ولادة الرسول وأسبوع الوحدة

آراء وتحليلات

ترامب الواهم وبومبيو المغامر في مواجهة إيران الثابتة: نفد الوقت

22/09/2020

ترامب الواهم وبومبيو المغامر في مواجهة إيران الثابتة: نفد الوقت

محمود ريا

تحتشد الأساطيل الأميركية في منطقة الخليج، في مشهد صار شبه معتاد، حيث تتصاعد التهديدات الأميركية المترافقة مع هدير البوارج وأزيز الطائرات المنطلقة من حاملاتها، في استعراض قوة ينبئ بمخاطر استهداف أمريكي وشيك لإيران، بهدف تحقيق الأهداف المتعثرة للإدارات الأميركية في المنطقة.

اليوم، يبدو الوضع أكثر جدية وأعلى خطورة، فالإدارة الأميركية الحالية تجمع بين أعلى حالات "البهورة" الصوتية التي لا تقف عند حدود، وأقصى درجات الضعف الميداني الناجم عن المتغيرات الجيواستراتيجية التي تشهدها المنطقة. ومع ارتفاع حدة التهديدات، ولعب الإعلام الغربي دوره في تمرير السيناريوهات الحربية، هناك من يرى أن واشنطن قررت فعلاً الاستفادة من "اللحظة التاريخية"، وتوجيه ضربة قاصمة لإيران، بما يسمح للولايات المتحدة بإقفال هذا الملف الشائك، ويجعل إيران "تستسلم" للشروط الأميركية.

ضربة من هذا النوع هي مشروع مجموعة كبيرة من المنتمين إلى جناح الصقور في الإدارة الأميركية، ويقودهم اليوم مايك بومبيو، مدير الاستخبارات المركزية السابق ووزير الخارجية الحالي، وهو شخصية تصلح لأن تكون في أي موقع، إلا على رأس ديبلوماسية الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا في العالم.

يلعب بومبيو دور "البلطجي العالمي"، بكل ما في الكلمة من معنى، فلا يترك دولة أو منطقة من شروره، يصعّد ويوتّر ويخلق الاضطرابات، ولا يوفّر أحداً، لا الأعداء والخصوم، ولا الدول البعيدة عن الخصام، ولا حتى الحلفاء المقربين لبلاده في أوروبا وغيرها من مناطق العالم.

وفي كل هذه التحركات التي يقوم بها بومبيو المغامر لديه هاجس واحد: تأمين فترة رئاسية جديدة لرئيسه دونالد ترامب، الذي يعاني من انخفاض أسهمه في السباق الرئاسي الذي بات قريبا جدا، أي بعد أقل من شهرين.

وليس الوفاء للرئيس وللحزب هو الذي يدفعه لبذل كل هذه "الجهود الجبارة" لتأمين فوز ترامب، وإنما هناك دافع شخصي بحت يتمثل في طموحه ليكون هو مرشح الرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري عام 2024، لا بل أن يكون هو الرئيس المنتخب في ذلك الوقت، بعد أن يكون قد خلّص الولايات المتحدة من أهم أعدائها، أي إيران، وكسر شوكة المنافس الأساسي، أي الصين، وساق العالم كله بالعصا الأميركية الغليظة، فلا تمرد ولا احتجاج على إرادة واشنطن العليا.

هذا الجموح لدى بومبيو يلقى هوى كبيرا عند دونالد ترامب المأزوم والضائع بين حلمه بولاية ثانية يكمل من خلالها شعوره بالراحة لأنه رئيس أميركا (كما صرّح في إحدى تغريداته مؤخراً) وبين واقع استطلاعات الرأي التي لا تعطيه فرصة كبيرة في تحقيق هذا الحلم. لذلك هو يتوهم أن انسياقه وراء خطة بومبيو الجهنمية قد تفتح له الطريق الذي يراه مقفلاً أمامه منذ الآن.. إلى البيت الأبيض.

إنه الآن بحاجة إلى ضربة حاسمة وسريعة وفعّالة، تسمح بتسييلها دعماً قويا ومؤثراً في صناديق الاقتراع، ولا يجد أمامه سوى القيام بهجوم سريع على إيران، يشد من خلاله العصب الأميركي خلفه، ويحقق للأميركيين الحلم الذي يبحثون عنه منذ أربعين عاماً: القضاء على الكابوس الإيراني الذي ينغّص عيشهم.

هذا هو السيناريو الذي تقدمه وسائل الإعلام الأميركية، وتحشد له كل صفحاتها وأوقات بثها وأقمارها الصناعية ووسائطها الإلكترونية: سنلقّن إيران درساً.

من يتابع وسائل الإعلام هذه يشعر أن الطائرات الأميركية تنتقل الآن من التحليق فوق طهران إلى الهبوط في مطاراتها منتصرة، وأن القوات الأميركية ربما وصلت إلى أصفهان، وأن الحرس الثوري يرفع الأعلام البيضاء، فيما الجيش الإيراني صار بإمرة ضابط يتلقى تعليماته من البنتاغون.

هذه هي مغامرة بومبيو، وهذا هو وهم ترامب، ولكن ماذا على أرض الواقع؟

يقول العلم العسكري إن إيران ليست لقمة سائغة، وإنها تملك قدرات كبيرة تنوي استخدامها في مواجهة أي هجوم أميركي محتمل. هذا يعني أن فترة الأسابيع القليلة المتبقية على موعد الانتخابات الأميركية المقبلة لا تكفي لتحقيق نصر نظيف على إيران، وأن صمود إيران هذه الفترة سيجعل الرئيس الأميركي يدخل انتخاباته الرئاسية وهو في أوج معركة عسكرية حامية، يتساقط فيها الجنود الأميركيون قتلى وجرحى ـ وربما أسرى ـ ما سيؤدي إلى استنفار الرأي العام الأميركي ضده، ويدفع الناخبين بعيداً عنه، فيخسر بشكل مؤكد أي فرصة لإعادة انتخابه، وتصبح مغامرة بومبيو في مهب الريح.

حتى لو استطاعت الولايات المتحدة كسر إيران، وهذا أمر مستحيل في ظل الظروف القائمة، فهذا لن يحصل خلال فترة الأسابيع المقبلة، ولن تتمكن الجيوش الأميركية من تحقيق أهدافها في هذه المهلة المحدودة، فإيران إرادة وقوة وثبات، ولا يمكن التغلب عليها ببضعة صواريخ، أو بعملية هجومية محدودة،. أما العملية الشاملة فهي تحتاج لسنوات لتحقيق أهدافها، على فرض أنها تستطيع تحقيقها.

في الخلاصة، البهورة الأميركية ليست في محلها، لأن نتائجها ستنعكس على الإدارة الأميركية وعلى الولايات المتحدة كلها، وسيكون ترامب مجنوناً فعلاً إذا انساق وراء فلتان بومبيو من عقاله. سيكون ترامب خاسراً بلا أي شك، ولذلك من المستبعد جداً أن يقوم بهذه المغامرة.

أما إذا قام بها، فهذا يعني أننا سنشهد فجراً جديداً للمنطقة كلها.. بلا ولايات متحدة، إذا بقيت متحدة.

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامب

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة