التطبيع خيانة

آراء وتحليلات

حرب ماكرون على "الاسلام السياسي": ارضاء لليسار واليمين

08/10/2020

حرب ماكرون على "الاسلام السياسي": ارضاء لليسار واليمين

سركيس ابو زيد

الرئیس الفرنسي إیمانویل ماكرون نجم الساحات الدولية المتوترة الممتدة من تركیا الى لیبیا وشرقي المتوسط، وفي "ناغورني قره باغ".. فضلًا عن مبادراته  الناشطة في لبنان والعراق.. كل ذلك لم یحل دون إقدامه على فتح ملف داخلي حساس ھو ملف "الإسلام السیاسي" في فرنسا، من باب تسلیط الضوء على "الانفصالیة الإسلامیة" في المجتمع الفرنسي ومخاطرھا وكیفیة مواجھتھا.

عرض ماكرون، قبل أیام، إستراتیجیته لمحاربة ما یُسمى "الانفصالیة الإسلامیة"، أو مشروع "المجتمع المضاد"، الذي یجري العمل علیه في فرنسا، حسب زعمه، من خلال الإعلان عن عدة إجراءات خاصة في مجال التعلیم وكذلك مسألة تنظیم عمل أئمة المساجد. ھذا التوجه یأتي في سیاق حساس في فرنسا حیث تُعد العلمانیة قیمة أساسیة، فیما یمثل الإسلام الدیانة الثانیة في البلاد. ویأتي كذلك فیما یتعرض ماكرون لنیران الیمین والیمین المتطرف والیسار.

المقصود بـ"الانفصالیة" لیس الانفصال الجغرافي، وإنما إیجاد بیئات موازیة فكریة واجتماعیة. و"الانفصالیة الإسلامیة"، حسب ماكرون، ھي میل قطاعات من المسلمین الى الانطواء على الذات والانفصال عن المجتمع الفرنسي ومؤسساته، كالمدرسة مثلا. قال إن 50000 طفل یتابعون دراستھم في المنازل أو في جمعیات خاصة، وإن أئمة العدید من المساجد لا تختارھم الدولة الفرنسیة، بل بعض قنصلیات الدول العربیة. وأشار أیضا الى انتشار جملة من الممارسات الاجتماعیة التي تتناقض مع قیم الجمھوریة الفرنسیة، وفق ادعائه.

حرص ماكرون على التنبیه أن المستھدف لیس المسلمين، بل من یستغل الإسلام للترویج لمشروع سیاسي، وھو ما یسمیه "الإسلام السیاسي" أو "الإسلام الرادیكالي المتطرف"، وكلاھما یسعى لإقامة مجتمع بدیل، مستفیدًا من غیاب الدولة والخدمات العامة وبؤس الشباب، على حد قوله.

إستراتیجیة ماكرون تستهدف توفیر الأدوات القانونیة التي تمكن الدولة من محاربة ھذه "النزعات الانفصالیة"، وترتكز إلى خمسة محاور أساسیة:

1-الحرص على حیادیة المرافق العامة ومنع إستخدام الشعارات والرموز الدینیة في المؤسسات العامة، وعدم التفریق بین الجنسین.
2- فرض الرقابة على الجمعیات التي تغلغلت فیھا النزعات الآیدیولوجیة "الانفصالیة" وإلزامھا بتوقیع "شرعة احترام قیم الجمھوریة".
3- منع التعلیم في المنازل، حیث إن ھناك 50 ألف طفل یتابعون ھذا النوع من الدراسة. بحیث یصبح التعلیم إلزامیا بالمدارس لكل من بلغ الثالثة من عمره. وخوف ماكرون ھو من المدارس الموازیة الموجودة بشكل عشوائي ومن غیر رقابة، ويعتبر أن العدید منها خاضع لتیارات متشددة.
4 -تحدید كیفیة التعامل مع "إسلام فرنسا" والوصول إلى "إسلام الأنوار"، أي المعتدل والمنفتح والقابل للعیش المشترك بحیث یكون شریكا للجمھوریة. یرید ماكرون تأھیل أئمة مسلمین فرنسیین وإعادة إطلاق الدراسات الإسلامیة في المعاھد والجامعات، وقال: "أرید أن نعید تعلیم فلسفة ابن رشد وابن خلدون وألا نترك الدراسات الإسلامیة لمن یستغلھا لصالحه"، فضلًا عن ذلك یرید تقویة تعلیم اللغة العربیة، على أن یتم ذلك تحت إشراف وزارة التربیة والتعلیم. وقرر ماكرون منح  10  ملایین یورو لـ"مؤسسة إسلام فرنسا" لتدریس الثقافة والحضارة الإسلامیة.

5 - اعترف الرئیس الفرنسي بأن الدولة أسھمت في إیجاد "الغیتوات" وأھملت العدید من الأحیاء والضواحي، الأمر الذي سھّل عمل الآیدیولوجیات "المتطرفة". لذا، فإن غرضه "إعادة الجمھوریة" إلى كل الأراضي الفرنسیة وإطلاق مشاریع اجتماعیة وتربویة وثقافیة واقتصادیة ومحاربة التمییز في التعلیم والعمل والمسكن. وكل ذلك من أجل العیش المشترك. إذا كان الغرض من مشروع القانون محاربة "الانفصالیات"،  فإن الطریق لذلك، وفق المصادر الرئاسیة، تمر أولًا عبر "الرد الدفاعي"، وعنوانه توفیر الأسس القانونیة للتدابیر الرادعة، وثانيا "الرد الإیجابي" الذي یعني إعادة الجمھوریة وقیمھا، كالتحرر والمساواة وتوفير الخدمات في الأحیاء والضواحي.

واضح أن ماكرون بتشدیده على إعادة قبضة الدولة إلى الأحیاء والضواحي التي خرجت منھا بفعل الانغلاق المجتمعي، فإنه یرید اجتذاب الجناح الیمیني في فرنسا وإبراز تشدده. وبتركیزه، في مرحلة لاحقة، على تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعیة، فإنه يريد ارضاء  الیسار.

ویأتي كشف ماكرون عن ھذه الاستراتیجیة في لحظة بالغة الأھمیة قبل أقل من عام ونصف العام على انتخابات رئاسة الجمھوریة ربیع عام  2022، حیث یرى المراقبون أن إشكالیة العیش المشترك والأمن وموقع الإسلام داخل المجتمع الفرنسي وملف الضواحي ستكون محاور رئیسیة للجدل الانتخابي.  

حدیثه عن الأزمة التي یعیشھا الإسلام استفز غالبیة المسلمین، بینھم الأزھر الذي وصف تصریحاته بالعنصریة. لكن الرد الأعنف جاء من رجب طیب إردوغان، متھما ماكرون بـ"تخطي الحدود" .

بین إیمانویل ماكرون ورجب طیب أردوغان، كل المناسبات والفرص صالحة للاستخدام من أجل إعادة إشعال الحرب الكلامیة بینھما التي تتغذى من خلافات سیاسیة وجیوسیاسیة وطموحات متعارضة أصبحت لھا عناوین عدة حسب الاوساط الفرنسية، منها: حرب الرئیس التركي على الأكراد في سوریا، ومشاركته في الحرب اللیبیة مباشرة أو عبر مرتزقة سوریین، وأطماعه في ثروات میاه المتوسط الشرقي وبحر إیجه على حساب المصالح القبرصیة والیونانیة، ودوره المشاكس داخل الحلف الأطلسي، وأخیرا نفخه في الحرب بین أذربیجان وأرمینیا.

باختصار: يحاول ماكرون أن يكون نجمًا في الساحات الدولية عبر تصعيد مواجهته لتركيا بشكل خاص تعويضًا عن افول نجمه في الداخل الفرنسي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، لذلك شن هجومًا على "الاسلام الانفصالي" ليرفع أسهمه في صفوف اليمين. فهل ينجح بتعزيز  رصيده في الداخل والخارج، أم يتراجع على الجبهتين؟ سؤال تجيب عنه الانتخابات الفرنسي.

فرنساايمانويل ماكرون

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة