الربيع الاميركي

آراء وتحليلات

ترامب في الوقت الضائع .. والأخطار المحتملة

25/11/2020

ترامب في الوقت الضائع .. والأخطار المحتملة

علي عبادي

لماذا نشهد استمرار هذه الهجمة المكثفة للتطبيع بين أنظمة عربية والكيان الصهيوني في مرحلة ما بعد الانتخابات الأميركية؟ وماذا يملك ترامب من خيارات في الفترة المتبقية له في الرئاسة؟

قبل الانتخابات الأميركية، كان واضحًا أن الهدف من اتفاقات التطبيع هو تسجيل إنجاز للرئيس الأميركي ترامب يمكن أن يسعفه في تحقيق رصيد انتخابي في موسم الانتخابات. لكن استمرار المناخ التطبيعي بعد الانتخابات التي خسر فيها ترامب يستبطن أهدافًا أخرى محتملة:

1ـ استدراج دعم إضافي لترامب في معركة التشبث بالسلطة، عن طريق شحذ إمكانات الدوائر الصهيونية لمساندة الطعون الانتخابية التي تقدم بها ولا تملك حظوظًا كبيرة. لكن ترامب لم ييأس بعد، كما يبدو، لقلب النتائج.

2ـ إرسال إشارات هامة لمن يعنيهم الأمر في الداخل والخارج أن ترامب لا يزال ينبض بالحيوية، وهو يخطط لاستكمال الأهداف التي رسمها والبقاء في المشهد السياسي. وإذا قُدر أن يخسر الرئاسة الآن، فإنه قد يعود في العام 2024، كما يلمح المقربون منه. وهو يسعى خلال ذلك لاكتساب دعم من الأوساط الصهيونية اليهودية والمسيحانية باعتباره "رجل القول والفعل" في دعم "اسرائيل" بشكل مطلق ودون تردد.

3ـ مع انشغال ترامب بمعركة التشبث بالسلطة في الداخل، يبرز وزير خارجيته مايك بومبيو في الخارج: يجول كوزير لخارجية "اسرائيل" مصطحبًا وزراء عربًا لتوقيع مزيد من اتفاقات التطبيع، ويشرعن مستوطناتها واحتلالها للضفة الغربية والجولان، ويعلن التوجه لتجريم حركة المقاطعة العالمية BDS  لمنتجات المستوطنات. مع الإشارة الى انه قبل شهور من الانتخابات الاميركية، ترددَ أن بومبيو يمدّ عنقه للترشح لانتخابات العام 2024 الرئاسية. بهذا المعنى، يخطط بومبيو الذي يتماهى مع نهج ترامب ويتصرف كنصير مطيع له، لأن يكون الوريث الطبيعي للتيار الترامبي في حال غاب قائده لأسباب طبيعية بالوفاة أو غير طبيعية بالسجن بسبب ملفاته القضائية.

4ـ تهيئة الأرضية لاستيلاد تحالف اسرائيلي- عربي (سعودي وبحريني وإماراتي) يقف في وجه الجمهورية الاسلامية في ايران، ويضيف مزيدًا من التعقيدات أمام أي عودة محتملة لإدارة بايدن المقبلة الى الاتفاق النووي.
وبات المسؤولون السعوديون والاسرائيليون يتحدثون الآن بصوت واحد عن ان "لا عودة" للاتفاق النووي، وهم يحددون الشروط والضوابط التي يعتبرون أنه ينبغي للإدارة الأميركية المقبلة الالتزام بها، بما يعكس قلقًا عارمًا من إخفاق الرهان على الضغوط القصوى التي مارستها إدارة ترامب على ايران لإرغامها على الاستسلام. وفي هذا الجو تحديدًا، جاءت الأنباء عن لقاء ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو على أرض سعودية بترتيب من بومبيو.

خيار الحرب في الميزان

كل الاحتمالات السالفة واردة. لكن هل يسمح ذلك بتوقع القيام بمغامرة عسكرية ضد ايران مثلاً في الفترة الانتقالية قبل تسلم بايدن منصبه في 20 كانون الثاني/ يناير المقبل؟

لا يمكن لأي عاقل نفيُ مثل هذا الاحتمال بالمطلق. وجاءت في هذا السياق الأنباء عن رحلة القاذفة الاستراتيجية الاميركية بي-52 الى المنطقة، واحتمال توريد قنابل أميركية خارقة للتحصينات الى الكيان الصهيوني، وإقالة وزير الحرب الأميركي مارك إسبر، وسحب وحدات أميركية من العراق وأفغانستان. والخطوة الأخيرة قد تهدف الى سحب أهداف شاخصة من أمام إيران في حال قامت واشنطن بعمل عسكري ضدها. بيدَ أن المساس عسكرياً بإيران ليس رغبة أميركية، بقدر ما هو رغبة اسرائيلية وسعودية. وللبنتاغون رأي سابق في معارضة عمل عسكري ضد إيران، في وقت لم يتعافَ الجيش الاميركي فيه من جروحه في العراق وأفغانستان. ولا يبدو أن هذا الرأي قد تغير، ومن غير المرجح أن يوافق القادة العسكريون الأميركيون على وضع الجيش في الفترة الانتقالية الرئاسية على مسار حرب جديدة في الشرق الأوسط من أجل أغراض شخصية أو شعبوية. فضلاً عن ذلك، هناك حساب تكاليف الحرب وتبعاتها التي يصعب تقديرها من الآن، ويعرف ترامب أن المزاج الشعبي الأميركي لا يتحمل تضحيات في الخارج مادياً وبشريًا.

ماذا عن احتمالات أخرى؟

من خلال تتبُّع طريقة عمل ترامب في السنوات الأربع الماضية، يتبين أن الرئيس الأميركي يفضّل تسجيل الأهداف بالنقاط وعقد الصفقات السريعة، ولا يميل إلى التورط في جولات قتال طويلة. وفي هذا الإطار، يمكن توقع لجوء ترامب الى ضربات موضعية في سوريا أو العراق أو اليمن (ثمة حديث عن إمكان وضع أنصار الله على لائحة المنظمات الإرهابية)، أو تغطية ضربة اسرائيلية محتملة في لبنان بذريعة أو بأخرى. كما يمكن الأخذ في الحسبان إمكان اللجوء الى اغتيال شخصيات محسوبة على محور المقاومة، وهذا الاحتمال وارد خاصة في العراق وسوريا. وقد ألمح ترامب في الشهور الأخيرة الى تفكير سابق لديه باغتيال الرئيس السوري، كما تُسجَّل تهديدات أميركية لقادة فصائل المقاومة في العراق.  

في المحصلة، يبدو أيّ عمل عسكري عدواني ضد إيران خيارًا إسرائيليًا متجذرًا حاول نتنياهو تسويقه لدى الأميركيين منذ عهد أوباما، لكنه لم يفلح. وهو يحاول ضرب ايران عن طريق الأميركيين، لكن لواشنطن حسابات وخيارات أخرى. كما ان السعوديين حضُّوا الإدارات الاميركية المتعاقبة على ضرب ايران، وفق ما ظهر في وثائق ويكيليكس نقلاً عن الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. وتبدو نافذة الفرص الفاصلة قبل رحيل ترامب ضيقة أمام عمل عسكري كبير، وهو قد يرى أن نهج العمليات السريعة ممكن اتّباعه مع حلفاء إيران لتوجيه ضربة معنوية لها وتقليم دورها الإقليمي القيادي ومحاصرة تأثيرها المتعاظم في معادلة القوة مع الكيان الصهيوني وتحدي الهيمنة الأميركية على المنطقة.

غير أننا ينبغي أن نضيف أن لمحور المقاومة خططه للمواجهة، وهو الذي صمد في وجه الضغوط القصوى، وبوسعه أن يحيل أية مغامرة الى فرصة لمصلحته اعتمادًا على يقظته وإمكاناته المتراكمة.

المقاومة الإسلاميةالولايات المتحدة الأميركيةالكيان الصهيوني

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة