نقاط على الحروف

هل توجد "حركة ثقافية" في المخيمات الفلسطينية؟!

614 قراءة | 11:11

هيثم أبو الغزلان

"المثقف أوّل من يقاوم وآخر من ينكسر"، مقولة للشهيد المُفكّر الدكتور فتحي الشقاقي من المفترض أن تعبّر عن حالة الثقافة والمثقفين؛ قوة موقفهم، وإبداع إنتاجهم، كما كرّس ذلك الكتّاب والمثقفون بشعارهم الشهير: "بالدم نكتب لفلسطين".

فكيف هي حالة الثقافة والمثقفين في المخيمات الفلسطينية في لبنان من حيث النتاج الثقافي؟ وهل من "حركة ثقافية فلسطينية" في المخيمات أم أنها مجرد حالات بعضها محاصر، وبعضها لا يرقى لمستوى لاحتراف؟!

المثقف البوصلة والهموم

يرى الشاعر والكاتب "طه العبد" أن "الحركة الثقافية في المخيمات اليوم تشهد نموًا ملحوظًا في لبنان بعد ضمور انسحب لأكثر من عقدين من الزمان حيث غابت النشاطات الثقافية التي بالكاد كنا نسمع بها ما خلا نتف متناثرة هنا وهناك. ولعل انغماس المثقف في الهمّ المعيشي بعد غياب حواضن الثقافة الكبرى وغلاء الطباعة والنشر وانعدام الغطاء والإطار السياسي أو توجهه بعيدًا ببوصلته عن المثقف وهمومه شكّل السبب الأبرز لذلك الضمور. أما اليوم فنشهد صحوة ثقافية وإن جاءت متأخرة حيث تقوم بعض الأطر الخاصة كالجمعيات والتجمعات الثقافية بجهود متواضعة لانتشال الثقافة الفلسطينية من مأزقها".
 


تصعيد الهوية مقابل النفي

وتقول الكاتبة والصحافية الفلسطينية الدكتورة انتصار الدّنّان إنه "إذا كان تعيين تعريف للثقافة ميسورًا إلى حد كبير، من ذلك اعتبارها حاصل المخزون الجمعي من القيم والمعارف لشعب أو لأمة أو لجماعة إنسانية ما..وإن القوام الأساسي للثقافة هو اللغة، ولغتنا هي العربية، أي أن الثقافة الفلسطينية هي جزء من ثقافة أوسع هي الثقافة العربية. وإذا كان مفهومًا أن التحدي الذي فرضه الاحتلال على شعبنا ألزمنا بتصعيد الهوية الوطنية في مواجهة النفي والإلغاء، فيجب أن نكون حريصين أيضًا على هويتنا الأعمق وثقافتنا الشاملة".


ولذلك: "إنني ألمح بعضًا من نشاط ثقافي في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وذلك يكون بحسب المناسبات الوطنية على الأغلب، لأن الثقافة تشتمل على العلوم، والفنون، والعمارة، والعادات والتقاليد، والآداب، والفلكلور، والدين، إلخ"...

أنشطة محدودة

أما "منسق سهرة النورس الثقافية" ورئيس الهيئة الادارية في "جمعية ناشط الثقافية الاجتماعية" الدكتور "ظافر الخطيب" فيتحدث عن وجود "أنشطة ثقافية فلسطينية في المخيمات وعليه فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن حركة ثقافية، وعند الحديث عن أنشطة ثقافية فإنها لا زالت محدودة كمّاً ومرتبطة نوعاً، أي أنها تقوم على هامش الطقوس الفصائلية أو أحياناً على هامش المناسبات الوطنية (يومي النكبة والأرض)، أي أنها لا تأتي في سياق حركة ثقافية فلسطينية تعكس حركة الإنتاج الثقافي وترتبط بقضايا الناس ولها جمهورها".


ويعزو الخطيب ذلك الغياب إلى أنه "بحكم حاجة الثقافة للإستقرار فإن طبيعة الأجواء القائمة وانعدام الاستقرار والحصار يضيق من فرص قيام حركة ثقافية فلسطينية ناهيك عن سيطرة السياسي التقليدي والأمني على مختلف جوانب العمل الفلسطيني".

المثقف بين حدّين

ويرى مسؤول "الهيئة الثقافية في جمعية الصداقة الفلسطينية الإيرانية- لبنان" "خالد زيدان" أن "المخيم الفلسطيني لم يخل يومًا من فعل ثقافي عام أو من مثقفين، بعضهم ابتسم له حظ الظهور والانتشار، وآخرين بقيت ثقافتهم وممارساتهم الثقافية المتنوعة حبيسة الجدران الأربعة، في جلسات عائلية أو مع الأصحاب في أحد زواريب المخيم. فغالبا ما نرى، الكثير من المثقفين في كل مجالات الثقافة والإبداع والفنون على أشكالها وأنماطها ومشاربها ومدارسها المختلفة. وما يعنيني اليوم وأرغب في الإضاءة عليه، هو ثقافة المقاومة بين الأمس واليوم في مخيماتنا الفلسطينية".


ويتابع إن "ثقافة المقاومة التي كانت السمة الأبرز للمخيم الفلسطيني قبل اجتياح عام 1982، تكسرّت بعد خروج المقاتل الفلسطيني من لبنان.. وأتت اتفاقية أوسلو في عام 1993 لتشكّل صدمة إضافية في عقل ووعي المثقف المقاوم، بخاصة بعد اتفاقية أوسلو، وهرولة الأنظمة العربية نحو التطبيع، ما زاد في تعميق الهوة بين مفهوميّ الاستسلام والمقاومة، وبين معتنقي كلا الثقافتين في المخيم الفلسطيني الواحد، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى ما يسميه معتنقو ثقافة الاستسلام والواقعية اليوم بـ "انقسام فلسطيني" بينما يطلق عليه مؤيدو ثقافة المقاومة "فرزاً"".

حركة ثقافية أم حالة فردية؟!

يكاد الجميع يتفق أنه لا توجد حركة ثقافية في المخيمات الفلسطينية، وإنما وجود حالات لأفراد مثقفين، فيرى طه العبد أنه يوجد "كمّ من المثقفين، ولكن لا يمكن أن نصفهم بالمثقفين النوعيين حيث يبقى تشكيل وجه المثقف محصورًا في المحاولة والتجريب عدا بعض الوجوه التي لمعت نتيجة بُعد تخصّصي أو أكاديمي بينما المستوى العام للنص المنتَج ما زال يراوح بين الضعف والمحاولات اللاهثة وراء نضج التجربة.

ولذلك ما ينقص المثقف الفلسطيني في لبنان داخل المخيم أو خارجه هو الحاضنة الكبرى الغائبة من زمن طويل، ألا وهو "اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين" المرهون تشكيله لرغبة السياسي وهذا في آخر سُلّم اهتماماته الثانوية تقع الثقافة".

أما الدكتورة انتصار الدنان فتوافق أنه "لا توجد في المخيمات الفلسطينية حركة ثقافية بالمعنى المطلوب، لأن الثقافة تتكون من عوامل عديدة، ونحن لا نرى إلا الجزء اليسير منها، لكن  يوجد مثقف فلسطيني. المثقف الملتزم قضية شعبه، المسكون بها، والمدافع عنها، والمنخرط في الصراع بكل أشكاله ووجوهه. إنه ببساطة: "المثقف المشتبك"".

ويعتبر الدكتور ظافر الخطيب أن "خلق حركة ثقافية فلسطينية في لبنان يقتضي إعادة الإعتبار للجانب الثقافي الفلسطيني في لبنان، وذلك انطلاقاً من أهميته كسلاح يوظّف في خدمة الدفاع عن الوجود الفلسيطيني".

ويشير الخطيب إلى "وجود حيوية ثقافية بدأت تشهدها المخيمات في صيدا وشمال لبنان وترتكز أكثر على المعارض والأمسيات الشعرية والندوات الثقافية".

ويُعطي الخطيب مثالًا عمّا يقول فيتحدث عن "سهرة النورس الثقافية التي تجمع عددًا من المثقفين الفلسطينيين ومهرجانها السنوي. فميزة "سهرة النورس" أنها تُقدّم نفسها بهويتها الثقافية، وقد حفل المهرجان السنوي بتنوع على مستوى الأنشطة حيث احتضن أمسيات شعرية، وندوات ثقافية، وتوقيع كتب لكتّاب وشعراء، ومعارض للمنتوجات الحرفية وحفلات فنية وفولكلورية، وميزة السهرة ومهرجانها يكمن في طابع الديمومة والاستمرارية، وفي كونها جاءت كمبادرة من مثقفين فلسطينيين وليس على هامش المناسبات الوطنية والفصائلية، يضاف إلى ذلك المهرجان السنوي للأداء الشعري بالتعاون بين جمعية "ناشط" و "مدرسة بيسان"، و عدد من الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية التي شهدت ازدهاراً لافتاً في السنوات الأخيرة".

وتطالب الدكتورة انتصار الدّنّان "بضرورة تفعيل الجوانب الثقافية في المخيمات، إذ هناك محاولات لبعض الأشخاص المهتمين في الثقافة، من عقد جلسات وندوات أدبية، إلى إحياء حفلات تراثية، كالدبكة والأغاني التراثية الفلسطينية، من إحياء للعادات والتقاليد، وعادات الأعراس، والطبخ، واللباس، كسهرة النورس الثقافية، لكن ذلك لا يكفي. إذ أننا نريد جهودًا أوسع من ذلك. فتقهقر الثقافة عائد إلى انشغال السياسيين بالسياسة، وعامة الناس بحياتهم المعيشية التي يفرضها عليهم الواقع الاقتصادي الذي يثقل كاهلهم".

ويقول خالد زيدان "عندما يرسم الفنان الفلسطيني لوحته بنفَس مقاوم، ويغني المطرب أغنيته بنفَس مقاوم، أو الأديب يكتب روايته بهذا النفَس، كما المحاضر والروائي والصحفي وكل طبقات المجتمع الفلسطيني في المخيم، على هذا النحو، نكون حينها أعدنا إحياء ثقافة المقاومة، والتي من دونها لا قيمة معتبرة لأي ثقافة، ولا تشذيب ولا إصلاح، لأي ثقافة جديدة ممسوخة سلبية مستوردة تنخر في مجتمعنا الفلسطيني في المخيم".

ويختم: "كونوا مثقفين مقاومين مشتبكين، تكن لكم الحياة".