نقاط على الحروف

الوعي السياسي لدى الشباب بين الطائفية والتغيير

766 قراءة | 13:31

أسامة رحال

رغم أنّ السياسة تدخل في كل شاردة وواردة من حياة اللبنانيين، إلا أنّ ذلك لا يعني وجود وعي بنّاء لواقع الحياة السياسية اللبنانية، لأن منطلقات التسييس الراهنة هي منطلقات طائفية مناطقية، والتسييس الخاطئ  ليس مكسبًا لخبرة أو وعي البتة. وكما أنّ أي عملية جراحية تتم بعد تشخيص المرض أو الداء، هكذا لا يمكن الحديث عن تغيير الواقع السياسي اللبناني بكل ما فيه من شوائب وعاهات دون وجود وعي سياسي حقيقي يعكس فهمًا لطبيعة الوضع في البلاد. وفي هذا السياق ليس ثمة فئة عمرية تحتاج لامتلاك أكبر قدر ممكن من الوعي السياسي أكثر من فئة الشباب، لأنها العامل الأساسي لسير عجلة التغيير المجتمعي.

بين الوعي السياسي والأهلية السياسية

إذا أردنا البحث عن تعريف تام للوعي السياسي بشكل عام ولدى الشباب بشكل خاص، لما وجدنا أجدى من القول إنّه يتمثل بمعرفة صحة وصواب عمل سياسي من عدمه. وعلى بساطة هذا الكلام إلا أنّ الرؤية اليومية للواقع السياسي تظهر مدى ابتعاد الشباب اللبناني عن الوعي الحقيقي. فإشاعة واحدة تفتقد إلى المصدر والشكل والمضمون قادرة على هز البلد عبر مواقع التواصل مثلا، بيد أنّه لا يتم التحرك مقابل كثير من الوقائع الحقيقية المريرة رغم مرور سنوات طويلة على وجودها.

أما إذا أردنا إيجاد ما يقارب هذا المصطلح من ناحية دستورية قانونية، لوجدنا أنّ مفهوم "الأهلية السياسية" هو الأقرب. وترتبط الأهلية السياسية بالقدرة على المشاركة الفعّالة في الشأن العام، الأمر الذي يتجلى بشكل أكبر بالحق بالمشاركة في الانتخابات، ترشيحًا واقتراعًا.

وبحسب المادة 21 دستور، فلكل "وطني لبناني بلغ من العمر احدى وعشرين سنة كاملة حق في أن يكون ناخبًا على أن تتوافر فيه الشروط المطلوبة بمقتضى قانون الانتخاب."

لكنّ هذا النص يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا أُخذ بسن الاحدى والعشرين كحد لنشوء أهلية الاقتراع، بينما أغلب دول العالم تعتمد سن الثامنة عشرة؟

الحقيقة أنّه ثمة عدة آراء في هذا الصدد، منها ما أخذ بالقول إنّ عدم التوازن الطائفي في الهرم السكاني وتاليًا في الفئة بين الثامنة عشرة والحادية والعشرين هو السبب. لكنّ رأيًا آخر اعتبر أن أغلب الطبقة السياسية غير مستفيدة من خفض سن الاقتراع، لأن طبيعة هذه الفئة الآنفة الذكر متحررة من التبعية السياسية لها أكثر من غيرها، لأنه لم تتشكل لديها الحاجة للطبقة السياسية وتقديماتها. ولعل هذين السببين وغيرهما اجتمعت معًا للإبقاء على الواحدة والعشرين سنًا للأهلية للاقتراع.

الانتقال من الحزبية الطائفية إلى الحزبية السياسية

قد يعتبر البعض أنّه لا حاجة بعد أكثر من قرن ونصف من نشوء الأحزاب السياسية الحديثة في العالم للحديث عن الأدوار المناطة بهذه الأحزاب، لكنّ واقع النظام السياسي اللبناني يفرض نفسه. فالعمل السياسي القائم مبني على اصطفافات طائفية حول خيارات سياسية، وليس مبنيًا على مشاريع سياسية تطويرية.

والحل غالبًا هو أن يعي جميع المواطنين وخاصة الشباب منهم، أنّ سقوط أي خيار سياسي لزعيم الطائفة أو جماعته أو حزبه، لا يعني تهديد وجود الطائفة برمتها، إنّه مجرد خيار سياسي، إذ لم يكن في تاريخ الجمهورية اللبنانية تهديد وجودي لجميع المواطنين (وليس لطائفة أو أبناء منطقة بعينها) إلا العدو الإسرائيلي والذي لا تزال أطماعه قائمة، والجماعات التكفيرية التي دحرت من لبنان.

أما من جهة الأحزاب، فعليها أن تتحول من خطاب الطائفية أو المناطقية أو أي خطاب أخر، نحو المشاريع السياسية المتكاملة والمدروسة. أي أنّه عليها تقديم مشروع سياسي للشعب تحاسب على أساسه. إذ إنّ "المشاريع السياسية هي احد مقومات بعض التعريفات التي وضعت للأحزاب السياسية" كما ينقل محمد طي. ويعني وجود مشروع سياسي حزبي متكامل الحاجة لتثقيف المتحزبين وخلفهم المناصرين على استراتيجياته ومنطلقاته، أو على الأقل اطلاعهم عليه، ومن هنا تبدأ الأحزاب في لبنان في لعب دور توعوي سياسي حقيقي، سيما لدى الشباب.

وعلى سبيل المثال، ليس طرح حزب الله لمشروع مكافحة الفساد إلا تغييرًا كبيرًا في تكتيكات الحزب السياسية، بعد أن اقتصر وجوده السياسي في السلطة التنفيذية  ـ على الأقل ـ على هدف حماية ظهر المقاومة.

أخيرًا لا مفر هنا من القول إنّ إمكانية توسيع اطار الوعي السياسي لدى الشباب لا يمر أيضًا إلا عبر تسييله ضمن الثقافة. فالثقافة بحسب انتوني غدنز "ليست فقط السياقات الإبداعية من فنون وآداب وموسيقى كما يتراءى للذهن من الوهلة الاولى، بل هي أيضًا كامل أسلوب حياة الجماعة". إذا أردنا زيادة الوعي لدى الشباب علينا إذًا تنشئتهم اجتماعيًا بصورة صحيحة، فالتنشئة الاجتماعية بحسب غدنز كذلك هي السبيل لتناقل الثقافة بين الأجيال، الأمر الذي يعني ادخال ثقافة اكتساب الوعي السياسي الصحيح إلى أسلوب حياة المجتمع. فأين التنشئة الوطنية اللبنانية من كل هذا؟

لا مهرب للشباب إلا أن يعوا أنّ "وزيرًا بوذيًا نزيهًا أفضل لهم من وزير فاسد من الطائفة التي ينتمي كل منهم إليها"، كما قال حبيب فياض.

فإذا أراد الشباب أن يحموا ما تبقى من هذا البلد عليهم النظر إلى خصمهم السياسي على أنّه مواطن وشريك حقيقي، وليس عدوًا مارقًا، فهو بكل بساطة أعملَ حقًا عائدا لهُ باختيار رأيٍ سياسيٍ مختلف، وحرية الرأي حق دستوري قائم في لبنان.

خبر عاجل