خاص العهد

أربعون ربيعاً.. ذكريات أيام النضال والثورة مع أحد شهودها

1034 قراءة | 13:13

مختار حداد

الاعلامي الايراني سيد اسماعيل علوي يكانه هو من الثوار الذين عايشوا أيام الثورة الاسلامية، وبسبب مشاركته في النضال ضد نظام الشاه قضى نحو ثلاثة أعوام في سجون "السافاك".

سيد اسماعيل علوي كان من المناضلين الناشطين خلال فترة الثورة وقد تتلمذ عند عدد من رجالاتها.
وخلال فترة الدفاع المقدس، حضر كاعلامي ومقاتل في جبهات الحق ضد الباطل، حيث كان مسؤولاً عن الصفحات الخاصة بأخبار الدفاع المقدس في إحدى الصحف الايرانية في تلك الأيام، وهو اليوم ما يزال يعمل في نفس المجال، ساعياً لنشر قيم الثورة الاسلامية والدفاع المقدس للجيل الجديد.

وبمناسبة الذكرى الأربعين لانتصار الثورة الاسلامية، التقى موقع "العهد" الاخباري بالسيد اسماعيل علوي لاستذكار أيام النضال والانتصار.

س - كيف تصفون الثورة الاسلامية التي عايشتموها؟

ج - أنا يجب أن أتحدث عن بدء هذه الحركة الثورية وذروتها، فهناك أمور أدت الى استياء ومعارضة الشعب تجاه النظام البائد.
حادث نشر المقال المسيء للامام الخميني قدس سره الشريف في أواخر عام 1977 في احدى الصحف بواسطة النظام كان بمثابة شرارة في مخزن بارود أدت الى تفجير هذا الاستياء والغضب الشعبي تجاه نظام الشاه.

صحيح أن نهضة الامام الخميني بدأت في عام 1963 والتي من بعدها تم إبعاد الإمام الى المنفى، لكن ذروة الحراك الشعبي وانطلاقة الحركة النهائية التي أدت في النهاية لاسقاط نظام الطاغوت، قد بدأت بعد نشر ذلك المقال المسيء، ولكن قبل ذلك كان هناك نشاط ثوري من جانب الثوار وكان يقمعه الشاه بنظامه البوليسي.

وبعد نشر المقال، قام أهالي مدينة قم المقدسة بانتفاضة ضد هذا الاجراء، فمدينة قم المقدسة هي رمز ديني للشعب الايراني، وأساس الثوار والثورة كان المتدينين، وقاطبة الشعب كانوا ذوي ميول دينية.

مطالبات الثوار المتدينين كانت تعكس مطالبات جميع الشعب الايراني وحتى بقية النخب والأطياف في المجتمع.
النظام السابق كانت لديه مثل هذه التجربة، حيث إنه في 4 يونيو عام 1963 عندما تم اعتقال الامام الخميني وتمت الاساءة الى العلماء قاموا باليوم التالي بانتفاضىة كبرى في طهران ومختلف المدن، والنضال كان مستمراً لكن النظام كان يقمعه.
صحيح أن النظام قام بقمع انتفاضة 5 يونيو عام 1963 ولكن شكّل الثوار نواة ثورية سواء للنضال السياسي أو المسلح، وفي أوائل السبعينات كنا نشهد شدة قمع النظام تجاه الثوار ولكن الثوار لم يتراجعوا.

بعد ذلك وفي أواسط السبعينات رأينا تصعيداً في وتيرة النضال السياسي في الجامعات والمساجد. وفي أواخر عام 1977 وبعد نشر ذلك المقال المسيء تفاجأ نظام الشاه بردة فعل الشعب.
أنا اتذكر حتى بعض الثوار كانوا يعتقدون أن العمل الثوري بحاجة الى عمل طويل ولكن عندما انتفض الشعب الجميع تفاجأ بسرعة الأمر ولم يتوقع البعض سقوط الشاه بهذه السرعة.

س - لماذا تسارعت حركة الثورة الاسلامية؟

ج - نظام الشاه لم يكن يولي اهتماماً بمطالبات الشعب، ولكن هناك نقطة مهمه أخرى هي حب الامام الخميني قدس سره الشريف الذي كان موجوداً في قلب الشعب الايراني وهذا كان بفضل الله سبحانه وتعالى.

س - نظام الشاه كان يعتمد على أمريكا والغرب وحتى كارتر في آخر أشهر حياة النظام البائد، وعندما زار ايران قال "هنا جزيرة الاستقرار"، فلماذا انهار النظام الملكي؟

ج - إن النظام السابق كان في الخط الأمامي لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي السابق، وذلك بدعم من الغرب، وفي اطار الحرب الباردة، كان يعتبر هؤلاء ايران دولة مهمه بالنسبة لهم، والغرب كان يدعم الشاه. فكان الغرب عندما يريد مساعدة الدول التي تعمل في فلكه ومنها الدول في حلف "سنتو" كان يتم ذلك عبر نظام الشاه كونه كان محل ثقة الغرب وكان يعتبره شرطي المنطقة.

والشاه كان يتكل على هذا الدعم وكان يظن أنه في حال حدوث أي حراك شعبي سيتم دعمه بشكل كامل.

س - في هذا الاطار، نرى أنه في الأيام الأخيرة من حياة نظام الشاه، أرسلت واشنطن مبعوثاً خاصاً لها، وهو الجنرال روبرت هويزر، فماذا كانت مهمة هذا الرجل بطهران؟

ج - أمريكا أرسلت الجنرال روبرت هويزر للحفاظ على نظام الشاه والقيام بانقلاب عسكري مثل الذي قامت به في الخمسينات، وهذا موثق بالمستندات وحتى في ذكريات هذا الجنرال الأمريكي.

فهايزر أوكلت له مهمة دعم الشاه والحفاظ على نظامه، وقبل ذلك كان الجواسيس الأمريكيون الذين كانوا يعملون في السفارة الأمريكية بطهران قد أعدوا له جميع الاستطلاعات والاحصائيات حتى يأتي وينفذ المهمة.

ولكن رأى أن قوات الجيش ليس لديها الاستعداد لأن تنفذ مهمة ارتكاب مجزرة ضد الشعب ولذلك فشلت مهمته. كما أن العديد من أبناء الجيش ومنهم ضباط في القوات الجوية كانوا قد التحقوا بالشعب.

س - ولكن نرى أن أمريكا جاءت بمخططات جديدة لاستهداف الثورة؟

ج - واشنطن من خلال عدة مخططات أرادت ردع الثورة الاسلامية لأن انتصار الثورة قد أضر بمصالحها في المنطقة. الثورة الاسلامية كانت ملهمة للشعوب والعدو الصهيوني كان يحتل بلاداً اسلامية، وكنا نرى في تلك المرحلة صحوة اسلامية لمواجهة المخطط الصهيوني، ولذلك نرى أن الثورة الاسلامية أصبحت تلهم المقاومين والثوار والشعوب في المنطقة.

هذا الأمر أدى الى تزايد القلق الصهيوني والأمريكي، وباتت واشنطن قلقة تجاه مستقبل ومصير الكيان الصهيوني.

أنا اتذكر أنه في الأشهر الأولى لانتصار الثورة، كانت هناك مسيرات كان يتم فيها المطالبة بأن يذهبوا الى فلسطين لدعم الشعب الفلسطيني. وتم تغيير السفارة الاسرائيلية بطهران الى سفارة فلسطين وذلك في الاسبوع الأول من انتصار الثورة الاسلامية.
لذلك رأينا أن الامريكيين والصهاينة نفذوا مخططات كثيرة في الأشهر الاولى من انتصار الثورة لكي تنحصر الثورة بشعارات وقضايا داخلية، ولذلك قاموا بتحريك الحركات الانفصالية مثل أحداث محافظة كردستان، والتي كان لنظام صدام وأنظمة اقليمية أخرى دور كبير فيها ولكن هذه المشاريع فشلت.

وبعد فشل ذلك المشروع وانتصار قوات الثورة على المشاكل الداخلية جاؤوا بمخطط آخر هو فرض الحرب الصدامية على ايران.

س - لماذا في شعارات الثورة الاسلامية ومنذ بداية نهضته كان الامام الخميني قدس سره الشريف يطرح شعارات أوسع من ايران مثل دعم الشعب الفلسطيني ومواجهة العدو الصهيوني؟

ج - إن هذا الأمر يعود الى الطبيعة الثقافية والدينية للثورة الاسلامية، وهي لم تكن فقط تتمحور حول قضايا داخلية أو تكون من أجل قضايا اقتصادية بل هذه الثورة كانت لها أهداف ورؤى واسعة وشاملة وأكبر دليل على ذلك هو أول كلمة للامام الخميني قدس سره الشريف في الستينات في قم المقدسة وفي بداية النهضة والتي طرح فيها قضايا كصحوة المسلمين ومواجهة المخططات الاستعمارية و الصهيونية و...

س - كيف دخلتم العمل الثوري؟ ولماذا قام نظام الشاه باعتقالكم؟

ج - الأوساط الدينية كانت على علاقة مباشرة مع الثورة والثوار وعندما كان يدخل الفرد الى النشاط في المسجد أو الحسينية أو دار تعليم القرآن الكريم، كانت تقوى لديه حالة مواجهة فساد نظام الشاه، لأن الاسلام والقرآن الكريم كانا يؤكدان لنا على ضرورة الوقوف بوجه الظلم وكنا نرى أن سياسات نظام الشاه كانت تتعارض مع تعاليم وأهداف الاسلام.

أنا عندما بدأت العمل الثوري كنت في الخامسة عشرة من عمري. وقد عشت هذه الأجواء وتعرفت الى قيادات الثورة في تلك الأيام أمثال آية الله الخامنئي، والشهيد آية الله بهشتي والمهندس مهدي بازركان و.. وكنا نتعلم ونستلهم منهم وبذلك دخلت النشاط الثوري وكنا نعمل في المساجد والحسينيات وكنا ننشر أفكار الامام الخميني ونوزع بيانات ورسائل سماحته.

من ثم أسسنا مجموعة ثورية طلابية، وبعد ذلك تم اعتقالنا على يد جهاز السافاك وقد قضيت نحو ثلاث سنوات في السجن. وكان يتم ممارسة أقسى أنواع التعذيب في السجون بحق الثوار. كانوا يستخدمون شتى أنواع وطرق التعذيب، وكان هناك أشخاص في السافاك أخصائيون في تنفيذ أنواع التعذيب الممنهج.

في عام 1971 كان قد أسس الشاه اللجنة المشتركة بين السافاك والشرطة لمواجهة التخريب حسب زعمه، وكان للّجنة سجن مخيف جداً يتم فيه اعتقال الثوار وتنفيذ التعذيب بحقهم. وأنا تم اعتقالي لفترة في هذا السجن.

س - كيف كانت علاقة السافاك بالموساد والسي آي ايه لمواجهة الثوار؟

ج - من الطبيعي أن تكون هناك علاقة للسافاك مع الموساد والسي آي ايه، لأن نظام الشاه كانت له علاقات وطيدة مع أمريكا والكيان الصهيوني، فلذلك كان يقوم هؤلاء بنقل تجاربهم الأمنية للسافاك.

كما تعلمون أن بعض ثوارنا كانوا يذهبون الى فلسطين ولبنان للتدريب ولذلك كان الموساد يرسل معلومات هؤلاء الأشخاص للسافاك.

س - وهل لديكم ذكريات عن الأيام الأخيرة قبل انتصار الثورة ويوم عودة الامام الخميني قدس سره الشريف الى البلاد؟

ج - أنا كنت أحد أعضاء لجنة استقبال الامام الخميني، وكنت في الحلقة الثالثة للحفاظ على أمن سماحة الامام. كنا مستقرين في جنة الزهراء سلام الله عليها (مقبرة طهران) حيث كان من المقرر أن يلقي الامام الخميني كلمة في مقبرة شهداء الثورة، ولمدة 10 أيام ليلاً ونهاراً كنا في مقبرة الشهداء وكانت لدينا مخاوف من أعمال تخريبية يقوم بها النظام في مراسم استقبال الامام.

وأنا اتذكر أحد الإخوة المناضلين اللبنانيين وكان اسمه الحركي "شاهرخ" قام بتدريب مجموعتنا وكنا 100 شخص لكي نقوم بمهام الحفاظ على أمن جنة الزهراء سلام الله عليها.

وعندما عاد الامام الخميني قدس سره الشريف وحصل ذلك الاستقبال التاريخي المليوني من المطار مهرآباد مروراً بساحة الحرية وشارع الثورة وحتى جنة الزهراء سلام الله عليها، كان ذلك بمثابة النصر النهائي للثورة. أنا لا أنسى مدى السرور والفرح اللذين كانا على وجوه الإيرانيين في ذلك اليوم.