آراء وتحليلات

سياسات حاكم مصرف لبنان: تسعيرٌ للأزمة وشحنٌ لعوامل الانفجار

19/10/2020

سياسات حاكم مصرف لبنان: تسعيرٌ للأزمة وشحنٌ لعوامل الانفجار

علي عبادي

قبل شهرين، أطلق حاكم مصرف لبنان صفارة الإنذار بقرب الانتهاء من دعم المواد الأساسية. لا أعرف ماذا كان يتوقع شخصياً بعد هذا الإنذار، لكن الناس تهافتت لتخزين ما أمكنها من المواد الغذائية والأدوية والمحروقات، والنتيجة احتكار وفقدان للكثير من هذه المواد وارتفاع في أسعار بعضها. وبعد أسابيع من التهافت والفوضى الاستهلاكية الجنونية، مرَّر حاكم المركزي تصريحاً بارداً وغامضاً أمام وفد من اتحاد نقابات موظفي المصارف، قال فيه إن "رفع الدعم الشامل عن الضروريات (المحروقات، الطحين، الأدوية والمواد الغذائية) فيه الكثير من المغالطات، ومصرف لبنان سيستمر في القيام بواجباته على هذا الصعيد بما لا يتعارض مع القوانين". لكن ذلك لم يغير من واقع التهافت شيئاً، خاصة أن رياض سلامة لم يأخذ أي مبادرة لتهدئة المخاوف، ولم يصدر حتى بياناً لتوضيح سياسات مصرف لبنان في التعامل مع هذا الشأن الحساس. وتمرير تطمينات عبر أحد الوفود الزائرة لا يغير من واقع السلبية التي فعلت فعلها في السوق الداخلية من جراء التصريح الأول.  

وقبل أيام أيضاً، أصدر الحاكم تعميماً نص على تقليص إمدادات السيولة بالليرة الى المصارف، بعد أن أشبع السوق بالكثير منها خلال الأشهر الماضية، مُحْدثاً تضخماً في معروض الليرة، ومُساهماً بطريقة او بأخرى في تشجيع لعبة المضاربة على الليرة. لا أعرف ماذا كان يتوقع من هذا التعميم المفاجئ، لكنه تسببَ بصدمة لدى الكثيرين الذين اعتادوا على السحب من مستحقاتهم في المصارف (راتب، تعويض نهاية خدمة، شيكات مستحقة، إلخ..)، لصرفها على احتياجاتهم ودفع ما عليهم من متوجبات. أيضاً، لم يتخذ سلامة أي مبادرة لتوضيح مرامي هذا التعميم وتأثيراته على الواقع الحياتي والتجاري الداخلي، تاركاً لجمعية المصارف أن تنقل عنه موقفاً لا يغني ولا يسمن من جوع. والأسوأ من ذلك هو تبرير منع الناس من الحصول على مستحقاتهم بالليرة بالقول انه يمكنهم استخدام البطاقات المصرفية والشيكات، من غير ملاحظة ان هذه البطاقات والشيكات لا تعمل في كل المحلات والقطاعات، وان تفعيل العمل بها يحتاج الى تهيئة وقبول في السوق. بل ان الامتناع عن تسليم الناس مستحقاتهم دفع وسيدفع الى تخزين الأموال النقدية وتعظيم قيمتها بالمقارنة مع قيمة الأموال الممنوعة من الصرف والشيكات. وأصبحنا من الآن نسمع عن سعرين لليرة: واحد للنقدي، والآخر للمصرفي المقيَّد، تماماً كما حصل مع الدولار من قبل: الدولار النقدي، والدولار المصرفي الممنوع من الصرف.  

في كلتا الحالتين السالفتين اللتين حصلتا قبل حلول ذكرى اندلاع احتجاجات تشرين الاول (صدفة؟)، يتبين أن حاكم المركزي يدير الشأن النقدي وتبعاته الحياتية بكثير من البرودة وبقليلٍ من دراسة الأثر المعيشي المباشر، وهو لا يكلف نفسه بذل جهد لتوضيح سياساته قبل إطلاقها ولتهيئة الناس والسوق تدريجياً لتقبّلها. الغموض غير البنّاء يزيد الأزمة تعقيداً ويدفع الكثير من المواطنين الى التصرف انطلاقاً من الإحساس بغريزة البقاء. فهل يسهم حاكم المصرف المركزي عن قصد في شحن الناس بعوامل الانفجار؟ وحقٌّ لبعض الناس أن يتساءلوا: ألا تتلاقى سياساته والتعاميم الصادرة عنه مع مفعول الضغوط الخارجية التي تضيّق الخناق على لبنان؟

بعض الناس ينبري للدفاع عن سياسات حاكم مصرف لبنان في ضخ السيولة ثم حجبها، بالقول إن ضخها جاء من باب توفير السيولة لنفقات الدولة، وان حجبها لاحقاً تم لوقف التضخم النقدي. لكن هل ضخّ السيولة يستلزم طباعة ما يقدَّر بـ 13 تريليون ليرة خلال الأشهر التسعة من العام الحالي، بما يفوق ما تم طبعه خلال أربعة عقود؟ علماً ان هذه الكميات ألهبت المضاربة على الليرة، حيث تم استخدام مخزون كبير من الليرات المطبوعة حديثاً لشراء الدولار. ومن جانب آخر، فإن حجب السيولة سيؤدي على أقل تقدير الى انكماش في الحركة التجارية يزيد الوضع الاقتصادي والاجتماعي سوءاً، لأن الكثيرين سيحرصون على السيولة المتوفرة بين أيديهم، وسيطلب الكثير من التجار والشركات من زبائنهم المال النقدي الذي يحتاجونه لشراء الدولار في تعاملاتهم الخارجية.  

في الخلاصة، فإن السياسات النقدية المتَّبعة غامضة الأهداف، سلبية التأثير على السوق ومعيشة الناس، صادمة لمناخ الثقة بالوضع الإقتصادي، غير محفِّزة لتحسين وضع الليرة إلا وفق هندسات افتراضية اصطناعية لن تدوم طويلاً. إدارة الوضع النقدي ومستتبعاته تستلزم خروج حاكم مصرف لبنان من هذه الشرنقة التي تخنق الناس وإشراكهم في التفكير والمساهمة بحلول مؤقتة، قبل أن نرى الحلول السياسية والاقتصادية للأزمة الأم. وغير ذلك، سنرى المزيد من توليد الأزمات المعيشية و"البدع" التي لم نتخيل حصولها في أسوأ التصورات.

لبنانرياض سلامةالليرة اللبنانيةمصرف لبنانالمصارف

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة
 غياب سلامة عن البرلمان: لامبالاة أم هروب؟ 
 غياب سلامة عن البرلمان: لامبالاة أم هروب؟ 
الأمطار تعود يوم السبت المقبل
الأمطار تعود يوم السبت المقبل
طابع الألف يختفي مجددًا
طابع الألف يختفي مجددًا
الدول العميقة في جمهورية لبنان.. وموانع التغيير
الدول العميقة في جمهورية لبنان.. وموانع التغيير
ماكرون يشدّد على تشكيل حكومة ويزور لبنان هذا الشهر..وعون لتحرير الدولة من مَنظومة الفساد
ماكرون يشدّد على تشكيل حكومة ويزور لبنان هذا الشهر..وعون لتحرير الدولة من مَنظومة الفساد
"لو موند": مصرف لبنان دولة داخل دولة
"لو موند": مصرف لبنان دولة داخل دولة
اقتراحات سلامة لاستمرار الدعم تهدّد أموال المودعين.. والبدائل كثيرة
اقتراحات سلامة لاستمرار الدعم تهدّد أموال المودعين.. والبدائل كثيرة
 جدل حول العملة الرقمية: ما لها وما عليها 
 جدل حول العملة الرقمية: ما لها وما عليها 
حاكم مصرف لبنان: لبنان ليس بلدا مفلسا!
حاكم مصرف لبنان: لبنان ليس بلدا مفلسا!
هل يَستحوِذ لبنان فعليًا على احتياط ذهَبه؟
هل يَستحوِذ لبنان فعليًا على احتياط ذهَبه؟
عن آخر "فرمانات" المركزي.. شُحّ السيولة بالليرة يهدد الدواء والغذاء والمحروقات 
عن آخر "فرمانات" المركزي.. شُحّ السيولة بالليرة يهدد الدواء والغذاء والمحروقات 
 لبنان في القائمة الأدنى للأجور..هل تصحيحها ممكن؟ 
 لبنان في القائمة الأدنى للأجور..هل تصحيحها ممكن؟ 
طباعة الليرة اللبنانية بلغت مستوى قياسياَ.. وهذه مخاطرها
طباعة الليرة اللبنانية بلغت مستوى قياسياَ.. وهذه مخاطرها
سعر الصرف ينعى "آلية ضخ الدولار".. الصرافون يتفاءلون بـ"المنصة الإلكترونية"
سعر الصرف ينعى "آلية ضخ الدولار".. الصرافون يتفاءلون بـ"المنصة الإلكترونية"
 اللقاء التشاوري يؤكد ضرورة الاسراع في إطلاق عملية التدقيق الجنائي المالي
 اللقاء التشاوري يؤكد ضرورة الاسراع في إطلاق عملية التدقيق الجنائي المالي
بحصلي: "مصرف لبنان" يعرض الأمن الغذائي للخطر 
بحصلي: "مصرف لبنان" يعرض الأمن الغذائي للخطر 
تلويح أمريكي بعقوبات على مصرف لبنان.. وتأجيل الجلسة المقبلة لمفاوضات الترسيم
تلويح أمريكي بعقوبات على مصرف لبنان.. وتأجيل الجلسة المقبلة لمفاوضات الترسيم
مجلس النواب يقر التدقيق الجنائي الشامل جواباً على رسالة رئيس الجمهورية
مجلس النواب يقر التدقيق الجنائي الشامل جواباً على رسالة رئيس الجمهورية
 "الدولار الطالبي" لا يزال حبراً على الورق..المصارف "تتمرّد" على القانون
 "الدولار الطالبي" لا يزال حبراً على الورق..المصارف "تتمرّد" على القانون
وعد صادق يتجدّد: مؤسسة القرض الحسن تواجه آليات الحصار‎
وعد صادق يتجدّد: مؤسسة القرض الحسن تواجه آليات الحصار‎
الضمان الاجتماعي يجبر مصرفًا على دفع شيكات المضمونين كاملة
الضمان الاجتماعي يجبر مصرفًا على دفع شيكات المضمونين كاملة
بنك أبو ظبي التجاري في ورطة كبيرة
بنك أبو ظبي التجاري في ورطة كبيرة
جلسة للحكومة في بعبدا وإجراءات للحد من انتشار كورونا
جلسة للحكومة في بعبدا وإجراءات للحد من انتشار كورونا