الربيع الاميركي

آراء وتحليلات

أميركا في نفق الفوضى والانقسام.. ماذا يتغير؟

12/11/2020

أميركا في نفق الفوضى والانقسام.. ماذا يتغير؟

سركيس ابوزيد

 انها أھم وأغرب انتخابات أمیركیة وأكثرھا إثارة وتشویقًا.. ومن مفارقاتها وتداعياتها حيازة الرئیس المنتخب جو بایدن على أعلى نسبة أصوات بین كل الرؤساء الأمیركیین، وھو ثاني رئیس أمیركي كاثولیكی بعد جون كینیدي الذي اغتیل في الستینيات ولم یكمل ولایته.

الرئیس دونالد ترامب ھو ثالث رئیس أمیركي یفشل في الفوز بولایة ثانیة بعد جیمي كارتر (أواسط السبعینيات) وجورج بوش الأب (بدایة التسعینيات). ومع ذلك حصل ترامب على 70 ملیون صوت موسعًا قاعدته الشعبیة، ومع رقم یفوق الذي أوصله الى البیت الأبیض عام 2016.

أما كمالا ھاریس، فھي أول امرأة تُنتخب نائبًا للرئیس. ومع تقدم بایدن في العمر یُصبح لموقع نائب الرئیس أھمیة زائدة، ویُصبح ترشیح ھاریس من قبل الحزب الدیمقراطي لرئاسیات 2024 أمرًا مطروحًا مع استبعاد ترشیح بایدن.

خسارة دونالد ترامب جاءت ثقیلة لم یستوعبھا ولم یصدقھا ولم یستسلم لھا بسھولة. وفيما یقضي التقلید بأن یتصل المرشح الخاسر بالآخر الفائز لتھئنته، لم یتصل ترامب ببايدن، ولم یعترف بالھزیمة، ولا یُتوقع أن یقدم على خطوة كھذه قبل استنفاد الخیارات المتاحة أمامه لقلب النتیجة، أو على الأقل للطعن في شرعیتھا.

الا أن إثبات التزویر في ولایة أو أكثر، حتى لو حصل، لا یغیّر نتیجة الانتخابات ولا یوصل ترامب الى نتیجة. فھو محاصر بضغوط حتى من داخل الحزب الجمھوري ومن داخل عائلته، لإقناعه بوقف مسار المواجھة القانونیة التي لن تؤدي إلا الى إطالة المعاناة، وتلحق أضرارًا كبیرة على الولایات المتحدة في الداخل والخارج.

ورغم إخفاقه في كسب ولایة ثانیة، لم یُھزم ترامب في صنادیق الاقتراع كما توقعت استطلاعات الرأي، رغم كل الحملات التي شنّت علیه والأخطاء التي وقع فیھا والنكسات والفضائح. وفي انتخابات حطمت أرقاما قیاسیة في المشاركة، أضاف ترامب الى رصیده 3،7  ملیون صوت مقارنة بالعام 2016. ومن الناحیة النظریة لا شيء یمنعه من الترشح مرة ثانیة بعد أربع سنوات، ومن الناحیة العملیة لدیه قاعدة قویة للعب دور لم یسبق لأي من الرئيسين الآخرَین اللذین خسرا (كارتر وبوش) الاضطلاع به، ولأن یكون صاحب التأثیر القوي وصانع الملوك بین الأسماء الجمھوریة الصاعدة. ویمكن لترامب أن یطرح نفسه قائدًا فعلیًا للحزب، ولدیه عدد ھائل من الأنصار الذین سیبقى ترامب في نظرھم بطلًا.. إن نجاح بایدن جاء إلى حد ما بأصوات من یریدون إخراج ترامب من البیت الأبیض، أكثر من رغبتھم في رؤیته رئیسًا. الأكید أن أمیركا تغیّرت خلال ولایة ترامب، ومن المرجح أن تستمر ظاھرة "الترامبیة" حتى بعد خروجه من البیت الأبیض بما قد یھدد وحدة الحزب الجمھوري. وربما یتلاشى ترامب تدریجیا وینزوي في الظل السیاسي كما حصل
مع كل الرؤساء الأمیركیین. ولكن حتى لو حصل ذلك، فإن آثار ھذه الفترة المضطربة في التاریخ الأمیركي لن تختفي أبدا.

أمیركا مع ترامب تغیّرت كثیرًا، وفي ھذه الانتخابات كان التركیز ینصب على معرفة انعكاسات ھذه المعركة السیاسیة على مستقبل الولایات المتحدة وعلى قضیة الوحدة الوطنیة التي ھي في أضعف حالاتھا الیوم. فالأمیركیون منقسمون للغایة بین الریف والمدینة، والعرق واللون، والطبقة والإیمان والقیم. وخصوم وحلفاء الولایات المتحدة أدركوا أن الانتخابات ركزت كثیرًا على الداخل وعلى الانقسامات العمیقة في المجتمع الأمیركي، وأن النتائج ستكون لھا عواقب على مكانة أمیركا العالمیة بعدما تعرضت "القیادة الأخلاقیة الأمیركیة" لضربة قویة. والأوروبیون خصوصا ــ الذین یرون أن رئاسة ترامب لم تكن متوافقة مع ما یعرفونه ویُعجبون به بشأن القیم الأمیركیة والنظام العالمي اللیبرالي الذي أوجدته الولایات المتحدة ــ لن یتمكنوا من تفسیر حقیقة أن ملایین الأمیركیین صوتوا بالطریقة نفسھا للمرة الثانیة، وصُدموا بنتائج الانتخابات لأنھم لم یكونوا مستعدین لاحتمال ولایة ثانیة لترامب كادت أن تتحقق.

أما الرئیس المنتخب جو بایدن، فإنه نجح في الفوز وكسب معركة صعبة، ولكن فوزه لم یكن باھرًا. النتائج جاءت متقاربة في الولایات المتأرجحة مع فوارق ضئیلة، والدیمقراطیون أخفقوا في توقعاتھم وخططھم لجھة تحقیق موجة زرقاء أولًا، والسیطرة على مجلس الشیوخ ثانیًا، وتعزیز وضعھم وأكثریتھم في مجلس النواب ثالثا. لذلك سیُضطر بایدن الى التسویة والتفاوض. "جو النعسان" كما كان یصفه ترامب دائما، بدا بعد انتخابه یقظًا وحیویًا. وأول ما فعله  في الداخل ھو تشكیل فریق عمل لإدارة أزمة كورونا. والى الخارج، أول رسالة أطلقھا تتعلق بعودة الولایات المتحدة الى اتفاق باریس المناخي الذي انسحبت منه إدارة ترامب رسمیًا الأسبوع الماضي.

مع خسارة ترامب في الانتخابات، دخلت أمیركا في مرحلة انتقالیة تستمر رسمیًا حتى 20 كانون الثاني حین یتسلم الرئیس بایدن السلطة في احتفال قسم الیمین، وتستمر عملیا لستة أشھر الى حین ینتھي بایدن من اختیار فریقه وتركیز إدارته وبلورة سیاساته وخیاراته. بایدن خاض مبارزة طویلة وقاسیة مع ترامب بأسلوبین ومشروعین وقاموسین مختلفین، بحیث بدا ترامب أشبه بعاصفة ھبّت على أمیركا من خارج المألوف، في حین بدا بایدن وریثًا للتقالید وحریصًا على المؤسسات.. مرور ترامب في السیاسة الأمیركیة والبیت الأبیض لم یكن عابرا، والأصوات التي حصدھا في منافسة بایدن تشیر إلى ذلك. لیست سھلة إزالة آثار "الترامبیة" التي یتحدث عنھا كثیرون، خصوصا أنھا كشفت تمزقات عمیقة في المجتمع الأمیركي.

أمیركا تغیّرت والعالم تغیّر. وصول بایدن الى البیت الأبیض من شأنه أن یُحدث عملیة إعادة خلط للأوراق الخارجیة: في أوروبا ھناك تطلّع الى إعادة بناء العلاقات بین ضفتي الأطلسي وإصلاح ما أفسده ترامب. في إیران ھناك ترقب لتصحیح أخطاء ترامب ورد الاعتبار للاتفاق النووي. في الخلیج شعور بالقلق لدى قادة الدول الذین ینظرون إلى ترامب على أنه عمل لحمایة أھم مصالحھم الإقلیمیة من خلال فرض حملة ضغوط قصوى من العقوبات على إیران، والضغط لإتمام صفقات مبیعات الأسلحة إلى المملكة.  

وإلى جانب إیران والعلاقة مع قادة دول المنطقة، سیتعیّن على بایدن التعامل مع سلسلة من القضایا المعقدة، من لعب دور حاسم في جھود إنھاء الحرب في لیبیا، إلى احتواء نفوذ تركیا المتصاعد ومواجھة "التھدیدات" ضد قوات الاحتلال الأمیركیة في العراق. وإحدى الخطوات الأولى ستكون إعادة التواصل مع الجانب الفلسطيني الذی أغضبته خطوة نقل السفارة الأمیركیة من "تل أبیب" إلى القدس.

لم یكن في عھد الرئیس دونالد ترامب وزن ودور لوزارة الخارجیة التي انتقلت عملیا الى البیت الأبیض وتحت إدارة ترامب شخصیًا وبمساعدة أحیانًا، من صھره جارید كوشنیر. كما ھیمنت علیھا دوائر وتقاریر المخابرات المركزیة، خصوصًا وأن وزیر الخارجیة مایك بومبیو جاء من عالم المخابرات وكان رئیسا لوكالة المخابرات.
 
سیاسة ترامب اختصرت في عبارة "أمیركا أولا" أي مصلحة الولایات المتحدة تأتي في المقام الأول والأخیر، فلم یتردد في التخلي أو الانسحاب من الاتفاقیات الدولیة التي یعتقد أنھا لم تكن في مصلحة بلاده. وكانت مواقفه وسیاساته تشبه الصفقات التجاریة وأحادیة ومعرقلة. وكانت مقارباته للعدید من الملفات والقضایا شخصیة وغیر منتظمة وتعتمد على مشاعره الغریزیة وعلاقاته مع القادة الأجانب وما یعلنه من مواقف عبر "تویتر".

أما الرئیس الجدید جو بایدن الأقرب في مواصفاته الى رجل الدولة والمؤسسات، فستعود معه وزارة الخارجیة الى دورھا وألقھا، وسیكون وزیر الخارجیة الجدید الأبرز في إدارة بایدن وإلیه تتجه الأنظار. بایدن یرى أن العالم  ھو عبارة عن تحالف عالمي تقود فیه أمیركا العالم الحر في مكافحة التھدیدات العابرة للحدود. لكن ھناك ملفات قد تحتل أولویة على أخرى، تقوم على تعزیز الانفتاح والتعاون مع الحلفاء لتكوین إجماع دولي  في مواجھة الصین أو روسیا أو إیران.

باختصار دخلت الولايات المتحدة في حالة من الفوضى والانقسام الحاد في الداخل سوف تنعكس على الخيارات الخارجية لأن  الانتخابات كشفت أن هناك دولة واحدة منقسمة بين أمتين، وسيكون عليهما التعايش معًا، أما إمكانية التعاون بينهما، فسوف نراها لاحقًا مع مفارقات خطيرة.. هل تتغير اميركا الى الأسوأ؟

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامبجو بايدنالانتخابات الاميركية 2020

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة