طبية في كل مدينة كبيرة في ايران. واليوم وبفضل الله هناك ما يقارب 150 ألف طبيب في ايران. لم نعد بحاجة الى دعوة أطباء من الخارج أو استيراد مواد طبية أساسية في الوقت الذي لم تكن تملك ايران فيه ابرةً وخيطاً حتى لتقطيب الجروح."

الثورة في أحسن حال

يختم الوزير السابق حديثه بالقول: "إن الثورة اليوم وبعد 40 عاماً من انتصارها في أحسن حال. كل من عرف ايران ما قبل الثورة، يفهم جيداً حجم التغيير بعدها. لم تكن هناك شوارع أو بنى تحتية وكانت الكثير من القرى تعاني من عدم توفر الماء والكهرباء. اليوم وبفضل الله ومساعدته للشعب الايراني والامام الخميني والامام الخامنئي، الثورة بألف ألف خير وايران تقف مستقلة ومكتفيةً ذاتياً رغم الحرب والعقوبات المفروضة والصعوبات كلها، بفضل النصر الالهي، إن تنصروا الله ينصركم."
*****
لمن لا يعرف الدكتور مرندي، هو طبيب إيراني وأستاذ في طب الأطفال وحديثي الولادة في جامعة الشهيد بهشتي. كان أستاذاً مشاركاً في جامعة رايت ستيت في أمريكا قبل أن يعود إلى إيران عند انتصار الثورة. شغل منصب وزير الصحة لمدة تسعة أعوام، فقام بدمج التعليم الطبي مع تقديم الرعاية الصحية، وقام بإنشاء جامعة واحدة للعلوم الطبية في كل من المحافظات الـ29 في ايران. فقد كان هدفه ايصال ايران الى الاكتفاء الذاتي سواء من ناحية الامكانات أو الموارد البشرية أو الخبرات والخدمات الصحية. من بين مساهماته الرئيسية برنامج تطعيم وطني ناجح للغاية (شمل أيضا برنامجا لإنهاء شلل الأطفال في إيران)، خفض كثيراً في معدلات وفيات الرضع والأطفال، فضلا عن تنظيم واحد من أنجح برامج تحديد النسل الوطني في العالم. هو رئيس الجمعية الإيرانية لأطباء الأطفال حديثي الولادة  وعضو مجلس إدارة جمعية التشجيع على الرضاعة الطبيعية لجمهورية إيران الإسلامية  واللجنة الوطنية للحد من وفيات الأطفال حديثي الولادة. وهو أيضا رئيس أكاديمية العلوم الطبية في جمهورية إيران الإسلامية، وحائز على جائزة صندوق الأمم المتحدة للسكان (1999).