25may2

آراء وتحليلات

التجربة الفرنسية في بلادنا

03/10/2020

التجربة الفرنسية في بلادنا

د. محمد طي

بدأ التدخل الفرنسي في بلادنا أثناء ما سمي بـ "الحروب الصليبية"، حيث حاول الملوك الفرنسيون إقامة موطئ قدم دائم لهم في سوريا، مستغلين التباينات الدينية، وبسط لويس الثامن حماية فرنسا على الطائفة المارونية واقترح على الموارنة أن يقيموا نظاماً "إقطاعياً" على غرار النظام الفرنسي وادعى الفرنسيون أن "صاحب جبيل استطاع أن يقلب فرقة "هرطوقية" إلى الطقس الغربي"، وقد نفى المؤرخون الموارنة ذلك.

واستمر الوضع بعد هزيمة الصليبيين النهائية على أيدي المماليك في القرن الثالث عشر. لكن الملوك الفرنسيين في المرحلة التي تلت لم يكونوا يستطيعون أن يولوا كبير اهتمام للمنطقة، خصوصاً بعد هزيمتهم فيها، واستمرّ الانكفاء الأوروبي عامة والفرنسي خاصة إبان الحروب الدينية- حرب الثلاثين سنة- وما بعدها.

ورد البابا على بعض من طلب إليه إعادة احتلال منطقتنا أيام فخر الدين مؤكداً له أن الأمير على استعداد لتسليمهم بيت المقدس، وكان جواب البابا أن الملوك المسيحيين منهمكون بقتال بعضهم بعضاً. لكن لويس الرابع عشر كرر، بعد توليه العرش، حمايته وأعقابه للموارنة في رسالة إلى البطريرك بتاريخ 28 نيسان 1649. ثم انشغل الفرنسيون بمحاولات الاصلاح ثم بالثورة إلى أن استقرت الأمور نسبياً في بداية ثلاثينيات القرن التاسع عشر. فاحتلوا الجزائر ونشط تدخلهم في سوريا مع الدخول المصري. ولما بدأت الأحداث الطائفية في أربعينيات القرن المذكور في جبل لبنان، كانوا جاهزين ليدعموا الموارنة، فيما كان الإنكليز يدعمون الدروز. وتدخلوا حتى عسكرياً. وكان نابوليون الثالث (1848-1870) يقول: "هناك أمة تتكون في شمالي أفريقيا والشرق الأوسط.. وأنا إمبراطور العرب". وقد طلب من الموارنة شراء الأسهم في قناة السويس.

وفي الحرب العالمية الأولى، خطط الانكليز والفرنسيون لاقتسام المنطقة، وعقدوا اتفاقية سايكس-بيكو، التي جعلت سوريا، باستثناء فلسطين، من حصة فرنسا. فاقتطعت من سوريا منطقتين مبدئياً، لبنان والاسكندرون. وقسمت سوريا الباقية إلى أربع دول.

في تركيب لبنان، كان الهاجس إقامة دولة للموارنة قبل كل شيء، لكن لم يكن ممكناً أن تكون صافية، فهي بحاجة للأراضي الزراعية فضمت الأقضية الأربعة: بعلبك، معلقة زحلة، راشيا، حاصبيا، رغم معارضة الأكثرية الساحقة من سكانها. وعزلت مدن بيروت وطرابلس وصيدا مبدئياً. واختلف بشأن الجنوب والشمال. فالجنوب رأى الفريق اللبناني عدم ضمه خوفاً من ازدياد العنصر الاسلامي، لكن الفرنسيين أصروا على ضمه كي لا تجتاحه "العصابات الصهيونية الجامحة" ويصبح تحت النفوذ البريطاني. أما الشمال فكان الفرنسيون يعارضون ضمه، لكنهم لم يجدوا له مكاناً. ذلك أن ضمه إلى دولة دمشق "يجعلها كبيرة" بما لا يناسب الفرنسيين. واقترح إقامة دولة من حمص وحماه وطرابلس التي تكون منفذها على البحر. لكن الاقتراحات فشلت. وكان الزعماء الموارنة يطالبون بضم الشمال متعهدين بأن "نلبننه كما لبننا بيروت". وشكل لبنان الكبير على هذا النحو.

بدأت جهات إسلامية عملاً مسلحاً ضد الفرنسيين، فراح الجنرال غورو يسلح بعض القرى المسيحية "ليدافعوا عن أنفسهم ".. في السياسة عارض ممثلو بعلبك والبقاع والساحل وبيروت وطرابلس وصيدا والجنوب الدولة الوليدة. لكن الفرنسيين أصروا عليها. وبرزت المعارضة عند مناقشة الدستور.

أخذت المجالس التمثيلية تشكل على أساس طائفي بأغلبية واضحة مسيحية، لأن المسيحيين كانوا أغلبية، وصولاً إلى سنة 1942-43، حيث رفض المسلمون النسبة التي حددت لهم وتدخل الإنكليز وتم التوصل إلى صيغة 6/5 بين المسيحيين والمسلمين.
على صعيد المشاركة في الحكم، الذي تسلمه الرجالات الذين قدموا على البوارج الفرنسية، ومن أجل إنهاء المقاطعة الاسلامية، اقترح الرئيس إميل إدة والمفوض السامي سنة 1936 إعطاء المسلمين منصباً رفيعاً- سكريتير دولة- في النظام، وافقت الخارجية الفرنسية فعين عبد العزيز الأحدب في المنصب الجديد، الذي سيسمى منصب رئيس الوزراء دون تعديل في الصلاحيات، وتهافتت الشخصيات المعارضة على المنصب
أما بالنسبة للوظائف الإدارية، فصدرت الرسالتان 6 و6 مكرر بين الرئيس إدة والمفوض السامي، وقد أقرتا إعطاء بعض الوظائف للمسلمين.

سنة 1943، توصل القادة اللبنانيون إلى صيغة الميثاق الوطني: لا وصاية فرنسية ولا وحدة مع سوريا. وأعلن الاستقلال. لكن الفرنسيين رفضوا واعتقلوا القيادات في قلعة راشيا، فأنذرهم البريطانيون بأنهم سوف يتدخلون للإفراج عنهم إن لم تفرج فرنسا عنهم. فسجنوا من 11 تشرين الثاني إلى 22 منه.

طرح الفرنسيون أهدافا من احتلال لبنان منها الاستفادة من الاغتراب اللبناني في بلاد انتشاره، ومنها أن يفرنسوا (Franciser) لبنان أو أن يفرنسوا مسيحيي لبنان.

أما الدستور فقد أعدته لجنة بونكور، بعد الاستماع إلى آراء شخصيات لبنانية من ذوي الثقافة الفرنسية، وبعد أخذ ملاحظات جهات متعددة في فرنسا، ثم طرح على المجلس التمثيلي بعد أن سمي "المجلس التأسيسي". وكان رئيس الوزراء، وزير الخارجية الفرنسي أرستيد بريان أفهم المفوض السامي أنهم مضطرون لتضمين الدستور "أحكاماً حول حقوق الانسان، لأن بريطانيا ضمنتها دستور العراق، ولما كانت سوريا (بما فيها لبنان) أكثر تقدما من العراق، فإننا لا نستطيع التخلف عنها"، لكن على أن تقيّد الأحكام بالقوانين كيلا يستغلها معارضو الانتداب ..

هذا ملخص ويمكن لمن يريد الاستزادة أن يراجع الأرشيف الفرنسي في كورنيف قرب باريس.

فرنسا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة

خبر عاجل