ولادة الرسول وأسبوع الوحدة

آراء وتحليلات

ناغورني قره باخ: مغامرة جديدة للتوسع التركي

07/10/2020

ناغورني قره باخ: مغامرة جديدة للتوسع التركي

صوفيا ـ جورج حداد

في الادبيات السياسية التاريخية هناك تعبير شائع اطلق على منطقة البلقان التي انطلقت منها شرارة الحرب العالمية الاولى، والتي شبهت بأنها "برميل بارود". وقد اطلقت هذه التسمية على منطقة البلقان لانها تمثل نقطة تلاقي وتصادم ثلاثة عوالم متناقضة هي: العالم الصليبي الاستعماري الغربي، والعالم الاسلامي ـ العثماني الفتوحاتي، والعالم المسيحي الشرقي المتمثل اساسا بروسيا.

واننا اذا وضعنا "برميل البارود" هذا على بطنه، فسنكتشف ان فوهته الامامية تقع في البلقان، ولكن فوهته الخلفية تقع في منطقة ما وراء القوقاز، وقلبها (جورجيا وأرمينيا واذربيجان). فهذه البقعة الملتهبة من العالم حيث يتلاقى شمال غرب اسيا مع شرق اوروبا، احاطت بها منذ القديم، وتصارعت، وتعاونت، وتزاحمت، شتى امبراطوريات العالم القديم في العصور القديمة والمتوسطة: الامبراطورية الروسية، والبيزنطية (قبل وبعد استقلالها عن روما التاريخية)، والطورانية التركية (السلجوقية والعثمانية)، والمغولية ـ التتارية، والفارسية. وكانت ـ ولا تزال ـ شعوب هذه المنطقة (ولا سيما الارمن والاذربيجانيين) "شريكة" محلية، وأداة، وضحية، لمطحنة الصراعات الدولية المحيطة بها.

وبنتيجة هذه الصراعات كانت منطقة ما وراء القوقاز عرضة، وعلى مدى مئات والوف السنين، للضم لهذه الامبراطورية او تلك، وللتجميع، وللتفكيك، ولاعادة التجميع، واعادة التفكيك... ومن ذلك انه في القرون الاخيرة قبل الميلاد نشأت مملكة ارمينيا الكبرى، التي امتدت من بحر قزوين (اي شملت الاراضي الاذربيجانية) الى قيليقية (في تركيا حاليا) المحاذية للبحر الابيض المتوسط. ولكن الصراعات ادت الى تفكيك هذه المملكة الى خانات وامارات وممالك صغيرة متضاربة. ونذكر هنا ان القائد القرطاجي العظيم هنيبعل برقة حينما ادرك انه تحاك ضده في قرطاجة مؤامرة لتسليمه الى روما، ارتحل الى احدى الممالك الارمنية في شمال سوريا (جنوب تركيا) وساعدها في الحرب ضد الامبراطورية الرومانية. وقد اكتشف هناك ايضا انه يجري تدبير مؤامرة ضده لتسليمه الى روما، فتجرع السم وانتحر. وفي القرن الاول الميلادي اسس الارمن مملكة قيليقية الارمنية، التي استولى عليها الاتراك في 1375. وقد ظلت اعداد كبيرة من الارمن تعيش في قيليقية حتى الحرب العالمية الاولى، الى ان تم التطهير العرقي في قيليقية للارمن الارثوذكس والسريان الارثوذكس والروم الارثوذكس في مجازر 1915 – 1922.

وفي نهاية الحرب العالمية الاولى انهارت الامبراطورية الروسية وانتصرت الثورة الاشتراكية في روسيا. وحينذاك فتح افق جديد لحل النزاعات القومية ـ الدينية في ما وراء القوقاز على اساس التآخي الاممي ـ الاشتراكي.

ولكن في ظروف مرض زعيم الثورة لينين، وسيطرة ستالين والصهاينة على السلطة السوفياتية، طبقت الستالينية سياسة براغماتية ـ تعسفية ـ استبدادية ضد القوميات والاديان في الاتحاد السوفياتي.

وفي سنة 1923 قدم ستالين للشعبين الارمني والاذربيجاني "هديتين" مسمومتين او ملغومتين: تم فصل منطقة ناغورني قره باخ الارمنية عن الوطن الام ارمينيا واحاطتها باراض ارمنية جرى ضمها الى اذربيجان، بحيث اصبحت ناغورني قره باخ (يعيش فيها حوالى 150 الف نسمة) جزيرة ارمنية ألحقت قانونيا بشكل مصطنع باذربيجان. وفي المقابل جرى فصل منطقة نخجوان (ناخيتشيفان) الاذربيجانية (يعيش فيها حوالى 500 الف نسمة) عن اذربيجان، وهي حتى الان "جيب اذربيجاني"، ذي حكم ذاتي، يتبع قانونيا لاذربيجان ولكن الاراضي الارمنية تفصله جغرافيا عن اذربيجان. وهو يقع جنوب ارمينيا بين ارمينيا وايران (تحديدا اذربيجان ايران). وكان الهدف الستاليني من هذا الشطرنج الجغرافي ـ الديموغرافي، التعسفي والاستبدادي، هو الاحتفاظ بالنزاع القومي ـ الديني، الاذربيجاني (الطوراني) ـ الارمني، كنار تحت الرماد، يمكن اشعالها في اي وقت، لتبرير التدخل القمعي للسلطة الستالينية، بهدف الاحتفاظ بالولاء الارمني التقليدي لروسيا، وفي الوقت ذاته الاحتفاظ بالنفط الاذربيجاني الذي كان مصدر النفط شبه الوحيد لروسيا في تلك المرحلة.

ولدى انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 بفعل خيانة القيادة الغورباتشوفية (النيوستالينية)  المتصهينة، طرحت على الفور ـ وبحدة ـ مسألة مصير ناغورني قره باخ. وكان هناك توجه قوي لدى غالبية سكان المقاطعة للانضمام الى الوطن الام ارمينيا. وامتشق عشرات الالوف من سكان ناغورني قره باخ السلاح على نطاق واسع وشكلوا جيشا حقيقيا كبيرا لاجل تحقيق هدفهم القومي. ولكن من وجهة النظر الشكلية للقانون الدولي كان ضم ناغورني قره باخ الى ارمينيا يعني الاعتداء على سيادة اذربيجان وخرق القانون الدولي وتخريب الستاتيكو الدولي في الاقليم. وهذا ما كانت ارمينيا ذاتها تتحفظ عن  القيام به، وتعارضه روسيا. وحينذاك اندلعت انتفاضة شعبية مسلحة في ناغورني قره باخ تحت شعار المطالبة بالاستقلال عن اذربيجان. وتحت الضغط الشعبي الارمني الكاسح للانتفاضة، قامت السلطة الارمنية بدعم انتفاضة ناغورني قره باخ عسكريا. ووقعت الحرب بين اذربيجان وبين ارمينيا وناغورني قره باخفي 1992 - 1994. وانتهت هذه الحرب بسيطرة الارمن على الاراضي الاذربيجانية التي كانت تفصل بين ارمينيا وبين ناغورني قره باغ، وباعلان ناغورني قره باغ كجمهورية مستقلة من طرف واحد. وقد جرت انتخابات في "جمهورية ناغورني قره باخ" (ارتساخ بالارمنية) سنة 2002، ومع ذلك لم تعترف بها ولا دولة في العالم، بما فيها ارمينيا ذاتها. ولكن  واقعيا فإن ارمينيا تعامل ناغورني قره باخ كجزء منها.

والسؤال الكبير الان هو: لقد كانت فتنة ناغورني قره باخ نائمة في ادراج الزمن الى ان يتم حلها سلميا بالتفاهم بين قادة الشعبين الجارين والشقيقين اللذين امتزجت دماء مئات الالوف من خيرة ابنائهما في الصراع المشترك ضد الهمجية النازية في الحرب العالمية الثانية، فلماذا تم تفجير الازمة في هذه المرحلة بالذات؟ ومن فجرها؟

ان اي جواب عن هذا السؤال سيكون جوابا مبتسرا وسطحيا وغير ذي قيمة حقيقية اذا لم يؤخذ بالاعتبار النقاط الجوهرية التالية وينطلق منها:
1 ـ ان ما يسمى "العالم العربي"، اي المنطقة الممتدة بين موريتانيا في الغرب، والكويت في الشرق، وبين اليمن في الجنوب، ولواء الاسكندرون السليب في الشمال، ـ هذه المنطقة، وبما يحيط بها من بحار ومحيطات، هي مهد الحضارة العالمية، وكانت ـ ولا تزال ـ تمثل قلب العالم القديم (والمعاصر). وكانت هذه المنطقة على الدوام محط اطماع جميع الغزاة من الغرب ومن الشرق.

2 ـ واذا كانت روما القديمة، والصليبية، والاستعمار المعاصر، والصهيونية، هي العناوين الرئيسية للغزاة الغربيين للعالم العربي، فإن العناوين الرئيسية للغزاة الشرقيين تتمثل في المغول والتتار، والطورانيين الاتراك (من السلاجقة الى العثمانيين) الذين استبدوا بشعوبنا واذاقوها الامرّين، واوصلوها للحضيض، متسترين بالدين الاسلامي.

3 ـ وبالنسبة للغزاة الطورانيين الاتراك، القادمين من الشمال الشرقي، فإن الارمن المسيحيين الارثوذوكس في القوقاز، والاشوريين في العراق، والسريان في سوريا (بموقعهم الجغرافي وانتمائهم الديني المسيحي الارثوذوكسي) كانوا يمثلون موضوعيا "خط الدفاع الاول" بوجه التوسع الطوراني التركي نحو "الشرق الاوسط الكبير" (حسب التعبير الجيوسياسي الاميركي المعاصر). من هنا نشأ الحقد العميق الطوراني التركي ضد الارمن والاشوريين والسريان. ومن هنا نشأت نزعة ابادة الارمن والاشوريين والسريان لدى الطورانيين الاتراك (الخلافاتيين و"الجمهوريين" والاردوغانيين "الخلافاتو ـ جمهوريين").  

4 ـ ان نزعة ابادة الارمن هي مكوّن جيني اساسي في نزعة التوسع الطوراني التركي. والإشعال الحالي لازمة ناغورني قره باخ ما هو الا فصل جديد من فصول تراجيديا ابادة الارمن المتواصلة منذ مئات السنين.

وجوابا عن السؤال: لماذا الان؟ نشير الى النقاط التالية:

أ ـ لقد تلقت تركيا الاردوغانية لطمة شديدة بفشل مشروع اقامة الخلافة الداعشية الذي كان مشروعا تركيا بامتياز. ولكن من الخطأ الفادح ادنى اعتقاد ان تركيا الاردوغانية، وبفعل هذا الفشل، قد تراجعت وتخلت عن نزعتها التوسعية. واذا كانت تركيا اضطرت الى المناورة السياسية ـ العسكرية في سوريا، فإنها عمدت الى تحريك الازمة مع اليونان وقبرص حول التنقيب عن النفط والغاز في شرقي المتوسط، كما والى التدخل العسكري في ليبيا. ومن ضمن هذا السياق التوسعي دفعت تركيا "حليفتها" اذربيجان لتحريك فتنة ناغورني قره باخ.

ب ـ تراهن القيادة الاردوغانية على ان احتمالات نجاح ارتكاب المجازر المخطط لها ضد الارمن في ناغورني قره باخ سيؤدي الى تحفيز التيار العنصري الارمني المتطرف على انتزاع السلطة في ارمينيا والقيام بمذبحة ارمنية ضد المدنيين الاذربيجانيين في جيب نخجوان (ناخيتشيفان)، مما سيزعزع العلاقة الجيدة بين ارمينيا من جهة وبينها وبين ايران وروسيا من جهة اخرى. وهذا يعني عزل ارمينيا دوليا، وتسهيل اطباق الكماشة التركية ـ الاذربيجانية عليها.  

ج ـ ان الهدف القريب للفتنة الحالية هو القضاء التام على الوجود الارمني في ناغورني قره باخ. ولكن الهدف التالي هو القضاء الكلي على الدولة الارمنية والوجود الارمني في القوقاز، ووصل الحدود بين تركيا واذربيجان الطورانيتين.

د ـ واذا قدر لا سمح الله لتركيا تحقيق هذا الهدف، ووصلت "حدودها" الفعلية الى بحر قزوين، فإنها تأمل ان تقيم علاقات مباشرة مع الدول الاسلامية في اسيا الوسطى، التي هي كلها دول طورانية، وتستطيع بذلك، بدعم ومباركة اميركية واطلسية، ان تقيم جدارا طورانيا تركيا عاليا لعزل وتطويق ايران جنوبا، وروسيا شمالا.

هـ ـ واذا ـ في اسوأ الاحتمالات بالنسبة لتركيا ـ فشل هذا المخطط كله، فإن الدولة التركية التي تقف الان بقضها وقضيضها الى جانب اذربيجان، تأمل ان تحصل على جائرة "تطوير" خط انبوب النفط الحالي الممتد بين باكو وميناء جيهان التركي، ووضع اليد كليا على النفط والغاز في اذربيجان، وعبرها في بحر قزوين.

القيادة الاميركية ـ الاطلسية ليست بعيدة عن هذه المخططات الجيواستراتيجية العدوانية، بل هي مهندسها الاول.

(*) كاتب لبناني مستقل   

روسياتركيااذربيجانارمينياناغورني قره باخ

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة