خاص العهد

انخفاض سعر صرف الدولار: واقعي أم لعبة مضاربين؟ 

24/10/2020

انخفاض سعر صرف الدولار: واقعي أم لعبة مضاربين؟ 

فاطمة سلامة

اذا أردنا أن نضع عنواناً للعام الحالي، بإمكاننا القول أنه عام التدهور الدراماتيكي لليرة اللبنانية. الهبوط الكبير في قيمة العملة الوطنية انعكس سلباً على حياة كثيرين في هذا البلد. القدرة الشرائية باتت شبه معدومة، وأساليب الحياة تبدّلت. الأسباب لهذه النكبة كثيرة، منها ما يتعلّق بالسياسة النقدية "العوجاء" التي اتبعها المصرف المركزي لسنوات، والهندسات المالية لتنفيع المصارف وكرمى لشعار "الليرة مستقرة" والتي ندفع ثمنها اليوم غالياً. ومنها ما يتعلّق بالاقتصاد الريعي الذي جعلنا مرتهنين للخارج، ومنها ما يتعلّق بالسوق السوداء التي غذّتها السياسات المصرفية بعد فقدان الثقة بها ما حول المنازل الى مصارف تتقن عملية البيع والشراء وسط غياب الرقابة الفعالة. تماماً كما كانت للعوامل النفسية والسياسية وغير ذلك من الأسباب اليد الطولى في التلاعب الحاصل بسعر الصرف. 

مؤخراً، وما ان أعلن عن تكليف رئيس حكومة جديد الخميس، حتى شهد سوق صرف الدولار انخفاضاَ ملحوظاً ما يطرح التساؤلات عن مستقبل هذا الانخفاض وأفق الليرة في لبنان. فهل انخفاض سعر صرف الدولار واقعي؟ أم ثمّة لعبة ما يتقنها المضاربون لشرائه بسعر أدنى وبيعه لاحقاً بسعر أعلى وبالتالي تحقيق أرباح خيالية؟. 

مارديني: الانخفاض غير حقيقي ولا تغيير حصل في هيكلية الاقتصاد

رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني يوضح في حديث لموقع "العهد" الإخباري أنّ" انخفاض سعر صرف الدولار اليوم في السوق السوداء ليس انخفاضا حقيقياً وواقعياً". وفق حساباته، لم يحصل أي تغيير في هيكلية الاقتصاد ولا إصلاحات بنيوية تجعل سعر صرف الدولار ينخفض. مشاكل الحكومة لا تزال على حالها؛ زيادة في النفقات مقابل قلة في الواردات وهذه النفقات يجري تمويلها من خلال طباعة الليرة. يضاف الى هذه الأسباب -وفق مارديني- مشاكل القطاع المصرفي التي لا تزال على ما هي عليه، والمتمثلة بعدم وجود أموال لسحوبات الزبائن، ما يدفع المصارف الى تمويل هذه السحوبات من خلال طباعة الليرة. 

انخفاض سعر صرف الدولار: واقعي أم لعبة مضاربين؟ 

عامل نفسي أدى الى انخفاض سعر صرف الدولار

أمام هذه الواقع، لدينا عرض كثيف لليرة اللبنانية، وعندما يزداد عرض الليرة مقابل الدولار، سيتدهور سعر صرفها تلقائياً يؤكّد مارديني الذي يشدد على أنّ عرض الليرة ينذر بالمزيد من التدهور لأن المشكلة المصرفية لا تزال قائمة. أما من ناحية الطلب، فيوضح مارديني أن الطلب على الليرة يرتبط بالعامل النفسي كثيراً، وهذا ما جعل سعر صرف الدولار ينخفض، اذ ومع تكليف الحريري توقّع الشعب اللبناني انخفاض سعر صرف الدولار جراء وعود الحريري بالعمل على تنفيذ المبادرة الفرنسية والإصلاحات المطلوبة ما يعطي توقعات بتحسّن الوضع في البلد. وعليه، استبق هؤلاء مسار الأمور وذهبوا باتجاه شراء الليرة ما زاد الطلب عليها. 

ما السعر الحقيقي للدولار؟ 

وحول السعر الحقيقي للدولار، يوضح مارديني أنّ مسألة تحديد سعر صرف الدولار مقارنة بسعر الليرة الحقيقي بشكل دقيق هي مسألة صعبة ترتبط بعوامل عديدة منها كمية الليرة الموجودة في السوق مقابل الدولار. فعندما تزداد كمية الليرة مقابل الدولار يتدهور سعر صرف الليرة. والأهم من هذا كله -برأي مارديني- العامل النفسي. لو افترضنا أن السوق شهد هجمة من الناس التي باعت "ليراتها" وحولتها الى "دولار"، فإنّ هذا الأمر سيؤدي الى تدهور سعر الليرة تلقائياً. ولا ينكر مارديني أن عامل الثقة بإمكانه استيعاب جزء من ضخ الليرة الإضافي في السوق، ولكن في حال كان الضخ الحاصل كبيرا، فلا يستطيع عامل الثقة استيعابه بمجمله. 

مستقبل الدولار 

وحول التوقعات حيال سعر صرف الدولار، يلفت مارديني الى أن الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية بلغت 5 آلاف مليار ليرة قبل الأزمة، أما اليوم فحجم هذه الكتلة يفوق العشرين ألف مليار ليرة، أي أربعة أضعاف. لن أقول أنّ سعر صرف الدولار لن يهبط أكثر من ستة آلاف ليرة -يقول مارديني- لكن في حال ضاعفنا السعر القديم لصرف الدولار -أي 1500 ليرة- أربع مرات فهذا يعني أن سعر الصرف سيكون 6 آلاف ليرة اذا ما افترضنا أن الثقة عادت كما كانت عليه قبل الأزمة. وفي حال شاع الجو التفاؤلي في البلد قد يهبط سعر صرف الدولار الى ما دون الستة آلاف ليرة بقليل ولكن ليس أكثر من ذلك. 

ولا ينكر مارديني أن هناك نوعين من التدخل في السوق اليوم لخفض سعر صرف الدولار؛ أول يتعلّق بالاجراءات التي يتخذها مصرف لبنان على السحوبات. هذه الاجراءات -وفق مارديني- قد توقف تدهور الليرة لكنها تخلق أزمة كبرى جداً. ثان يتعلق بضخ الدولار في السوق عبر سياسة الدعم ما يمكّن ظرفياً من الحد من ارتفاع سعر الصرف. إلا أن هذه السياسات لا تدوم -وفق مارديني- لأن احتياط الدولار محدود والسقوف على الودائع ستخلق أزمات كبيرة. 

وفي الختام يؤكّد مارديني أنّ انخفاض سعر الصرف الحاصل اليوم غير واقعي بل مرتبط بعوامل نفسية وعليه سيعود للارتفاع من جديد عند أي زلة أو عقدة جديدة. 

يشوعي: لبنان سيشهد أكبر عملية مضاربة عند أول عقدة 

الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي يعتبر أنّ انخفاض سعر صرف الدولار اليوم بعيد كل البعد عن الواقع. يرجّح أن يشهد لبنان أكبر عملية مضاربة عند أول زلة سياسية. وفق قناعاته، عند أول عقدة ستشهدها عملية تأليف الحكومة سيحلّق الدولار من جديد، فنحن أمام سوق أشباح تبيع وتشتري الدولار لا سوق حقيقية. الأخيرة تقوم على قواعد ممنهجة ومعايير واضحة، بينما سوق الأشباح مجهولة المكان، اذ لا يتواجد الدولار لا في المصارف ولا لدى الصرافين بل في مكان ثالث غير معروف ان كان في محال تجاري أو في مبنى أو شارع. برأي يشوعي فإنّ السوق السوداء التي نشهدها اليوم خارجة عن سيطرة أي كان، عكس السوق الحرة التي عادة ما تكون تحت كنف البنك المركزي. الأخير عاجز ومصاب بكافة أنواع العجز والسوق فالتة من عقالها، ومن يبيع اليوم بسعر صرف منخفض لا يناسبه أن يخسر. هذا الأمر سيدفعه حكماً الى رفع سعر الصرف لاحقاً. 

انخفاض سعر صرف الدولار: واقعي أم لعبة مضاربين؟ 

الدولار "مافياوي"

ويُشدّد يشوعي على أنّ الدولار في لبنان "مافياوي". المضاربون يربطون انخفاض سعر الصرف بالأحداث السياسية ويوهمون الناس بذلك، لكنهم يشترون الدولار بسعر صرف منخفض ليبيعونه لاحقاً بسعر مرتفع ويحققون أرباحاً خيالية. يعود يشوعي ليكرّر:" عند أول زلة قدم أو عقدة وصعوبة سيحلّق الدولار عالياً". لبنان يشهد مضاربات "مافياوية" غير طبيعية ففي كل دول العالم تحصل المضاربات لكن يكون هناك دولة وبنك مركزي وسلطة نقدية أقوى من المضاربين، أما في لبنان فأضعف مضارب أقوى من البنك المركزي. 

ما الذي يضبط سعر الصرف؟ يجيب يشوعي على هذا السؤال بالإشارة الى أن لا شيء يضبط هذه العملية سوى استقدام الدولار من الخارج. برأيه، في حال تشكلت الحكومة ولجأت الى أفضل الوسائل لجذب الرساميل من جديد وتعزيز قطاعات الانتاج حينها من الممكن خفض سعر صرف الدولار شرط أن يكون لدينا المصادر الأكيدة لهذه العملة الأجنبية، كالصادرات الوطنية، لا أن يكون لدينا مجرد مصادر ظرفية كالتحويلات الخارجية للبنان. 

كم يبلغ سعر صرف الدولار الحقيقي اليوم بناء للمقومات؟ يرى يشوعي أنّ احتساب سعر صرف الدولار الحقيقي مقابل الليرة يحتاج الى تشكيل سلة استهلاك في لبنان تضم سلعا استهلاكية واحتساب كم تحتاج هذه السلة من الليرات اللبنانية لشرائها. وبما أن لبنان مرتبط -يقول يشوعي- بالدولار، علينا تشكيل ذات السلة الاستهلاكية في أميركا بلد الدولار الأم واحتساب كم دولار نحتاج لشرائها. وبالتالي في حال دفعنا ثمنها دولاراً في أميركا وخمسة آلاف ليرة في لبنان يكون سعر الدولار خمسة آلاف ليرة. هذا ما يسمى بالسعر الحقيقي للصرف -يضيف يشوعي- الذي يلفت الى أن السعر الحقيقي للصرف هو عبارة عن مقارنة بين سلتين استهلاكيتين في دولتين ترتبط عملتهما ببعضها البعض، وهذه العملية الحسابية من مهمة وزارة الاقتصاد، يختم يشوعي. 
 

لبنانالدولار

إقرأ المزيد في: خاص العهد